هو الحق
18-02-2010, 03:59 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سادتي وإخواني الكرام، السلام عليكم ورحمة الله. شهد الله لا أتمكن من أن أصف شعوري في هذه اللحظات. نحن في قرية "اليمونة"، بين الأبطال. الأبطال الذين عبروا ظلام الزمن، الأبطال الذين تجاوزوا الصعوبات والمحن، الأبطال الذين حفظوا الأمانة وما وهنوا، ولا فرّطوا بحفظ قيمهم، وخلقهم، وإيمانهم. نحن في اليمونة، وبحضور نخبة من كبار القوم الذين تركوا ساعات راحتهم وعملهم، وسعوا مشتاقين إلى هذا اللقاء.
نحتفل في مدرسة، بذكرى مولد الإمام الثاني عشر، محمد بن الحسن المهدي (ع). ولا نكتفي بإحياء الذكرى، بل نجسد تقديسنا للذكرى، بتكريس الخط، خط ذكرى الإمام، يعني خط الأمل والتهيؤ. سوف نكرس هذه المفاهيم، في هذا اليوم بإذن الله، فنحاول أن تلتقي طاقاتنا وجهودنا، مع جهود أبطال هذه البلدة وطاقاتهم، في رفع بيت الله وإكمال المسجد المكرم في هذه البلدة.
والأيام، كما سمعتم، أيام استقلال والاستقلال كما نفهمه يتجاوز بمعناه الاستقلال السياسي، ويشمل الاستقلال الاقتصادي، والاستقلال الفكري، والاستقلال الخلقي. أيام مباركة، وساعات مباركة ، فلقاؤنا في ذهني كالحلم المشرق. ويكون لي الشرف، كل الشرف أن أقف في هذه الذكرى، ذكرانا بمولد الإمام الثاني عشر. وكما تعلمون الإمام الثاني عشر إمام منتظر. ونحن ننتظر ظهوره لكي "يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، بعدما ملئت ظلماً وجوراً". والفكرة، بصورة موجزة، لا تختص بهذه الطائفة، بل هي في كتب أحاديث المسلمين، بجميع مذاهبهم، مئات وألوف من الروايات، تدل وتثبت أن النبي الكريم عليه الصلاة والسلام قال: "لو لم يبقَ من العالم إلا يوم واحد، لطوّل الله ذلك اليوم حتى يأتي رجل من أهل بيتي، اسمه اسمي ، وكنيته كنيتي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، بعدما ملئت ظلماً وجوراً".
فالحديث متواتر، عند جميع فرق المسلمين. فالرأي لا يختص بطائفة. ثم الفكرة، كانت ولا تزال عامة، تشمل مفاهيم جميع الأديان. فإنتظار المخلّص، وإنتظار المنقذ، وإنتظار الروح الحق والمعزِّي، وإنتظار أمر ما، موجود عند جميع الفرق والأديان، وعند جميع المتشرعين بالشرائع. ثم إن الفكرة، تتجاوز النطاق الديني، وتشمل النطاق العلمي أيضاً. فإذا لاحظنا سعي البشر في مختلف حدوده، وفي متنوع حقوله: في حقل العلم والفلسفة، والأدب، والتجارب الإجتماعية، وتجربة الأنظمة والقوانين، نجد أن البشر متحركون نحو الكمال، ونحو الأفضل في جميع شؤون حياته. صحيح أن الإنسان قد ينحدر وينزل ويخطىء وينحرف، ولكن هذه الزلات في السير الأساسي والخط العريض في حياة البشر، أمور جزئية. فالإنسانية منذ البدء كانت تتكامل، وتعلو، وتسمو، وتتقدم نحو الأفضل، وهي مطمئنة بأن الأفضل ميسور لها، ولهذا تسعى لأجله. لو كان البشر يعتقدون، كما يقول البعض بأن الإنسان في تدهور، أو أن العالم في تأخر، أو أن الأمر نحو الأسوأ، لما كانوا يسعون، ويشتغلون، ويتحركون بأمل وبقدرة، وبإيمان نحو المستقبل. فإذاً، العلم هو النطاق الواسع، الذي ينبثق من الحقول المختلفة العلمية، والأنظمة الإجتماعية، والمساعي التي تبذل لأجل التجربة في الحقول الإجتماعية، والعادات والسير والأخلاق. وجميع شؤون البشر تبشر بالمستقبل الأفضل، بمستقبل يوفر لجميع البشر أن يصرفوا جميع طاقاتهم، وإمكاناتهم، وكفاءاتهم في سبيل حياة سعيدة. لأن البشر، كما تعلمون، في هذا الوقت، وفي جميع الأنظمة، قسم من طاقات البشر، أو بتعبير أصح، قسم قليل من طاقات البشر، يصرف في سبيل حياة البشر. أما الكثير الكثير من الطاقات، والكثير الكثير من الأفراد، لا يزالون في خارج المسرح، لا تُستعمل طاقاتهم في سبيل حياة البشرية، وفي سعادة البشر. فكل واحد منا، في أي حقل من الحقول البشرية، يسعى ويقصد القمة. ما هي القمة؟ القمة أن يكون الإنسان، كل إنسان، بجميع طاقاته؛ ليس فقط بطاقاته المادية، أو طاقاته الفكرية؛ الإنسان، كل إنسان ... يمكن أن يستفاد منها، تبرز هذه الطاقات وتستعمل في سبيل خير البشرية. ولا شك أن هذا النظام كالحلم، يراود مخيلة كل إنسان يعيش، وكل إنسان يسعى. فإذاً، المستقبل الأفضل، المثالي، الذي كان يحلم به من أيام أفلاطون. وكان يُسمى "بالمدينة الفاضلة"، هذا المستقبل، هذا المجتمع المثالي، الذي تشترك في بنائه وتكوينه جميع الطاقات، جميع أنواع البشر، هذا المستقبل هو حلم كل إنسان. وليست عقيدة الشيعة، بالنسبة إلى المهدي، إلا إنتظار الداعي والمبشر، لهذا المستقبل الذي هو أمل الجميع ومستقبل الجميع. فإذاً، لا أريد أن أدخل في تفاصيل هذه العقيدة، بمقدار ما أريد أن آخذ الجانب التربوي من العقيدة. مع أني أعترف بأن فكرة الانتظار، انتظار الفرج تشوهت عندنا، وانحرفت في نفوسنا، فأصبحنا اتكاليين، نترك العمل والسعي بانتظار مجيء صاحب الزمان. هذا التشويه آفة جميع القيم، ووسيلة لعدم الاستفادة من جميع المثل. والحقيقة أن فكرة الانتظار أدت دوراً كبيراً في حياة هذا المذهب، لأن الأمل هو الحياة في المستقبل. أن الإنسان الذي يئس من المستقبل، يعني أنه وضع حائطاً بين نفسه، وبين المستقبل. الأمل هو طريق المستقبل، صلة الإنسان بالمستقبل. الإنسان الذي يئس، يعني جعل بينه وبين المستقبل سداً، لا يمكن تجاوزه. فإذاً، اليأس يعني الجمود، والجمود حقيقة يعني الوقوف والموت، لأن الحياة واستمرار الحياة يعني بقائي في اللحظة الثانية. يعني حركتي من اللحظة الأولى إلى اللحظة الثانية. فإذا كان الجمود، يعني لا يوجد حركة، واذا لا يوجد حركة يعني موت. إذاً، الأمل هو عبارة عن الطريق المفتوح. واليأس يعني الإستسلام للوضع الحاضر. لا أقول أن الذي يئس من مستقبله يموت الموتة الطبيعية. لا! يموت الموتة الحقيقية، ليس الموتة الطبيعية. يعني الإنسان الذي يئس من المستقبل يفكر أنه ليس هناك فائدة، فإذاً، "خلينا بحالنا"، نأكل ونمشي في الأسواق ونرتع في كفاية (بزيادة). هذه الأعمال، إنها منذ الآن، ليس هناك ارتفاع، ليس هناك تحرك، ليس هناك تقدم، جمود وخمود وبقاء. فإذاً، الأمل طريق المستقبل، وإذا وقفنا نخضع للحاضر، والخضوع للحاضر يعني ليس لدينا مستقبل، يعني لا يوجد برامج، رضينا بالأمر الواقع، يعني ذبنا في حالنا، ذوبان السكر في الماء، إذا احترمنا أنفسنا أو ذوبان الملح في الماء. فالأمل شرط البقاء. وقد مرّ علينا كما تعلمون، أيها الإخوان -والتاريخ يكشف بوضوح- كما مر على كل أمة، لقد مر علينا زمن وزمن، وفترات طويلات من المحن، ولولا الأمل بمجيء صاحب الزمان، وبالفرج الإلهي المعجز، لو لم يكن هذا الأمل لكنا متنا وذبنا. ولكن أملنا بكلام رسول الله الأكرم "لو لم يبق من العالم إلا يوم واحد لطّول الله ذلك اليوم، حتى يأتي رجل ... هذا اتضح وكرس الأمل لأننا لا نشك بصدق الرسول وبقول النبي (ص). فإذاً، أملنا هو الذي أبقانا، وهو الذي حفظنا، وهو الذي جعل بيننا وبين المستقبل خطاً وطريقاً. فإذاً، الأمل نبع من هذه العقيدة أيضاً. هذه الفكرة ليست مختصة بنا. أنتم تعلمون، أن بعد ارتفاع المسيح (ع)، أو بعد استشهاده وارتفاعه حسب رأي المسيحيين، الإضطهاد الذي عاناه المسيحيون في العالم، لا مثيل له في التاريخ، في تاريخ الأديان؛ ولكن الأمل ببشارة المسيح حينما يقول: "يأتي روح الحق" -هذا الذي يفسر بروح القدس- وتجلي روح القدس، وإتحاده مع الكنيسة، لو لم يكن هذا الأمل -الفقرة التي نحن نفسرها بالتفسير بمجيء النبي محمد (ص) طبعا- هذه الفقرة لو لم تكن هذا الأمل بالمستقبل، الأمل بالإنتصار؛ لما كانوا يتمكنون من البقاء، لأن الإضطهاد تجاوز حد الطاقة البشرية. معروف في التاريخ يبحث هذا الموضوع. فإذاً، الأمل نتيجة تربوية لإنتظار الفرج. وقد أدى دوره الكبير في تاريخنا، وسوف يؤدي بإذن الله، دوره الكبير في تاريخنا القادم. والنقطة الثانية: الإنتظار. ليس معنى الإنتظار، ترك الشيء على الآخرين. هذا معناه عدم الإنتظار. هذا معناه الإستسلام. اليوم لو فرضنا أننا بإنتظار الهجوم المفاجىء، يقال إننا بإنتظار هجوم مفاجئ من العدو. نحن بالإنتظار! ما معناه؟ أننا نجلس في بيوتنا، وننام، ونأكل ولا نبالي ولا نراقب؟ هذا ليس إسمه الإنتظار في اللغة العربية؛ الإنتظار معناه، انه نحن على إستعداد، نحن بأيادينا سيوفنا، بأيادينا بنادقنا، نتدرب، نتجند، نهيىء أنفسنا، نضع نواطير نضع مراقبين نضع راداراً، نضع وسائل الكشف حتى نعرف متى يكون الهجوم المفاجىء هذا معنى الإنتظار. نحن بإنتظار المهدي (عج)! المهدي ماذا سيعمل؟ يملأ العالم قسطاً وعدلاً، بعدما ملئت ظلماً وجوراً كم هو عظيم هذا الحلم، وكبير هذا الهدف. المهدي وحده يريد أن يملأ العالم قسطاً وعدلاً، بعدما ملئت ظلماً وجوراً! يعني هدف ولا أكبر منه، إلا صاحب الهدف طبعاً. هذا الهدف بيد المهدي، وحده لا! بمساندتنا نحن، هل نكتفي بهذا التعبير بمساعدتنا نحن، نحن نريد أن ننصر المهدي على العالم، بعرضه وطوله، وعلمه، وفنه، وقوته، وتدريبه، وخبرته إذا ما كنا مستعدين فإذاً ماذا نحن منتظرون؟
نحن منتظرون يعني نتهيأ للقيام بهذا الدور حينما دعينا إليه يعني وقت الذي رفع الصوت وقال أيها الناس، نقول له "لبيك" نترك كل ما نملك يجب أن نكون مستعدين. كما قلنا، أيدينا على سيوفنا، منتظرين وإلا ما معنى الإنتظار؟ الإنتظار؛ معناه التهيؤ، يعني التجنيد، يعني التدريب، التدريب النفسي، التدريب الفكري، التدريب الروحي، التدريب الجسدي، والفني، والعسكري وهكذا كانوا، وكنا ..
لا شك، أن أهل اليمونة، أنسب وأحسن من غيرهم من هذه النواحي. كثير من ينسى الماضي، ويفكر أنه كما سمعتم في هذه الكلمة الطيبة والقصائد اللطيفة، أنهم كانوا يحافظون على قيمهم ومثلهم، وعقيدتهم ومذهبهم؛ "ببلاش"؟ من دون سعي، من دون جهد؟ هذا لا يمكن، أيها الإخوان، الحياة لها ثمن، العز له ثمن، الإنتصار له ثمن، والنجاح له ثمن (ببلاش)، "أبى الله أن يجري الأمور إلا بأسبابها" مفروض أن يدفع الإنسان ثمن مكسبه، معروف في القصص، في هذا النوع من الحديث أشياء كثيرة.
إن الذي ينتظر مجيء العز، أو المجد، الذي ينتظر مجىء الإنتصار فجأة ومن دون تعب لا أذكر القصص؛ ولكن أنقل لكم كلاماً عن علي (ع) قال: "الأماني غرور الحمقى"، الأحمق هو الوحيد الذي ينتظر الإنتصار من دون تعب، الأحمق هو الوحيد الذي ينتظر المال من دون تعب، ينتظر المجد دون تعب، ينتظر القوة من دون تعب. هذا لا يمكن. "الأماني غرور الحمقى". فإذاً، الإنتظار هذا الذي كان يجلّد أجدادكم والسلف الصالح وقفوا وحفظوا أنفسهم انظروا الأمل في آثارهم، القلاع، والمعسكرات، والأديرة. انظروا إلى المسيحيين الذين كانوا موجودين هنا، لو لم يكونوا مع الأديرة الصلبة، الصخرة... سابقاً ما كان أحد يفكر في هذه المسائل، وفي هذه اللقاءات التي نحن اليوم نلتقي فيها سابقاً يعني قبل مئات السنين؛ كانوا في خطر، لأن مصير البشر، ومقدرات الإنسان، كان بيد أهواء الحكام ألم يكن هذا سابقاً؟ كانوا يلعبون بالناس كما يريدون فلو لم يكن هذا الصمود؛ وهذا الوقوف، وهذه المعسكرات، وهذه الأديرة، وهذه الصلابة، وهذا الإيمان، وهذا البعد عن الكسل، لما كانوا يقدرون أن يبقوا، عاشوا وعشنا في ظروف صعبة جعلتنا نستحق الحياة .
سادتي وإخواني الكرام، السلام عليكم ورحمة الله. شهد الله لا أتمكن من أن أصف شعوري في هذه اللحظات. نحن في قرية "اليمونة"، بين الأبطال. الأبطال الذين عبروا ظلام الزمن، الأبطال الذين تجاوزوا الصعوبات والمحن، الأبطال الذين حفظوا الأمانة وما وهنوا، ولا فرّطوا بحفظ قيمهم، وخلقهم، وإيمانهم. نحن في اليمونة، وبحضور نخبة من كبار القوم الذين تركوا ساعات راحتهم وعملهم، وسعوا مشتاقين إلى هذا اللقاء.
نحتفل في مدرسة، بذكرى مولد الإمام الثاني عشر، محمد بن الحسن المهدي (ع). ولا نكتفي بإحياء الذكرى، بل نجسد تقديسنا للذكرى، بتكريس الخط، خط ذكرى الإمام، يعني خط الأمل والتهيؤ. سوف نكرس هذه المفاهيم، في هذا اليوم بإذن الله، فنحاول أن تلتقي طاقاتنا وجهودنا، مع جهود أبطال هذه البلدة وطاقاتهم، في رفع بيت الله وإكمال المسجد المكرم في هذه البلدة.
والأيام، كما سمعتم، أيام استقلال والاستقلال كما نفهمه يتجاوز بمعناه الاستقلال السياسي، ويشمل الاستقلال الاقتصادي، والاستقلال الفكري، والاستقلال الخلقي. أيام مباركة، وساعات مباركة ، فلقاؤنا في ذهني كالحلم المشرق. ويكون لي الشرف، كل الشرف أن أقف في هذه الذكرى، ذكرانا بمولد الإمام الثاني عشر. وكما تعلمون الإمام الثاني عشر إمام منتظر. ونحن ننتظر ظهوره لكي "يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، بعدما ملئت ظلماً وجوراً". والفكرة، بصورة موجزة، لا تختص بهذه الطائفة، بل هي في كتب أحاديث المسلمين، بجميع مذاهبهم، مئات وألوف من الروايات، تدل وتثبت أن النبي الكريم عليه الصلاة والسلام قال: "لو لم يبقَ من العالم إلا يوم واحد، لطوّل الله ذلك اليوم حتى يأتي رجل من أهل بيتي، اسمه اسمي ، وكنيته كنيتي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، بعدما ملئت ظلماً وجوراً".
فالحديث متواتر، عند جميع فرق المسلمين. فالرأي لا يختص بطائفة. ثم الفكرة، كانت ولا تزال عامة، تشمل مفاهيم جميع الأديان. فإنتظار المخلّص، وإنتظار المنقذ، وإنتظار الروح الحق والمعزِّي، وإنتظار أمر ما، موجود عند جميع الفرق والأديان، وعند جميع المتشرعين بالشرائع. ثم إن الفكرة، تتجاوز النطاق الديني، وتشمل النطاق العلمي أيضاً. فإذا لاحظنا سعي البشر في مختلف حدوده، وفي متنوع حقوله: في حقل العلم والفلسفة، والأدب، والتجارب الإجتماعية، وتجربة الأنظمة والقوانين، نجد أن البشر متحركون نحو الكمال، ونحو الأفضل في جميع شؤون حياته. صحيح أن الإنسان قد ينحدر وينزل ويخطىء وينحرف، ولكن هذه الزلات في السير الأساسي والخط العريض في حياة البشر، أمور جزئية. فالإنسانية منذ البدء كانت تتكامل، وتعلو، وتسمو، وتتقدم نحو الأفضل، وهي مطمئنة بأن الأفضل ميسور لها، ولهذا تسعى لأجله. لو كان البشر يعتقدون، كما يقول البعض بأن الإنسان في تدهور، أو أن العالم في تأخر، أو أن الأمر نحو الأسوأ، لما كانوا يسعون، ويشتغلون، ويتحركون بأمل وبقدرة، وبإيمان نحو المستقبل. فإذاً، العلم هو النطاق الواسع، الذي ينبثق من الحقول المختلفة العلمية، والأنظمة الإجتماعية، والمساعي التي تبذل لأجل التجربة في الحقول الإجتماعية، والعادات والسير والأخلاق. وجميع شؤون البشر تبشر بالمستقبل الأفضل، بمستقبل يوفر لجميع البشر أن يصرفوا جميع طاقاتهم، وإمكاناتهم، وكفاءاتهم في سبيل حياة سعيدة. لأن البشر، كما تعلمون، في هذا الوقت، وفي جميع الأنظمة، قسم من طاقات البشر، أو بتعبير أصح، قسم قليل من طاقات البشر، يصرف في سبيل حياة البشر. أما الكثير الكثير من الطاقات، والكثير الكثير من الأفراد، لا يزالون في خارج المسرح، لا تُستعمل طاقاتهم في سبيل حياة البشرية، وفي سعادة البشر. فكل واحد منا، في أي حقل من الحقول البشرية، يسعى ويقصد القمة. ما هي القمة؟ القمة أن يكون الإنسان، كل إنسان، بجميع طاقاته؛ ليس فقط بطاقاته المادية، أو طاقاته الفكرية؛ الإنسان، كل إنسان ... يمكن أن يستفاد منها، تبرز هذه الطاقات وتستعمل في سبيل خير البشرية. ولا شك أن هذا النظام كالحلم، يراود مخيلة كل إنسان يعيش، وكل إنسان يسعى. فإذاً، المستقبل الأفضل، المثالي، الذي كان يحلم به من أيام أفلاطون. وكان يُسمى "بالمدينة الفاضلة"، هذا المستقبل، هذا المجتمع المثالي، الذي تشترك في بنائه وتكوينه جميع الطاقات، جميع أنواع البشر، هذا المستقبل هو حلم كل إنسان. وليست عقيدة الشيعة، بالنسبة إلى المهدي، إلا إنتظار الداعي والمبشر، لهذا المستقبل الذي هو أمل الجميع ومستقبل الجميع. فإذاً، لا أريد أن أدخل في تفاصيل هذه العقيدة، بمقدار ما أريد أن آخذ الجانب التربوي من العقيدة. مع أني أعترف بأن فكرة الانتظار، انتظار الفرج تشوهت عندنا، وانحرفت في نفوسنا، فأصبحنا اتكاليين، نترك العمل والسعي بانتظار مجيء صاحب الزمان. هذا التشويه آفة جميع القيم، ووسيلة لعدم الاستفادة من جميع المثل. والحقيقة أن فكرة الانتظار أدت دوراً كبيراً في حياة هذا المذهب، لأن الأمل هو الحياة في المستقبل. أن الإنسان الذي يئس من المستقبل، يعني أنه وضع حائطاً بين نفسه، وبين المستقبل. الأمل هو طريق المستقبل، صلة الإنسان بالمستقبل. الإنسان الذي يئس، يعني جعل بينه وبين المستقبل سداً، لا يمكن تجاوزه. فإذاً، اليأس يعني الجمود، والجمود حقيقة يعني الوقوف والموت، لأن الحياة واستمرار الحياة يعني بقائي في اللحظة الثانية. يعني حركتي من اللحظة الأولى إلى اللحظة الثانية. فإذا كان الجمود، يعني لا يوجد حركة، واذا لا يوجد حركة يعني موت. إذاً، الأمل هو عبارة عن الطريق المفتوح. واليأس يعني الإستسلام للوضع الحاضر. لا أقول أن الذي يئس من مستقبله يموت الموتة الطبيعية. لا! يموت الموتة الحقيقية، ليس الموتة الطبيعية. يعني الإنسان الذي يئس من المستقبل يفكر أنه ليس هناك فائدة، فإذاً، "خلينا بحالنا"، نأكل ونمشي في الأسواق ونرتع في كفاية (بزيادة). هذه الأعمال، إنها منذ الآن، ليس هناك ارتفاع، ليس هناك تحرك، ليس هناك تقدم، جمود وخمود وبقاء. فإذاً، الأمل طريق المستقبل، وإذا وقفنا نخضع للحاضر، والخضوع للحاضر يعني ليس لدينا مستقبل، يعني لا يوجد برامج، رضينا بالأمر الواقع، يعني ذبنا في حالنا، ذوبان السكر في الماء، إذا احترمنا أنفسنا أو ذوبان الملح في الماء. فالأمل شرط البقاء. وقد مرّ علينا كما تعلمون، أيها الإخوان -والتاريخ يكشف بوضوح- كما مر على كل أمة، لقد مر علينا زمن وزمن، وفترات طويلات من المحن، ولولا الأمل بمجيء صاحب الزمان، وبالفرج الإلهي المعجز، لو لم يكن هذا الأمل لكنا متنا وذبنا. ولكن أملنا بكلام رسول الله الأكرم "لو لم يبق من العالم إلا يوم واحد لطّول الله ذلك اليوم، حتى يأتي رجل ... هذا اتضح وكرس الأمل لأننا لا نشك بصدق الرسول وبقول النبي (ص). فإذاً، أملنا هو الذي أبقانا، وهو الذي حفظنا، وهو الذي جعل بيننا وبين المستقبل خطاً وطريقاً. فإذاً، الأمل نبع من هذه العقيدة أيضاً. هذه الفكرة ليست مختصة بنا. أنتم تعلمون، أن بعد ارتفاع المسيح (ع)، أو بعد استشهاده وارتفاعه حسب رأي المسيحيين، الإضطهاد الذي عاناه المسيحيون في العالم، لا مثيل له في التاريخ، في تاريخ الأديان؛ ولكن الأمل ببشارة المسيح حينما يقول: "يأتي روح الحق" -هذا الذي يفسر بروح القدس- وتجلي روح القدس، وإتحاده مع الكنيسة، لو لم يكن هذا الأمل -الفقرة التي نحن نفسرها بالتفسير بمجيء النبي محمد (ص) طبعا- هذه الفقرة لو لم تكن هذا الأمل بالمستقبل، الأمل بالإنتصار؛ لما كانوا يتمكنون من البقاء، لأن الإضطهاد تجاوز حد الطاقة البشرية. معروف في التاريخ يبحث هذا الموضوع. فإذاً، الأمل نتيجة تربوية لإنتظار الفرج. وقد أدى دوره الكبير في تاريخنا، وسوف يؤدي بإذن الله، دوره الكبير في تاريخنا القادم. والنقطة الثانية: الإنتظار. ليس معنى الإنتظار، ترك الشيء على الآخرين. هذا معناه عدم الإنتظار. هذا معناه الإستسلام. اليوم لو فرضنا أننا بإنتظار الهجوم المفاجىء، يقال إننا بإنتظار هجوم مفاجئ من العدو. نحن بالإنتظار! ما معناه؟ أننا نجلس في بيوتنا، وننام، ونأكل ولا نبالي ولا نراقب؟ هذا ليس إسمه الإنتظار في اللغة العربية؛ الإنتظار معناه، انه نحن على إستعداد، نحن بأيادينا سيوفنا، بأيادينا بنادقنا، نتدرب، نتجند، نهيىء أنفسنا، نضع نواطير نضع مراقبين نضع راداراً، نضع وسائل الكشف حتى نعرف متى يكون الهجوم المفاجىء هذا معنى الإنتظار. نحن بإنتظار المهدي (عج)! المهدي ماذا سيعمل؟ يملأ العالم قسطاً وعدلاً، بعدما ملئت ظلماً وجوراً كم هو عظيم هذا الحلم، وكبير هذا الهدف. المهدي وحده يريد أن يملأ العالم قسطاً وعدلاً، بعدما ملئت ظلماً وجوراً! يعني هدف ولا أكبر منه، إلا صاحب الهدف طبعاً. هذا الهدف بيد المهدي، وحده لا! بمساندتنا نحن، هل نكتفي بهذا التعبير بمساعدتنا نحن، نحن نريد أن ننصر المهدي على العالم، بعرضه وطوله، وعلمه، وفنه، وقوته، وتدريبه، وخبرته إذا ما كنا مستعدين فإذاً ماذا نحن منتظرون؟
نحن منتظرون يعني نتهيأ للقيام بهذا الدور حينما دعينا إليه يعني وقت الذي رفع الصوت وقال أيها الناس، نقول له "لبيك" نترك كل ما نملك يجب أن نكون مستعدين. كما قلنا، أيدينا على سيوفنا، منتظرين وإلا ما معنى الإنتظار؟ الإنتظار؛ معناه التهيؤ، يعني التجنيد، يعني التدريب، التدريب النفسي، التدريب الفكري، التدريب الروحي، التدريب الجسدي، والفني، والعسكري وهكذا كانوا، وكنا ..
لا شك، أن أهل اليمونة، أنسب وأحسن من غيرهم من هذه النواحي. كثير من ينسى الماضي، ويفكر أنه كما سمعتم في هذه الكلمة الطيبة والقصائد اللطيفة، أنهم كانوا يحافظون على قيمهم ومثلهم، وعقيدتهم ومذهبهم؛ "ببلاش"؟ من دون سعي، من دون جهد؟ هذا لا يمكن، أيها الإخوان، الحياة لها ثمن، العز له ثمن، الإنتصار له ثمن، والنجاح له ثمن (ببلاش)، "أبى الله أن يجري الأمور إلا بأسبابها" مفروض أن يدفع الإنسان ثمن مكسبه، معروف في القصص، في هذا النوع من الحديث أشياء كثيرة.
إن الذي ينتظر مجيء العز، أو المجد، الذي ينتظر مجىء الإنتصار فجأة ومن دون تعب لا أذكر القصص؛ ولكن أنقل لكم كلاماً عن علي (ع) قال: "الأماني غرور الحمقى"، الأحمق هو الوحيد الذي ينتظر الإنتصار من دون تعب، الأحمق هو الوحيد الذي ينتظر المال من دون تعب، ينتظر المجد دون تعب، ينتظر القوة من دون تعب. هذا لا يمكن. "الأماني غرور الحمقى". فإذاً، الإنتظار هذا الذي كان يجلّد أجدادكم والسلف الصالح وقفوا وحفظوا أنفسهم انظروا الأمل في آثارهم، القلاع، والمعسكرات، والأديرة. انظروا إلى المسيحيين الذين كانوا موجودين هنا، لو لم يكونوا مع الأديرة الصلبة، الصخرة... سابقاً ما كان أحد يفكر في هذه المسائل، وفي هذه اللقاءات التي نحن اليوم نلتقي فيها سابقاً يعني قبل مئات السنين؛ كانوا في خطر، لأن مصير البشر، ومقدرات الإنسان، كان بيد أهواء الحكام ألم يكن هذا سابقاً؟ كانوا يلعبون بالناس كما يريدون فلو لم يكن هذا الصمود؛ وهذا الوقوف، وهذه المعسكرات، وهذه الأديرة، وهذه الصلابة، وهذا الإيمان، وهذا البعد عن الكسل، لما كانوا يقدرون أن يبقوا، عاشوا وعشنا في ظروف صعبة جعلتنا نستحق الحياة .