هو الحق
16-03-2010, 12:29 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]
بسمه تعالى
(رَفع الـشُـبُهات عن السيد مُقتدى الصـدر)
-الحلقة الثالثة –
أحاول هنا في هذه الحلقة والتي هي في الترتيب الثالثة من سلسلة الحلقات التي حَمَلَتْ عنوان - رفع الشبهات عن السيد مقتدى الصدر - أنْ استمر في ذكر المؤاخذات على من استطيع أنْ أسمّيهم أدعياء الاجتهاد، واعتقد ويعتقد القارئ للحلقتين الأولى والثانية اننا وصلنا في النقاش حول هذا الموضوع إلى ما قيل انها شهادة خطية من شخصيتين دينيتين إيرانيتين يُقال انهما من المجتهدين، احدهما حسب علمي يُسمّى بـ (الكرامي) والآخر بـ (الطهراني) وهما وبحسب المُقرّبين من شخصية ذلك الطالب الذي ادّعى الاجتهاد انَّ كِلا الشخصيّتين أشارتا في بيانين خطيين صادرين عنهما باجتهاد ذلك الطالب وهو أمر أتاح له – أي الطالب – الاطمئنان لاجتهاده وفق شهادة هاتين الشخصيتين.
وهنا يقول المُستَشكِل، إنْ استطاعَ كاتبَ هذه الأسطر في الحلقة الثانية حسب ما يعتقد من انه تمكن من دحض الإشكالات الخاصة باجتهاد هذا الطالب فكيف سيكون ردّه على ما هو واضح وصريح وغير قابل للتأويل فيما يخص الشهادة الخطية له بالاجتهاد؟.
أقول راداً على هذا الإشكال وفي أكثر من مُناسبة:
المناسبة الأولى:لا اعتقد انَّ أحداً منا او من الشعب العراقي كان قد سَمعَ باسم هاتين الشخصيتين او علمَ بمكانهما ومَنْ هُم أساتذتهما، ولذا فأنهما يعتبران في عداد مجهولي الحال ومجهول الحال لا رأي له شرعاً وعقلاً.
المناسبة الثانية:لو قال احدٌ اننا نعرفهم وهم من العلماء المعروفين في إيران، قُلنا إنْ صَحَّ قول الرادّ على انَّ حالهم معلوم فاننا لا ندري هل هم من المجتهدين أم انهم ليسوا كذلك؟ ومَنْ أجاز لهما بالاجتهاد؟، لذا فإنْ كان الشاهد بالاجتهاد لا نعلم باجتهاده من عَدَمِه فكيف سيكون وضع المشهود له بالاجتهاد في هذه الحالة؟!.
المناسبة الثالثة:إنْ قلنا بصحة اجتهادهم ومعرفة حالهم فلا اعتقد انَّ هنالك مَنْ يستطيع أنْ يثبت عدالتهما من عدمها، وكما هو معلوم انَّ العدالة مهمة في تشخيص الحق وإحقاقه وإلا فإنْ كان هنالك ما يعيب هذه الخصلة – أي العدالة – في مَنْ شَهدَ بالاجتهاد فلا اعتقد انه سيكون له كلام في هذا المقام او بعبارة أخرى لا حجة لكلامه من الناحية الشرعية.
المناسبة الرابعة:إنْ تنزلنا عن أولاً وثانياً وثالثاً ولا داعٍ للتنزّل وقلنا بعدالتهم ومعرفة حالهم وحقيقة اجتهادهم، فانَّ المُستَشكِل سيقع في مَطبّ كبير عنوانه تعارض رأي مَنْ هو اعلم وهو السيد الحائري ورأي من هو أدنى منه مرتبة وهما الكرامي والطهراني، ونحن نعلم انه عند تعارض رأي الأعلم ورأي من هو دونه فقطعاً سيكون راي الأعلم هو المُرجَّح على رأي مَنْ هو دونه بلا أدنى شك، وبما انَّ الأعلم كان قد أجابَ على استفتاء قُدِّمَ له حول اجتهاد ذلك الطالب من عدمه فأجابَ وبشكل صريح وواضح ببطلان اجتهاده. لذا ووفق المنطق والشرع فانَّ تلك الشهادات ستكون لا قيمة لها من الناحية الشرعية.
المناسبة الخامسة:إنْ تنزّلنا جدلاً عن المناسبات الأربعة الأولى في الرد فسيقع نفس المُستشكِل في إشكال عنوانه تعارض الشهادتان، وكما نعلم انه في حال التعارض لشهادتين فانَّ كلتا الشهادتين سواء الدالة منهما على الاجتهاد او الناكرة له تسقطان بسبب تعارضهما، مع العلم انَّ الشهادة الأقوى والأبيَن دائماً ما تؤخذ وهذا يرجعنا إلى المناسبة الرابعة وهي شهادة الأعلم والتي تعتبر الأبين والأدق فقهياً.
المناسبة السادسة: قد نسأل المُستَشكِل نحن هذه المرة ونقول له، يا ترى كم هو عدد المجتهدين الموجودين في إيران الذين عُرِضَتْ عليهم كُتيبات ذلك الطالب وقالوا ببطلان اجتهاده؟ ولماذا لم يُخبرنا مَنْ حَملَ البيانات الخطية الموقَّعَة بأسماء الطهراني والكرامي عن أسماء المجتهدين الآخرين الذين قالوا ببطلان اجتهاده؟ وكم هو عددهم؟!.
وهنا وقبل الانتهاء من نقاش موضوع طلبة السيد الشهيد الصدر الذين ادّعوا الاجتهاد لابُدَّ لي من وقفة مهمة أحاول أنْ أتطرّق فيها لبعض الموارد المهمة التي ستكون مسك الختام فيما يخصّ هذا الشأن – أدعياء الاجتهاد – وكما يلي:
المورد الأول:في لقاء الشهيد الصدر مع طلبة الجامعة والذي يمكن أنْ نعتبره من اللقاءات التي كانت في أواخر حياة السيد الشهيد الصدر، قال السيد الشهيد الصدر بشكل صريح ومباشرة بعد المقطع الذي أشار فيه سماحته لتسلّم زمام الحوزة بانَّ فلان بن فلان الفلاني يستطيع الآن أنْ يمسك زمام الحوزة، وأعقب هذه الكلمات بكلمات تلتها مباشرة بانَّ ذلك سيكون – أي تسلم زمام الحوزة - إنْ أصبح فلان مجتهداً وهو الآن ليس بمجتهد، وهذا كلام واضح جداً لا يحتاج إلى أي إيضاح او تأويل او تحليل يثبت عدم اجتهاد فلان من الطلبة او غيره من الطلبة الذين ادّعوا الاجتهاد.
المورد الثاني:لم تذكر لنا الرسائل العملية لكل الفقهاء السابقين واللاحقين على الإطلاق او انه وصلنا من الشريعة شيء اسمه التأويل والتلميح بخصوص الاجتهاد، فمثلاً انَّ فلان يسير بخطى حثيثة وانَّ احد طلابي لو بقيت الحياة سيكون مجتهداً بل الأعلم وغيرها من التصريحات الأخرى التي انطلقت من فمِّ الولي الطاهر تدل كما يزعم البعض على انها حجج وإثباتات على اجتهاد مَنْ يقول البعض من العوام باجتهاده، على العكس فانَّ من أكثر المواضيع الشائكة هو موضوع الاجتهاد وهو مهم أيضاً في الوقت ذاته، لذا فانَّ من يُجاز له بالاجتهاد يكون ذلك ملحوظاً ومُبَيَّناً كم أشارت لنا بذلك الرسائل العملية، ومن هذا الكلام يكون لزاماً علينا جميعاً أنْ نكون أكثر حذراً واحتياطاً فيما يخص إطلاق لفظ الاجتهاد على من نحاول أنْ نُرَتِّب له الجُمَل والكلمات ونؤوّلها وفق ما نريد وحسب ما نشتهي، يقول السيد الشهيد الصدر في الجمعة الحادية عشر ما يلي،(كثير من التقليد كان بحجة غير شرعية، كان بحجة شرعية ناقصة، كان بهوى نفسي، كان لمنفعة دنيوية، لا ينبغي أنْ تتكرر هذه المأساة مرة ثانية، طبعاً البقاء على تقليد الميت بدون إجازة الحي غير مُجزي، فحينئذ حذار أنْ يكون تقليدكم الجديد بدون حجة شرعية، التقليد دين الإنسان كأنما، تصح به العبادات والمعاملات، وينجو به الإنسان في يوم القيامة)، فعلينا جميعاً التمعّن أكثر والتدقيق بشكل أوسع لكي لا نقع في إشكالات شرعية قد نُحاسب عليها ولا يعذرنا عليها احد في المستقبل.
المورد الثالث:كان الأولى بمقلدي الشهيد الصدر ممن تبعوا فلان وفلان وفلان من طلبته أنْ يكونوا أكثرَ إنصافٍ ووفاءٍ لِمرجعهم ومُخلّصهم ومَنْ ضحّى بدمائه الطاهرة من اجلهم لا أنْ يُغيّروا عنوانه واسمه ويتلبسون بلبوس آخر بين ليلة وضحاها، وفي هذا المورد كم أكن للسيد الحائري الاحترام إذ انه كم كان وفياً لأستاذه السيد محمد باقر الصدر وكم يرشد الناس إلى آثاره بل انه وطيلة أكثر من اربعة عقود يشهد باعلمية أستاذه ولا يوجب العدول عنه، بل لم يطبع رسالة عملية واكتفى بتعليقات على الفتاوى الواضحة لأستاذه، وهذا الخُلُق العالي والنبيل أيضاً لمسناه في مولانا المقدس الصدر والذي كانت لا تُفارق شفتاه كلمة السيد ابو جعفر حباً له واحتراماً وإكباراً، حتى انه حينما قال أنا اعلم الأحياء والأموات خَصَّ من الأموات السيد السبزواري والمحقق الخوئي ولم يذكر أستاذه الشهيد الصدر الأول مع تيقّنه بأنه اعلم من أستاذه أبي جعفر، وليس هذا فقط بل انه أجازَ لمُقلديه – الشهيد الأول – البقاء على تقليدهم له والعمل بفتاواه.
المورد الرابع:انَّ الكثير من فضلاء الحوزة العلمية وخصوصاً مَنْ شَكّلوا ما تُسمّى جماعة الفضلاء أمثال الشيخ مؤيد الخزرجي والشيخ ماجد الكرعاوي والشيخ جاسم الساعدي والشيخ محمد الساعدي إضافة إلى آخرين خارج دائرة تشكيل جماعة الفضلاء مثل الشيخ كريم المنفي والشيخ اسعد الناصري والشيخ صلاح العبيدي وغيرهم كثير تركوا إتّباعهم وتقليدهم للشيخ الفلاني بعد فترة وجيزة من تقليده والعمل معه، ومهما كان توجههم اليوم إلا انَّ النتيجة التي أضفناها إلى إشكالاتنا هي انَّ هؤلاء جميعاً تنازلوا وتراجعوا عن تقليدهم لفلان من طلبة السيد الشهيد الصدر وذلك لتيقّنهم بعدم براءة العمل معه كمجتهد.
المورد الخامس:انَّ الشهيد الصدر كان من أكثر مَنْ عرفناهم اهتماماً بأمور الأمة ومشاكلها وهمومها، فلم يترك شاردة ولا واردة إلا وتحدّثَ عنها او تصدّى لها وبكل ما يملك من قوة علماً انه لم يكن متوفر لديه ما متوفر للآخرين اليوم من مال وسلاح وإعلام وحرية مُعتَدٍ بها، حتى انه لم يكن غائباً او مُتغيّباً على الإطلاق من التدخّل في صغائر الأمور وكبرياتها.
والآن اسأل مَنْ يقولون انهم يُمثّلون الخط المُكمِّل للشهيد الصدر من طلابه وأقول لهم، أين انتم من الاحتلال وجرائمه؟! ألم يرفضه سيدكم وهو خارج الحدود – أي الاحتلال - وقال له كلا كلا أمريكا؟! وأين انتم من المظالم التي تُرتَكَب بحقِّ المؤمنين من قتل وتشريد وسجن واضطهاد واغتصاب وكل ما يندى له جبين الإنسانية؟! ألم يرد عن المعصوم سلام الله عليه بما مضمونه مَنْ لم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم؟!.
وأين انتم من انتشار الفساد والموبقات والمحرمات من فتح حانات الخمور والملاهي والمراقص وصالات القمار والربا والزنا واللواط والتسليب والسرقة وانتشار الفساد في مؤسسات الدولة، أليس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كانت الصفة السائدة في كلام المقدس الصدر ومن أهم الأهداف التي ضحى من اجلها وثبَّتَ أسسها وأوصاكم بها؟!.
وأين انتم مما يجري على المسلمين في كل أنحاء العالم، إذ لم نسمع لكم رأياً قط بخصوص ذلك، فأين انتم من دمار أهلنا في غزة؟ وأين انتم من الخراب والظلم الذي يجري على أتباع أهل البيت في صعدة؟ وأين انتم مما جرى ويجري على أهلنا في الجنوب اللبناني؟ الم يستعرض الولي الصدر في خطبه ومؤلفاته ولقاءاته لكل هذه المفاصل الحساسة في ظل نظام الدكتاتور المعتوه، مع إدراكه وإحساسه لخطورة التعرّض لمثل هكذا مواضيع حساسة وخطرة لأنها تضرب عمق الثالوث المشؤوم ومع ذلك تحدّث بها؟!.
يقول المقدس الصدر بهذا الخصوص في لقاء الحنانة الأول مع سماحة الشيخ الشهيد محمد ناجي النعماني ما يلي، (مَنْ لم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم، فإذا كان مشغولاً ونستطيع أنْ نقول قاضي كل عمره في هذه الفقهيات البسيطة، إذن هو لا يهتم بأمور المسلمين فينبغي أنْ لا يكون مُسلِماً) ويقول قدس الله سره الشريف في نفس اللقاء، (انه احد أهدافي الرئيسية للتصدي للمرجعية تغيير الواقع الشيعي، في الحقيقة الذي غُمِّض في الحقيقة والذي عاشه الجيل الذي أنا رايته على أية حال والجيل الذي أنا أراه الآن على أية حال السابقون رحمهم الله ذهبوا إلى ربهم - محل الشاهد - فتكليفي في حدود قدرتي أنْ ابذل جميع إمكاناتي لأجل جميع مَنْ يستطيع أنْ يستفيد مني لو صح التعبير عقلياً او اجتماعياً او قضاء حوائج او أي شيء).
ويقول قدس الله سره الشريف أيضاً في موقع آخر من لقاء الحنانة – الحوار الأول - حول نفس الموضوع، (انني مُدرِك بصراحة وحس وجود نقائص ومظالِم وصعوبات في الحوزة خاصة وفي التشيّع عامة، لابُدَّ من السيطرة عليها وتنظيفها بمقدار ما هو ممكن، فقلت بأنه اذا الله تعالى سألني في يوم القيامة انه لماذا لم تكن سبباً لإصلاح هذه المصاعب وتنظيف هذه الأوساخ - لو صح التعبير – ؟، أقول له يا ربي أنا بذلتُ نفسي بمقدار ما استطيع، حينئذٍ هذه العملية التي أنا أتوخاها في أي أسلوب تكون؟ اجلس في بيتي وأغلق الباب أم أتصدّى للناس لأجل أنْ أقول انه أنا نافع لكم بمقدار جهدي بطبيعة الحال؟ ينبغي أنْ أتصدّى للناس).
علما انَّ هذا الكلام المقدس وغيره الذي ذكره الولي الحبيب الصدر لا ينطبق على فئة دون فئة او على فرد دون آخر، بل هو شامل للجميع سواء مَنْ يدّعي الاجتهاد من طلبته او غيرهم من المجتهدين الآخرين في كل بقاع الأرض، إلا انَّ الأولى والمُقَدَّم بهذا الكلام قطعاً هم من يَدّعون الانتماء له والذوبان في فكره، وإلا فالتحدّث مع الجهة الثانية وضرب الأمثال لها والشواهد من كلام الولي الطاهر لا أظنه سيجدي نفعاً في يوم من الأيام، فإنْ كان خيرُ عباد الله في زماننا وهو الولي الطاهر محمد الصدر لم تُحرِّك كلماته وجدان أولئك وضمائرهم بل على العكس فقد زادتهم بُغضاً وحقداً ومَكراً وتعصّباً، فلا أظنّ اليوم انَّ مَنْ يكون دون الولي الصدر بقادر على إصلاحهم وهدايتهم.
وهنالك الكثير الكثير من الكلمات الطاهرات التي خرجت من فمِّ الولي الطاهر تخصَّ هذا المورد وغيره من الموارد الأخرى ولكن ما أكثر النصائح والعبر هذه الأيام وما اقلّ الآخذين بهما مع شديد الأسف وأول مَنْ هو غير اخذ بتلك النصائح الشريفة المُخلصة ينبغي أنْ يكون كاتب هذه الكلمات، فلله اعتذر أولاً ولسيدي الصدر المقدس ثانياً وإنا لله وإنا إليه راجعون.
المورد السادس:لا أخفيكم سراً، اننا كصدريين كنا نتمنى ولا زالت هذه الأمنية قائمة في أنْ يكون احد طلبة الولي الصدر مُجتهداً ليحلَّ محلّه ويأخذ موقعه فقهياً وقيادياً، لسبب جداً وجيه ومهم وهو انَّ طلبة السيد الشهيد الصدر اقرب للصدريين فكراً وروحاً، ولكن ما لا نقبله على الإطلاق هو أنْ تكون طريقة الاختيار والإتباع بهذا الشكل التأويلي والتحليلي المُخالِف للشريعة، وكما أوضحتُ قبل قليل انَّ ذلك – أي الاجتهاد – لا يمكن أنْ يناله الفرد وفق تأويلات او ترتيبات ما انزل الله بها من سلطان.
ولأكون مُنصفاً وموضوعياً ومنطقياً في كلامي حتى لا يتهمني إخوتي من أتباع طلبة الشهيد الصدر بمختلف توجهاتهم بالتزلّف والتحيّز فأقول لهم، لو انَّ هذه التأويلات التي تحاولون تأطيرها بإطار شرعي لإثبات اجتهاد مَنْ تتّبعونه كانت بحق السيد مقتدى الصدر فلا يمكن أنْ نقول له بأنك مجتهد وإنْ صدرت تلك الكلمات من فم الولي الطاهر بحقك، بل انه لو قالها – أي السيد مقتدى الصدر – كما تقولونها اليوم فانَّ موقفنا منه سيكون كما هو موقفنا اليوم ممن ادّعى الاجتهاد وهو ليس بمجتهد.
والى هذا الحد من ذكر الموارد أتوقف في نقاشي وتحدّثي عن موضوع من ادّعى الاجتهاد من طلبة السيد الشهيد الصدر لانَّ موضوع المرجعية والقيادة موضوع شائك فيه الكثير من التفاصيل والإشكالات ويحتاج إلى صرف جهد كبير وكتابة حلقات عديدة وبحث في مؤلفات المقدس الصدر وغيره لإثبات بطلان كل الإشكالات التي يمكن أنْ تورد في هذا المجال والتي نحاول دفعها بالطرق الشرعية والعقلية المسموح بها بعيداً عن العاطفة والمصالح والتزلّف.
وهنا أحاول الرجوع في الكتابة خطوة واحدة إلى الوراء وتحديداً موضوع المرجعية، إذ انَّ البعض يقول انك تتخبط في كتاباتك وهي قد شابها تناقض واضح في الطرح، فمثلاً انك تشير في الحلقات السابقة إلى انكم أخذتم الإذن الشرعي من الحائري في مسالة البقاء على تقليد السيد الشهيد الصدر، وأيضاً أوقفتم العمل بالقضاء الشرعي بعد أنْ سَحبَ الحائري الوكالة من السيد مقتدى الصدر، وغيرها من الموارد الأخرى التي تعرّضتَ لها في مقالاتك المتتالية وكل هذا وانتم لا ترجعون إلى الحائري؟ او بعبارة أكثر وضوح انكم في ظاهركم لا تعترفون بمرجعية الحائري او ترجعون لها ومع ذلك تأخذون منه ما ينفعكم فقط وأما ما يضرّ مصالحكم ومنافعكم فأنكم تعصونه فيها ولا تطيعونه.
وهنا أقول انه من حق المُستشكِل أنْ يضع مثل هكذا إشكالات لأنه قد يفهم البعض ما فهمه هذا المُستشكِل، ولكن بالإمكان الرد على هذا الرأي او الرأيين وبأكثر من جواب:
الجواب الأول:اننا لا يمكن أنْ نعدوَ كلام السيد الشهيد الصدر بمقدار إلكترون وليس بمقدار ذرة، ونحن نعترف بأننا أخذنا إذن البقاء على تقليد السيد الشهيد الصدر من السيد الحائري، ولم تسمع لا اليوم ولا غداً بأننا سنقول غير هذا الكلام على الإطلاق، فهو كلام مُسَلَّم لدينا والى لحظة كتابتي لهذه الأسطر.
الجواب الثاني:انَّ قيادة التيار الصدري لم تفعل على الإطلاق ما يُمكن أنْ نُسمّيه مُخالفة لرأي السيد الحائري الفقهي وخصوصاً فيما يخصّ المُستحدثات من المسائل الفقهية، ولم نسمعها – أي القيادة – انها أمَرَتْ يوماً ما أتباعها بمخالفة الآراء الفقهية المستحدثة للسيد الحائري وهذا يمكن أنْ أقول انه كاف جداً.
وكما أشرت وفي أكثر من مورد وأكررها الآن أيضاً، انه ولمجرد سحب الحائري الوكالة من السيد مقتدى الصدر فانَّ السيد مقتدى الصدر سارعَ فوراً إلى وقف القضاء الشرعي وألزمَ أتباعه بالامتناع عن استلام الحقوق الشرعية وقبضها إضافة إلى رفضه لكل أشكال المصالحات الشرعية فيما يخصّ المُخَمِّس الحديث، هذا وغيره من الأمور الفقهية الكثيرة الأخرى التي كان السيد مقتدى الصدر بمنأى عنها لأنها من اختصاص المجتهد حصراً وليست من خصوصيات القيادة التي أشارَ لها الولي الصدر وعزلها عن التقليد.
الجواب الثالث:ليس في قاموسنا شيء اسمه منافع ومضار والدليل على ذلك انه حينما قَدِمَ السيد نور الدين الاشكوري من إيران إلى العراق كممثل عن السيد الحائري في العراق، فانَّ سماحة السيد مقتدى الصدر أوكل إليه كل ما في جعبته من أمور شرعية كاستلام الحقوق الشرعية والإفتاء وغيرها، حتى وصل الحال بالسيد مقتدى الصدر انه أجازَ للبعض من مُقرّبيه المعروفين من طلبة الحوزة الشريفة بالعمل في مكتب السيد الحائري مع السيد الاشكوري.
الجواب الرابع:انَّ الكثير من المُقرّبين للسيد مقتدى الصدر هم اليوم من وكلاء السيد الحائري، ولم يعترض لأجل ذلك على أي واحد منهم كونه أصبح وكيلاً للحائري، بل انَّ البعض من أصحاب القرار اليوم في التيار الصدري هم من وكلاء السيد الحائري.
الجواب الخامس:لو كان السيد مقتدى الصدر إنتفاعياً لكان وافقَ وقَبلَ بالكثير من الوكالات التي وصلت إليه على الجاهز - كما يقولون - من العديد من المراجع سواء من هم في النجف الاشرف او في بقية الحوزات الدينية الأخرى خارج العراق، والسبب في ذلك قناعته بانَّ الأعلم من بعد السيد الشهيد الصدر هو الحائري وهذا الكلام ليس كلامه هو – أي السيد مقتدى الصدر - وإنما هو كلام والده ومرجعه وسيده وقائده ومولاه وهو المقدس الصدر، فبعد ذلك كله هل يصحّ منه أنْ يكون وكيلاً لِمَنْ هو ليس بأعلم؟!.
الجواب السادس:كَفَلَتْ الشريعة المُقدّسة للمُكلَّف العدول في وجهة نظرته الشرعية إلى مرجع تقليد آخر في حال تَبَيَّنَ له فقدان الاطمئنان الشرعي بهذا المرجع الجديد، يقول السيد الحائري في معرض رَدِّهِ على سؤال وُجِّهَ له بهذا الخصوص - المسألة 11 الفتاوى المنتخبة الجزء الثاني -، إذ يسأل السائل ويقول : ( كُنتُ مُقلِّداً لمجتهد جامع للشرائط وبعد وفاته عَدلتُ إلى مجتهد آخر باعتقاد أعلميته، وذلك لأنني حصلَ عندي اطمئنان قلبي وعملت فترة بفتاوى المجتهد الثاني، وبعد فترة زالَ الاطمئنان القلبي، فهل أبقى على تقليدي للمجتهد الثاني او ارجع إلى المجتهد الأول؟).
فأجابه السيد الحائري بالنحو الآتي : ( أحوط الوجوه هو أنْ تعمل في كل مسالة بأحوط الرأيين فيها، اعني راي المجتهد الأول ورأي المجتهد الثاني).
ومن خلال السؤال والإجابة نستطيع أنْ نقول انَّ الشريعة ووفق إجابة الأعلم أجازت لِمَنْ يفقد الاطمئنان بالمرجع الذي يلي مرجع تقليده الميت بأنْ يعمل بأحوط الرأيين، علماً انَّ العمل بأحوط الرأيين هو ناجز على الفقه حصراً كما هو المفهوم من السؤال والجواب.
وللكلام بقية...........والحمد لله رب العالمين وصلاته على محمد واله الطاهرين واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
جليل النوري
يوم الثلاثاء الموافق للثالث من شهر صفر الخير للعام 1431
المصادف للتاسع عشر من شهر كانون الثاني للعام 2010
ملاحظة
نقل الموضوع ليس بالضرورة تبني كل مافيه وعلى هذا الاساس لن أسجل ردودي على ملاحظات الاخوة الاعضاء , إلا فيما تفرضه المصلحة العامة , ويمكن للاخوة الاعضاء إثراء الموضوع بالحكمة والموعظة الحسنة وتسجيل أي ملاحظة أو تقويم في إطار حرية الفكر .
أخوكم وخادمكم / هو الحق
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]
بسمه تعالى
(رَفع الـشُـبُهات عن السيد مُقتدى الصـدر)
-الحلقة الثالثة –
أحاول هنا في هذه الحلقة والتي هي في الترتيب الثالثة من سلسلة الحلقات التي حَمَلَتْ عنوان - رفع الشبهات عن السيد مقتدى الصدر - أنْ استمر في ذكر المؤاخذات على من استطيع أنْ أسمّيهم أدعياء الاجتهاد، واعتقد ويعتقد القارئ للحلقتين الأولى والثانية اننا وصلنا في النقاش حول هذا الموضوع إلى ما قيل انها شهادة خطية من شخصيتين دينيتين إيرانيتين يُقال انهما من المجتهدين، احدهما حسب علمي يُسمّى بـ (الكرامي) والآخر بـ (الطهراني) وهما وبحسب المُقرّبين من شخصية ذلك الطالب الذي ادّعى الاجتهاد انَّ كِلا الشخصيّتين أشارتا في بيانين خطيين صادرين عنهما باجتهاد ذلك الطالب وهو أمر أتاح له – أي الطالب – الاطمئنان لاجتهاده وفق شهادة هاتين الشخصيتين.
وهنا يقول المُستَشكِل، إنْ استطاعَ كاتبَ هذه الأسطر في الحلقة الثانية حسب ما يعتقد من انه تمكن من دحض الإشكالات الخاصة باجتهاد هذا الطالب فكيف سيكون ردّه على ما هو واضح وصريح وغير قابل للتأويل فيما يخص الشهادة الخطية له بالاجتهاد؟.
أقول راداً على هذا الإشكال وفي أكثر من مُناسبة:
المناسبة الأولى:لا اعتقد انَّ أحداً منا او من الشعب العراقي كان قد سَمعَ باسم هاتين الشخصيتين او علمَ بمكانهما ومَنْ هُم أساتذتهما، ولذا فأنهما يعتبران في عداد مجهولي الحال ومجهول الحال لا رأي له شرعاً وعقلاً.
المناسبة الثانية:لو قال احدٌ اننا نعرفهم وهم من العلماء المعروفين في إيران، قُلنا إنْ صَحَّ قول الرادّ على انَّ حالهم معلوم فاننا لا ندري هل هم من المجتهدين أم انهم ليسوا كذلك؟ ومَنْ أجاز لهما بالاجتهاد؟، لذا فإنْ كان الشاهد بالاجتهاد لا نعلم باجتهاده من عَدَمِه فكيف سيكون وضع المشهود له بالاجتهاد في هذه الحالة؟!.
المناسبة الثالثة:إنْ قلنا بصحة اجتهادهم ومعرفة حالهم فلا اعتقد انَّ هنالك مَنْ يستطيع أنْ يثبت عدالتهما من عدمها، وكما هو معلوم انَّ العدالة مهمة في تشخيص الحق وإحقاقه وإلا فإنْ كان هنالك ما يعيب هذه الخصلة – أي العدالة – في مَنْ شَهدَ بالاجتهاد فلا اعتقد انه سيكون له كلام في هذا المقام او بعبارة أخرى لا حجة لكلامه من الناحية الشرعية.
المناسبة الرابعة:إنْ تنزلنا عن أولاً وثانياً وثالثاً ولا داعٍ للتنزّل وقلنا بعدالتهم ومعرفة حالهم وحقيقة اجتهادهم، فانَّ المُستَشكِل سيقع في مَطبّ كبير عنوانه تعارض رأي مَنْ هو اعلم وهو السيد الحائري ورأي من هو أدنى منه مرتبة وهما الكرامي والطهراني، ونحن نعلم انه عند تعارض رأي الأعلم ورأي من هو دونه فقطعاً سيكون راي الأعلم هو المُرجَّح على رأي مَنْ هو دونه بلا أدنى شك، وبما انَّ الأعلم كان قد أجابَ على استفتاء قُدِّمَ له حول اجتهاد ذلك الطالب من عدمه فأجابَ وبشكل صريح وواضح ببطلان اجتهاده. لذا ووفق المنطق والشرع فانَّ تلك الشهادات ستكون لا قيمة لها من الناحية الشرعية.
المناسبة الخامسة:إنْ تنزّلنا جدلاً عن المناسبات الأربعة الأولى في الرد فسيقع نفس المُستشكِل في إشكال عنوانه تعارض الشهادتان، وكما نعلم انه في حال التعارض لشهادتين فانَّ كلتا الشهادتين سواء الدالة منهما على الاجتهاد او الناكرة له تسقطان بسبب تعارضهما، مع العلم انَّ الشهادة الأقوى والأبيَن دائماً ما تؤخذ وهذا يرجعنا إلى المناسبة الرابعة وهي شهادة الأعلم والتي تعتبر الأبين والأدق فقهياً.
المناسبة السادسة: قد نسأل المُستَشكِل نحن هذه المرة ونقول له، يا ترى كم هو عدد المجتهدين الموجودين في إيران الذين عُرِضَتْ عليهم كُتيبات ذلك الطالب وقالوا ببطلان اجتهاده؟ ولماذا لم يُخبرنا مَنْ حَملَ البيانات الخطية الموقَّعَة بأسماء الطهراني والكرامي عن أسماء المجتهدين الآخرين الذين قالوا ببطلان اجتهاده؟ وكم هو عددهم؟!.
وهنا وقبل الانتهاء من نقاش موضوع طلبة السيد الشهيد الصدر الذين ادّعوا الاجتهاد لابُدَّ لي من وقفة مهمة أحاول أنْ أتطرّق فيها لبعض الموارد المهمة التي ستكون مسك الختام فيما يخصّ هذا الشأن – أدعياء الاجتهاد – وكما يلي:
المورد الأول:في لقاء الشهيد الصدر مع طلبة الجامعة والذي يمكن أنْ نعتبره من اللقاءات التي كانت في أواخر حياة السيد الشهيد الصدر، قال السيد الشهيد الصدر بشكل صريح ومباشرة بعد المقطع الذي أشار فيه سماحته لتسلّم زمام الحوزة بانَّ فلان بن فلان الفلاني يستطيع الآن أنْ يمسك زمام الحوزة، وأعقب هذه الكلمات بكلمات تلتها مباشرة بانَّ ذلك سيكون – أي تسلم زمام الحوزة - إنْ أصبح فلان مجتهداً وهو الآن ليس بمجتهد، وهذا كلام واضح جداً لا يحتاج إلى أي إيضاح او تأويل او تحليل يثبت عدم اجتهاد فلان من الطلبة او غيره من الطلبة الذين ادّعوا الاجتهاد.
المورد الثاني:لم تذكر لنا الرسائل العملية لكل الفقهاء السابقين واللاحقين على الإطلاق او انه وصلنا من الشريعة شيء اسمه التأويل والتلميح بخصوص الاجتهاد، فمثلاً انَّ فلان يسير بخطى حثيثة وانَّ احد طلابي لو بقيت الحياة سيكون مجتهداً بل الأعلم وغيرها من التصريحات الأخرى التي انطلقت من فمِّ الولي الطاهر تدل كما يزعم البعض على انها حجج وإثباتات على اجتهاد مَنْ يقول البعض من العوام باجتهاده، على العكس فانَّ من أكثر المواضيع الشائكة هو موضوع الاجتهاد وهو مهم أيضاً في الوقت ذاته، لذا فانَّ من يُجاز له بالاجتهاد يكون ذلك ملحوظاً ومُبَيَّناً كم أشارت لنا بذلك الرسائل العملية، ومن هذا الكلام يكون لزاماً علينا جميعاً أنْ نكون أكثر حذراً واحتياطاً فيما يخص إطلاق لفظ الاجتهاد على من نحاول أنْ نُرَتِّب له الجُمَل والكلمات ونؤوّلها وفق ما نريد وحسب ما نشتهي، يقول السيد الشهيد الصدر في الجمعة الحادية عشر ما يلي،(كثير من التقليد كان بحجة غير شرعية، كان بحجة شرعية ناقصة، كان بهوى نفسي، كان لمنفعة دنيوية، لا ينبغي أنْ تتكرر هذه المأساة مرة ثانية، طبعاً البقاء على تقليد الميت بدون إجازة الحي غير مُجزي، فحينئذ حذار أنْ يكون تقليدكم الجديد بدون حجة شرعية، التقليد دين الإنسان كأنما، تصح به العبادات والمعاملات، وينجو به الإنسان في يوم القيامة)، فعلينا جميعاً التمعّن أكثر والتدقيق بشكل أوسع لكي لا نقع في إشكالات شرعية قد نُحاسب عليها ولا يعذرنا عليها احد في المستقبل.
المورد الثالث:كان الأولى بمقلدي الشهيد الصدر ممن تبعوا فلان وفلان وفلان من طلبته أنْ يكونوا أكثرَ إنصافٍ ووفاءٍ لِمرجعهم ومُخلّصهم ومَنْ ضحّى بدمائه الطاهرة من اجلهم لا أنْ يُغيّروا عنوانه واسمه ويتلبسون بلبوس آخر بين ليلة وضحاها، وفي هذا المورد كم أكن للسيد الحائري الاحترام إذ انه كم كان وفياً لأستاذه السيد محمد باقر الصدر وكم يرشد الناس إلى آثاره بل انه وطيلة أكثر من اربعة عقود يشهد باعلمية أستاذه ولا يوجب العدول عنه، بل لم يطبع رسالة عملية واكتفى بتعليقات على الفتاوى الواضحة لأستاذه، وهذا الخُلُق العالي والنبيل أيضاً لمسناه في مولانا المقدس الصدر والذي كانت لا تُفارق شفتاه كلمة السيد ابو جعفر حباً له واحتراماً وإكباراً، حتى انه حينما قال أنا اعلم الأحياء والأموات خَصَّ من الأموات السيد السبزواري والمحقق الخوئي ولم يذكر أستاذه الشهيد الصدر الأول مع تيقّنه بأنه اعلم من أستاذه أبي جعفر، وليس هذا فقط بل انه أجازَ لمُقلديه – الشهيد الأول – البقاء على تقليدهم له والعمل بفتاواه.
المورد الرابع:انَّ الكثير من فضلاء الحوزة العلمية وخصوصاً مَنْ شَكّلوا ما تُسمّى جماعة الفضلاء أمثال الشيخ مؤيد الخزرجي والشيخ ماجد الكرعاوي والشيخ جاسم الساعدي والشيخ محمد الساعدي إضافة إلى آخرين خارج دائرة تشكيل جماعة الفضلاء مثل الشيخ كريم المنفي والشيخ اسعد الناصري والشيخ صلاح العبيدي وغيرهم كثير تركوا إتّباعهم وتقليدهم للشيخ الفلاني بعد فترة وجيزة من تقليده والعمل معه، ومهما كان توجههم اليوم إلا انَّ النتيجة التي أضفناها إلى إشكالاتنا هي انَّ هؤلاء جميعاً تنازلوا وتراجعوا عن تقليدهم لفلان من طلبة السيد الشهيد الصدر وذلك لتيقّنهم بعدم براءة العمل معه كمجتهد.
المورد الخامس:انَّ الشهيد الصدر كان من أكثر مَنْ عرفناهم اهتماماً بأمور الأمة ومشاكلها وهمومها، فلم يترك شاردة ولا واردة إلا وتحدّثَ عنها او تصدّى لها وبكل ما يملك من قوة علماً انه لم يكن متوفر لديه ما متوفر للآخرين اليوم من مال وسلاح وإعلام وحرية مُعتَدٍ بها، حتى انه لم يكن غائباً او مُتغيّباً على الإطلاق من التدخّل في صغائر الأمور وكبرياتها.
والآن اسأل مَنْ يقولون انهم يُمثّلون الخط المُكمِّل للشهيد الصدر من طلابه وأقول لهم، أين انتم من الاحتلال وجرائمه؟! ألم يرفضه سيدكم وهو خارج الحدود – أي الاحتلال - وقال له كلا كلا أمريكا؟! وأين انتم من المظالم التي تُرتَكَب بحقِّ المؤمنين من قتل وتشريد وسجن واضطهاد واغتصاب وكل ما يندى له جبين الإنسانية؟! ألم يرد عن المعصوم سلام الله عليه بما مضمونه مَنْ لم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم؟!.
وأين انتم من انتشار الفساد والموبقات والمحرمات من فتح حانات الخمور والملاهي والمراقص وصالات القمار والربا والزنا واللواط والتسليب والسرقة وانتشار الفساد في مؤسسات الدولة، أليس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كانت الصفة السائدة في كلام المقدس الصدر ومن أهم الأهداف التي ضحى من اجلها وثبَّتَ أسسها وأوصاكم بها؟!.
وأين انتم مما يجري على المسلمين في كل أنحاء العالم، إذ لم نسمع لكم رأياً قط بخصوص ذلك، فأين انتم من دمار أهلنا في غزة؟ وأين انتم من الخراب والظلم الذي يجري على أتباع أهل البيت في صعدة؟ وأين انتم مما جرى ويجري على أهلنا في الجنوب اللبناني؟ الم يستعرض الولي الصدر في خطبه ومؤلفاته ولقاءاته لكل هذه المفاصل الحساسة في ظل نظام الدكتاتور المعتوه، مع إدراكه وإحساسه لخطورة التعرّض لمثل هكذا مواضيع حساسة وخطرة لأنها تضرب عمق الثالوث المشؤوم ومع ذلك تحدّث بها؟!.
يقول المقدس الصدر بهذا الخصوص في لقاء الحنانة الأول مع سماحة الشيخ الشهيد محمد ناجي النعماني ما يلي، (مَنْ لم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم، فإذا كان مشغولاً ونستطيع أنْ نقول قاضي كل عمره في هذه الفقهيات البسيطة، إذن هو لا يهتم بأمور المسلمين فينبغي أنْ لا يكون مُسلِماً) ويقول قدس الله سره الشريف في نفس اللقاء، (انه احد أهدافي الرئيسية للتصدي للمرجعية تغيير الواقع الشيعي، في الحقيقة الذي غُمِّض في الحقيقة والذي عاشه الجيل الذي أنا رايته على أية حال والجيل الذي أنا أراه الآن على أية حال السابقون رحمهم الله ذهبوا إلى ربهم - محل الشاهد - فتكليفي في حدود قدرتي أنْ ابذل جميع إمكاناتي لأجل جميع مَنْ يستطيع أنْ يستفيد مني لو صح التعبير عقلياً او اجتماعياً او قضاء حوائج او أي شيء).
ويقول قدس الله سره الشريف أيضاً في موقع آخر من لقاء الحنانة – الحوار الأول - حول نفس الموضوع، (انني مُدرِك بصراحة وحس وجود نقائص ومظالِم وصعوبات في الحوزة خاصة وفي التشيّع عامة، لابُدَّ من السيطرة عليها وتنظيفها بمقدار ما هو ممكن، فقلت بأنه اذا الله تعالى سألني في يوم القيامة انه لماذا لم تكن سبباً لإصلاح هذه المصاعب وتنظيف هذه الأوساخ - لو صح التعبير – ؟، أقول له يا ربي أنا بذلتُ نفسي بمقدار ما استطيع، حينئذٍ هذه العملية التي أنا أتوخاها في أي أسلوب تكون؟ اجلس في بيتي وأغلق الباب أم أتصدّى للناس لأجل أنْ أقول انه أنا نافع لكم بمقدار جهدي بطبيعة الحال؟ ينبغي أنْ أتصدّى للناس).
علما انَّ هذا الكلام المقدس وغيره الذي ذكره الولي الحبيب الصدر لا ينطبق على فئة دون فئة او على فرد دون آخر، بل هو شامل للجميع سواء مَنْ يدّعي الاجتهاد من طلبته او غيرهم من المجتهدين الآخرين في كل بقاع الأرض، إلا انَّ الأولى والمُقَدَّم بهذا الكلام قطعاً هم من يَدّعون الانتماء له والذوبان في فكره، وإلا فالتحدّث مع الجهة الثانية وضرب الأمثال لها والشواهد من كلام الولي الطاهر لا أظنه سيجدي نفعاً في يوم من الأيام، فإنْ كان خيرُ عباد الله في زماننا وهو الولي الطاهر محمد الصدر لم تُحرِّك كلماته وجدان أولئك وضمائرهم بل على العكس فقد زادتهم بُغضاً وحقداً ومَكراً وتعصّباً، فلا أظنّ اليوم انَّ مَنْ يكون دون الولي الصدر بقادر على إصلاحهم وهدايتهم.
وهنالك الكثير الكثير من الكلمات الطاهرات التي خرجت من فمِّ الولي الطاهر تخصَّ هذا المورد وغيره من الموارد الأخرى ولكن ما أكثر النصائح والعبر هذه الأيام وما اقلّ الآخذين بهما مع شديد الأسف وأول مَنْ هو غير اخذ بتلك النصائح الشريفة المُخلصة ينبغي أنْ يكون كاتب هذه الكلمات، فلله اعتذر أولاً ولسيدي الصدر المقدس ثانياً وإنا لله وإنا إليه راجعون.
المورد السادس:لا أخفيكم سراً، اننا كصدريين كنا نتمنى ولا زالت هذه الأمنية قائمة في أنْ يكون احد طلبة الولي الصدر مُجتهداً ليحلَّ محلّه ويأخذ موقعه فقهياً وقيادياً، لسبب جداً وجيه ومهم وهو انَّ طلبة السيد الشهيد الصدر اقرب للصدريين فكراً وروحاً، ولكن ما لا نقبله على الإطلاق هو أنْ تكون طريقة الاختيار والإتباع بهذا الشكل التأويلي والتحليلي المُخالِف للشريعة، وكما أوضحتُ قبل قليل انَّ ذلك – أي الاجتهاد – لا يمكن أنْ يناله الفرد وفق تأويلات او ترتيبات ما انزل الله بها من سلطان.
ولأكون مُنصفاً وموضوعياً ومنطقياً في كلامي حتى لا يتهمني إخوتي من أتباع طلبة الشهيد الصدر بمختلف توجهاتهم بالتزلّف والتحيّز فأقول لهم، لو انَّ هذه التأويلات التي تحاولون تأطيرها بإطار شرعي لإثبات اجتهاد مَنْ تتّبعونه كانت بحق السيد مقتدى الصدر فلا يمكن أنْ نقول له بأنك مجتهد وإنْ صدرت تلك الكلمات من فم الولي الطاهر بحقك، بل انه لو قالها – أي السيد مقتدى الصدر – كما تقولونها اليوم فانَّ موقفنا منه سيكون كما هو موقفنا اليوم ممن ادّعى الاجتهاد وهو ليس بمجتهد.
والى هذا الحد من ذكر الموارد أتوقف في نقاشي وتحدّثي عن موضوع من ادّعى الاجتهاد من طلبة السيد الشهيد الصدر لانَّ موضوع المرجعية والقيادة موضوع شائك فيه الكثير من التفاصيل والإشكالات ويحتاج إلى صرف جهد كبير وكتابة حلقات عديدة وبحث في مؤلفات المقدس الصدر وغيره لإثبات بطلان كل الإشكالات التي يمكن أنْ تورد في هذا المجال والتي نحاول دفعها بالطرق الشرعية والعقلية المسموح بها بعيداً عن العاطفة والمصالح والتزلّف.
وهنا أحاول الرجوع في الكتابة خطوة واحدة إلى الوراء وتحديداً موضوع المرجعية، إذ انَّ البعض يقول انك تتخبط في كتاباتك وهي قد شابها تناقض واضح في الطرح، فمثلاً انك تشير في الحلقات السابقة إلى انكم أخذتم الإذن الشرعي من الحائري في مسالة البقاء على تقليد السيد الشهيد الصدر، وأيضاً أوقفتم العمل بالقضاء الشرعي بعد أنْ سَحبَ الحائري الوكالة من السيد مقتدى الصدر، وغيرها من الموارد الأخرى التي تعرّضتَ لها في مقالاتك المتتالية وكل هذا وانتم لا ترجعون إلى الحائري؟ او بعبارة أكثر وضوح انكم في ظاهركم لا تعترفون بمرجعية الحائري او ترجعون لها ومع ذلك تأخذون منه ما ينفعكم فقط وأما ما يضرّ مصالحكم ومنافعكم فأنكم تعصونه فيها ولا تطيعونه.
وهنا أقول انه من حق المُستشكِل أنْ يضع مثل هكذا إشكالات لأنه قد يفهم البعض ما فهمه هذا المُستشكِل، ولكن بالإمكان الرد على هذا الرأي او الرأيين وبأكثر من جواب:
الجواب الأول:اننا لا يمكن أنْ نعدوَ كلام السيد الشهيد الصدر بمقدار إلكترون وليس بمقدار ذرة، ونحن نعترف بأننا أخذنا إذن البقاء على تقليد السيد الشهيد الصدر من السيد الحائري، ولم تسمع لا اليوم ولا غداً بأننا سنقول غير هذا الكلام على الإطلاق، فهو كلام مُسَلَّم لدينا والى لحظة كتابتي لهذه الأسطر.
الجواب الثاني:انَّ قيادة التيار الصدري لم تفعل على الإطلاق ما يُمكن أنْ نُسمّيه مُخالفة لرأي السيد الحائري الفقهي وخصوصاً فيما يخصّ المُستحدثات من المسائل الفقهية، ولم نسمعها – أي القيادة – انها أمَرَتْ يوماً ما أتباعها بمخالفة الآراء الفقهية المستحدثة للسيد الحائري وهذا يمكن أنْ أقول انه كاف جداً.
وكما أشرت وفي أكثر من مورد وأكررها الآن أيضاً، انه ولمجرد سحب الحائري الوكالة من السيد مقتدى الصدر فانَّ السيد مقتدى الصدر سارعَ فوراً إلى وقف القضاء الشرعي وألزمَ أتباعه بالامتناع عن استلام الحقوق الشرعية وقبضها إضافة إلى رفضه لكل أشكال المصالحات الشرعية فيما يخصّ المُخَمِّس الحديث، هذا وغيره من الأمور الفقهية الكثيرة الأخرى التي كان السيد مقتدى الصدر بمنأى عنها لأنها من اختصاص المجتهد حصراً وليست من خصوصيات القيادة التي أشارَ لها الولي الصدر وعزلها عن التقليد.
الجواب الثالث:ليس في قاموسنا شيء اسمه منافع ومضار والدليل على ذلك انه حينما قَدِمَ السيد نور الدين الاشكوري من إيران إلى العراق كممثل عن السيد الحائري في العراق، فانَّ سماحة السيد مقتدى الصدر أوكل إليه كل ما في جعبته من أمور شرعية كاستلام الحقوق الشرعية والإفتاء وغيرها، حتى وصل الحال بالسيد مقتدى الصدر انه أجازَ للبعض من مُقرّبيه المعروفين من طلبة الحوزة الشريفة بالعمل في مكتب السيد الحائري مع السيد الاشكوري.
الجواب الرابع:انَّ الكثير من المُقرّبين للسيد مقتدى الصدر هم اليوم من وكلاء السيد الحائري، ولم يعترض لأجل ذلك على أي واحد منهم كونه أصبح وكيلاً للحائري، بل انَّ البعض من أصحاب القرار اليوم في التيار الصدري هم من وكلاء السيد الحائري.
الجواب الخامس:لو كان السيد مقتدى الصدر إنتفاعياً لكان وافقَ وقَبلَ بالكثير من الوكالات التي وصلت إليه على الجاهز - كما يقولون - من العديد من المراجع سواء من هم في النجف الاشرف او في بقية الحوزات الدينية الأخرى خارج العراق، والسبب في ذلك قناعته بانَّ الأعلم من بعد السيد الشهيد الصدر هو الحائري وهذا الكلام ليس كلامه هو – أي السيد مقتدى الصدر - وإنما هو كلام والده ومرجعه وسيده وقائده ومولاه وهو المقدس الصدر، فبعد ذلك كله هل يصحّ منه أنْ يكون وكيلاً لِمَنْ هو ليس بأعلم؟!.
الجواب السادس:كَفَلَتْ الشريعة المُقدّسة للمُكلَّف العدول في وجهة نظرته الشرعية إلى مرجع تقليد آخر في حال تَبَيَّنَ له فقدان الاطمئنان الشرعي بهذا المرجع الجديد، يقول السيد الحائري في معرض رَدِّهِ على سؤال وُجِّهَ له بهذا الخصوص - المسألة 11 الفتاوى المنتخبة الجزء الثاني -، إذ يسأل السائل ويقول : ( كُنتُ مُقلِّداً لمجتهد جامع للشرائط وبعد وفاته عَدلتُ إلى مجتهد آخر باعتقاد أعلميته، وذلك لأنني حصلَ عندي اطمئنان قلبي وعملت فترة بفتاوى المجتهد الثاني، وبعد فترة زالَ الاطمئنان القلبي، فهل أبقى على تقليدي للمجتهد الثاني او ارجع إلى المجتهد الأول؟).
فأجابه السيد الحائري بالنحو الآتي : ( أحوط الوجوه هو أنْ تعمل في كل مسالة بأحوط الرأيين فيها، اعني راي المجتهد الأول ورأي المجتهد الثاني).
ومن خلال السؤال والإجابة نستطيع أنْ نقول انَّ الشريعة ووفق إجابة الأعلم أجازت لِمَنْ يفقد الاطمئنان بالمرجع الذي يلي مرجع تقليده الميت بأنْ يعمل بأحوط الرأيين، علماً انَّ العمل بأحوط الرأيين هو ناجز على الفقه حصراً كما هو المفهوم من السؤال والجواب.
وللكلام بقية...........والحمد لله رب العالمين وصلاته على محمد واله الطاهرين واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
جليل النوري
يوم الثلاثاء الموافق للثالث من شهر صفر الخير للعام 1431
المصادف للتاسع عشر من شهر كانون الثاني للعام 2010
ملاحظة
نقل الموضوع ليس بالضرورة تبني كل مافيه وعلى هذا الاساس لن أسجل ردودي على ملاحظات الاخوة الاعضاء , إلا فيما تفرضه المصلحة العامة , ويمكن للاخوة الاعضاء إثراء الموضوع بالحكمة والموعظة الحسنة وتسجيل أي ملاحظة أو تقويم في إطار حرية الفكر .
أخوكم وخادمكم / هو الحق