هو الحق
04-04-2010, 02:54 AM
أزمة الثقة / السيد مقتدى الصدر مفتاح الحلّ وبوابة الخروج من الأزمة
بقلم - باسم الماضي الحسناويّ
لا أتصوَّر أنَّ المشهد السياسيَّ الحاليَّ قابلٌ للحلِّ السريع، فإنَّ هناك أزمةً حقيقيةً بين القوائم السياسية الفائزة، وتتمثَّل هذه الأزمة في فقدان الثقة بالوعود التي تقطعها كلُّ قائمةٍ على نفسها، خاصةً قائمة دولة القانون التي يتزعَّمها السيد المالكيُّ على وجه التحديد.
إنَّ المالكيَّ رجلٌ يخون المواثيق والعهود التي يقطعها على نفسه بشكلٍ دائمٍ، وقد كانت هذه الصفة ملازمةً له طيلة الفترة السابقة التي شملت سنوات حكمه، فعلى الرغم من أنه ما كان له أن يحلم يوماً بأن يصبح رئيساً لوزراء العراق، وهو الرجل الذي كان منتهى حلمه أن يكون قائمقاماً على قضاء طويريج- حتى كأنَّ هذا القضاء الصغير يمثِّل كلَّ العالم في نظره- لولا دعم الصدريين له في الدورة السابقة، ومع هذا فإنَّ الرجل قابل إحسانهم المطلق بالإساءة المطلقة، بل إنه قام بتشريدهم في البلاد الغريبة، بعد أن قام باعتقال الآلاف منهم وزجِّهم في السجون، وليس هذا فقط، بل إنه قام بمحاصرة المدن العراقية التي تمثِّل معاقل الصدريين في البصرة وبغداد والديوانية وكربلاء، وحرم أهلها من أبسط الحقوق الإنسانية المتعارفة من الزاد والماء والكهرباء، وصبَّ على أهلها وابل الطائرات الحربية والمتفجِّرات، من دون أن يضع لهذه العمليات الإجرامية بحقِّهم حداً فيما بعد، بل كان يتمادى يوماً بعد آخر، حتى اليوم الأخير قبل الإنتخابات.
لقد كان تصرُّف السيد مقتدى الصدر خلال السنوات الأربعة الماضية حكيماً إلى أبعد حدّ، فقد كان يتحمَّل إساءات المالكيّ للتيار الصدريِّ وليس عليه بهيِّنٍ طبعاً، لكنه كان ينتظر الفرصة القانونية المواتية التي تتيح للصدريين أن يكونوا سادة الموقف في تغيير الخارطة السياسية العراقية، فلا يكون سبباً في إحداث أيِّ اضطرابٍ أمنيٍّ في البلاد، لأنَّ السيد مقتدى الصدر كان يعرف أنَّ خطَّة الأمريكان وحكومة المالكيّ تقضي بأن يبدو التيار الصدريُّ كما لو أنه من قوى الإرهاب التي تنوي القضاء على العملية السياسية، أو أنها تنوي عرقلة عمل الحكومة العراقية في ترسيخ الأمن، مع حاجة العراق القصوى له في واحدةٍ من أخطر المراحل التأريخية التي اختلطت بها أجندات المقاومة بأجندات الإرهاب، وبناءً على معرفته هذه؛ فإنَّ السيد مقتدى الصدر كان يقوم بعملية سحب البساط من تحت أرجل الحكومة والإحتلال معاً يوماً بعد آخر دونما سأمٍ أو مللٍ، حتى عانى التيار من جراء هذا الصبر الطويل الكثير من السلبيات التي فضَّل معاناتها على أن يكون سبباً في تحقيق غرض المحتلِّ والحكومة، وقد تمثَّلت تلك السلبيات في التالي:
أوَّلاً: لقد كان صبر السيد مقتدى الصدر والتيار الصدريّ يغري الإحتلال وحكومة المالكيّ يوماً بعد آخر على تنفيذ المزيد من عمليات الإعتقال بحقِّ الصدريين، ولم يكن المالكيُّ ليقرأ موقفهم قراءةً سياسيةً صحيحةً، بل كان يعتبر نفسه منتصراً؛ وأنَّ انتصاره هذا يبرِّر له أن يقدم على المزيد من أسبابه التي تتمثَّل حصراً في ملاحقة الصدريين واعتقالهم بشكلٍ دائم.
ثانياً: لقد ارتكب المالكيُّ الكثير من التجاوزات على حقوق الإنسان داخل السجون، مما يخجل المرء من الحديث حوله في هذه المقالة، وكان سلوك قواته الأمنية غريباً بالفعل، كونه يعكس مستوىً أخلاقياً لا يليق بالأحزاب العلمانية الليبرالية المتجرِّدة عن البعد الأخلاقيِّ بالكامل فضلاً عن أن يكون فعلاً يمثِّل حزباً إسلامياً عريقاً مثل حزب الدعوة، فكانت الصدمة النفسية شديدة الوقع على الصدريين بالفعل، إذ لم يكونوا يتوقَّعون يوماً أن يقوم حزب الدعوة نفسه بتعذيبهم على هذه الشاكلة، ناهيك عن ارتكاب المجازر الأخلاقية المخزية في المعتقلات التابعة للحكومة التي يقودها زعيمٌ من زعماء هذا الحزب، إلا أنَّ السيد مقتدى الصدر لم يفقد حكمته السياسية على الرغم من كلِّ ذلك، بيد أنَّ العديد من القطاعات الصدرية لم تتفهَّم موقف السيد مقتدى الصدر، فكان أن جرَّ ذلك إلى ما سوف يأتي.
ثالثاً: لقد كانت معاناة الصدريين شديدةً حقاً، ولم يكن فهم حكمة السيد مقتدى الصدر بالشيء السهل الميسور، لذلك ركَّز في بياناته وخطاباته الموجَّهة إلى القاعدة الجماهيرية الصدرية على الطاعة المطلقة للقيادة من دون انتظار أجوبةٍ على الكثير مما كان يراود القاعدة الجماهيرية الصدرية من الأسئلة، ففي مثل تلك الظروف لا يحسن النقاش طويلاً حول مدى معقولية الكثير من القرارات التي تتخذها القيادة، لأنها قراراتٌ نابعةٌ من الرؤية المستقبلية للأمور، وليست نابعةً من الحاجات الآنية التي من الممكن أن تؤدِّي إلى فقدان العديد من الأهداف الستراتيجية الهامَّة في المستقبل، ولهذا فإنَّ قسماً من القاعدة الشعبية الصدرية لم تتحمَّل هذا الوضع مع كثرة الإعتداءات التي تقوم بها حكومة المالكيّ، فكانت تطالب السيد مقتدى الصدر بأن يتخذ قراراً بمواجهة الحكومة مواجهةً عسكريةً من أجل وضع حدٍّ لتلك الإعتداءات، بيد أنَّ السيد مقتدى الصدر كان يواجه كلَّ ذلك بالصمت المطبق مشدداً على ضرورة الطاعة المطلقة للقيادة، وأدّى ذلك إلى أن ينشقَّ عددٌ من الصدريين على خلفية هذا الصمت، ولم يكونوا ينظرون إلى الأمور من الزاوية التي ينظر السيد مقتدى الصدر من خلالها، ولو أنَّ السيد مقتدى الصدر استجاب لتلك الضغوط من أنصاره في تلك الفترة لكانت العواقب وخيمةً بالفعل على التيار الصدريِّ وعلى قضية الشعب العراقيِّ برمَّته، إذ ستجد الحكومة كما سيجد الإحتلال الذريعة جاهزةً للقضاء على التيار الصدريِّ قضاءً مبرماً بحجة التمرُّد على القانون، فلا يحظى التيار الصدريُّ بأية مقبوليةٍ في نظر الجماهير العراقية بعد ذلك.
أما الآن، فقد بدأت الكثير من القرارات التي اتخذها السيد مقتدى الصدر تتلبَّس بالحكمة في نظر من كان معترضاً على قراراته في السابق، فقد كان سماحة السيد يعدُّ العدَّة لهذه اللحظة التأريخية التي نعيش تفاصيلها الآن، فقد تسبب المالكيُّ نتيجة طيشه بالكثير من أزمة فقدان الثقة بينه وبين الكتل السياسية الأخرى، فقد صار تصرفه مع التيار الصدريِّ وانقلابه المفاجئ على جميع العهود والمواثيق التي قطعها على نفسه سبباً في فقدان ثقة هؤلاء به في الوقت الراهن، فقائمة علاوي لا تثق بالمالكيّ، ولا يمكن لها أن تبرم تحالفاً معه على هذا الأساس، كما أنَّ الأكراد لا يثقون به أيضاً، فهو رجلٌ فاقدٌ للقدرة على اجتراح الحلول السياسية السلمية للأزمات التي يمكن أن تعصف بينه وبين الأكراد مستقبلاً، كما أنَّ قائمة الإئتلاف الوطني العراقيّ لا تثق به من بابٍ أولى، لأنه انقلب على الجميع، ليس بوازعٍ وطنيٍّ كما يتخيَّل بعض السذَّج من السياسيين، بل بدافع الإستئثار بالسلطة والتفرُّد بها على حساب الشركاء الذين ساهموا في تسنُّمه منصب الرئيس أوَّل الأمر.
ثمَّ إنَّ هناك شيئاً آخر، فإنَّ المالكيَّ بتمسُّكه بالسلطة إلى هذا الحدّ، وإصراره على عدم توفير البديل من قائمته ذاتها سيساهم في تعزيز مبدأ فقدان الثقة لدى القوائم السياسية الحاسمة في تشكيل الحكومة المقبلة، فلقد برهن الجعفريُّ في الدورة السابقة على كثيرٍ من النزاهة والإيثار في قلبه تجاه الآخرين، إذ تنازل عن كرسيِّ الحكومة لصالح المالكيِّ الذي كان سياسياً مغموراً وقتئذٍ، وما كان له أن يكون رئيساً لولا الخلق السياسيُّ الكريم الذي يتمتَّع به الجعفريّ، فكان جزاءه منه أن قام بتنحيته من الحزب الذي كان هو الشخص الأبرز في قيادته، ليكون المالكيُّ هو القائد الأوحد في الحزب والدولة على السواء.
وبناءً على هذا، فإني أعتقد أنَّ السيد مقتدى الصدر سيكون هو مفتاح الحلِّ في أزمة السياسة العراقية في المرحلة الراهنة، لأنه ببساطةٍ يمثل القطب الوحيد الذي وإن اختلف معه الكثيرون في الرؤية السياسية وموقفه من المقاومة،
إلا أنه يمثِّل في نظرهم جميعاً الرجل الوحيد الذي يمكن أن يوثق به، وهو ما يمثِّل الحاجة الواقعية الحالية لكلِّ القوى السياسية والأحزاب المختلفة حول مسألة تشكيل الحكومة في مرحلة ما بعد الإنتخابات، ولهذا فإنَّ السيد مقتدى الصدر سيكون من الآن فصاعداً هو المتحكم أخلاقياً في صنع الإنعاطافات السياسية الهامَّة في العراق.
بقلم - باسم الماضي الحسناويّ
لا أتصوَّر أنَّ المشهد السياسيَّ الحاليَّ قابلٌ للحلِّ السريع، فإنَّ هناك أزمةً حقيقيةً بين القوائم السياسية الفائزة، وتتمثَّل هذه الأزمة في فقدان الثقة بالوعود التي تقطعها كلُّ قائمةٍ على نفسها، خاصةً قائمة دولة القانون التي يتزعَّمها السيد المالكيُّ على وجه التحديد.
إنَّ المالكيَّ رجلٌ يخون المواثيق والعهود التي يقطعها على نفسه بشكلٍ دائمٍ، وقد كانت هذه الصفة ملازمةً له طيلة الفترة السابقة التي شملت سنوات حكمه، فعلى الرغم من أنه ما كان له أن يحلم يوماً بأن يصبح رئيساً لوزراء العراق، وهو الرجل الذي كان منتهى حلمه أن يكون قائمقاماً على قضاء طويريج- حتى كأنَّ هذا القضاء الصغير يمثِّل كلَّ العالم في نظره- لولا دعم الصدريين له في الدورة السابقة، ومع هذا فإنَّ الرجل قابل إحسانهم المطلق بالإساءة المطلقة، بل إنه قام بتشريدهم في البلاد الغريبة، بعد أن قام باعتقال الآلاف منهم وزجِّهم في السجون، وليس هذا فقط، بل إنه قام بمحاصرة المدن العراقية التي تمثِّل معاقل الصدريين في البصرة وبغداد والديوانية وكربلاء، وحرم أهلها من أبسط الحقوق الإنسانية المتعارفة من الزاد والماء والكهرباء، وصبَّ على أهلها وابل الطائرات الحربية والمتفجِّرات، من دون أن يضع لهذه العمليات الإجرامية بحقِّهم حداً فيما بعد، بل كان يتمادى يوماً بعد آخر، حتى اليوم الأخير قبل الإنتخابات.
لقد كان تصرُّف السيد مقتدى الصدر خلال السنوات الأربعة الماضية حكيماً إلى أبعد حدّ، فقد كان يتحمَّل إساءات المالكيّ للتيار الصدريِّ وليس عليه بهيِّنٍ طبعاً، لكنه كان ينتظر الفرصة القانونية المواتية التي تتيح للصدريين أن يكونوا سادة الموقف في تغيير الخارطة السياسية العراقية، فلا يكون سبباً في إحداث أيِّ اضطرابٍ أمنيٍّ في البلاد، لأنَّ السيد مقتدى الصدر كان يعرف أنَّ خطَّة الأمريكان وحكومة المالكيّ تقضي بأن يبدو التيار الصدريُّ كما لو أنه من قوى الإرهاب التي تنوي القضاء على العملية السياسية، أو أنها تنوي عرقلة عمل الحكومة العراقية في ترسيخ الأمن، مع حاجة العراق القصوى له في واحدةٍ من أخطر المراحل التأريخية التي اختلطت بها أجندات المقاومة بأجندات الإرهاب، وبناءً على معرفته هذه؛ فإنَّ السيد مقتدى الصدر كان يقوم بعملية سحب البساط من تحت أرجل الحكومة والإحتلال معاً يوماً بعد آخر دونما سأمٍ أو مللٍ، حتى عانى التيار من جراء هذا الصبر الطويل الكثير من السلبيات التي فضَّل معاناتها على أن يكون سبباً في تحقيق غرض المحتلِّ والحكومة، وقد تمثَّلت تلك السلبيات في التالي:
أوَّلاً: لقد كان صبر السيد مقتدى الصدر والتيار الصدريّ يغري الإحتلال وحكومة المالكيّ يوماً بعد آخر على تنفيذ المزيد من عمليات الإعتقال بحقِّ الصدريين، ولم يكن المالكيُّ ليقرأ موقفهم قراءةً سياسيةً صحيحةً، بل كان يعتبر نفسه منتصراً؛ وأنَّ انتصاره هذا يبرِّر له أن يقدم على المزيد من أسبابه التي تتمثَّل حصراً في ملاحقة الصدريين واعتقالهم بشكلٍ دائم.
ثانياً: لقد ارتكب المالكيُّ الكثير من التجاوزات على حقوق الإنسان داخل السجون، مما يخجل المرء من الحديث حوله في هذه المقالة، وكان سلوك قواته الأمنية غريباً بالفعل، كونه يعكس مستوىً أخلاقياً لا يليق بالأحزاب العلمانية الليبرالية المتجرِّدة عن البعد الأخلاقيِّ بالكامل فضلاً عن أن يكون فعلاً يمثِّل حزباً إسلامياً عريقاً مثل حزب الدعوة، فكانت الصدمة النفسية شديدة الوقع على الصدريين بالفعل، إذ لم يكونوا يتوقَّعون يوماً أن يقوم حزب الدعوة نفسه بتعذيبهم على هذه الشاكلة، ناهيك عن ارتكاب المجازر الأخلاقية المخزية في المعتقلات التابعة للحكومة التي يقودها زعيمٌ من زعماء هذا الحزب، إلا أنَّ السيد مقتدى الصدر لم يفقد حكمته السياسية على الرغم من كلِّ ذلك، بيد أنَّ العديد من القطاعات الصدرية لم تتفهَّم موقف السيد مقتدى الصدر، فكان أن جرَّ ذلك إلى ما سوف يأتي.
ثالثاً: لقد كانت معاناة الصدريين شديدةً حقاً، ولم يكن فهم حكمة السيد مقتدى الصدر بالشيء السهل الميسور، لذلك ركَّز في بياناته وخطاباته الموجَّهة إلى القاعدة الجماهيرية الصدرية على الطاعة المطلقة للقيادة من دون انتظار أجوبةٍ على الكثير مما كان يراود القاعدة الجماهيرية الصدرية من الأسئلة، ففي مثل تلك الظروف لا يحسن النقاش طويلاً حول مدى معقولية الكثير من القرارات التي تتخذها القيادة، لأنها قراراتٌ نابعةٌ من الرؤية المستقبلية للأمور، وليست نابعةً من الحاجات الآنية التي من الممكن أن تؤدِّي إلى فقدان العديد من الأهداف الستراتيجية الهامَّة في المستقبل، ولهذا فإنَّ قسماً من القاعدة الشعبية الصدرية لم تتحمَّل هذا الوضع مع كثرة الإعتداءات التي تقوم بها حكومة المالكيّ، فكانت تطالب السيد مقتدى الصدر بأن يتخذ قراراً بمواجهة الحكومة مواجهةً عسكريةً من أجل وضع حدٍّ لتلك الإعتداءات، بيد أنَّ السيد مقتدى الصدر كان يواجه كلَّ ذلك بالصمت المطبق مشدداً على ضرورة الطاعة المطلقة للقيادة، وأدّى ذلك إلى أن ينشقَّ عددٌ من الصدريين على خلفية هذا الصمت، ولم يكونوا ينظرون إلى الأمور من الزاوية التي ينظر السيد مقتدى الصدر من خلالها، ولو أنَّ السيد مقتدى الصدر استجاب لتلك الضغوط من أنصاره في تلك الفترة لكانت العواقب وخيمةً بالفعل على التيار الصدريِّ وعلى قضية الشعب العراقيِّ برمَّته، إذ ستجد الحكومة كما سيجد الإحتلال الذريعة جاهزةً للقضاء على التيار الصدريِّ قضاءً مبرماً بحجة التمرُّد على القانون، فلا يحظى التيار الصدريُّ بأية مقبوليةٍ في نظر الجماهير العراقية بعد ذلك.
أما الآن، فقد بدأت الكثير من القرارات التي اتخذها السيد مقتدى الصدر تتلبَّس بالحكمة في نظر من كان معترضاً على قراراته في السابق، فقد كان سماحة السيد يعدُّ العدَّة لهذه اللحظة التأريخية التي نعيش تفاصيلها الآن، فقد تسبب المالكيُّ نتيجة طيشه بالكثير من أزمة فقدان الثقة بينه وبين الكتل السياسية الأخرى، فقد صار تصرفه مع التيار الصدريِّ وانقلابه المفاجئ على جميع العهود والمواثيق التي قطعها على نفسه سبباً في فقدان ثقة هؤلاء به في الوقت الراهن، فقائمة علاوي لا تثق بالمالكيّ، ولا يمكن لها أن تبرم تحالفاً معه على هذا الأساس، كما أنَّ الأكراد لا يثقون به أيضاً، فهو رجلٌ فاقدٌ للقدرة على اجتراح الحلول السياسية السلمية للأزمات التي يمكن أن تعصف بينه وبين الأكراد مستقبلاً، كما أنَّ قائمة الإئتلاف الوطني العراقيّ لا تثق به من بابٍ أولى، لأنه انقلب على الجميع، ليس بوازعٍ وطنيٍّ كما يتخيَّل بعض السذَّج من السياسيين، بل بدافع الإستئثار بالسلطة والتفرُّد بها على حساب الشركاء الذين ساهموا في تسنُّمه منصب الرئيس أوَّل الأمر.
ثمَّ إنَّ هناك شيئاً آخر، فإنَّ المالكيَّ بتمسُّكه بالسلطة إلى هذا الحدّ، وإصراره على عدم توفير البديل من قائمته ذاتها سيساهم في تعزيز مبدأ فقدان الثقة لدى القوائم السياسية الحاسمة في تشكيل الحكومة المقبلة، فلقد برهن الجعفريُّ في الدورة السابقة على كثيرٍ من النزاهة والإيثار في قلبه تجاه الآخرين، إذ تنازل عن كرسيِّ الحكومة لصالح المالكيِّ الذي كان سياسياً مغموراً وقتئذٍ، وما كان له أن يكون رئيساً لولا الخلق السياسيُّ الكريم الذي يتمتَّع به الجعفريّ، فكان جزاءه منه أن قام بتنحيته من الحزب الذي كان هو الشخص الأبرز في قيادته، ليكون المالكيُّ هو القائد الأوحد في الحزب والدولة على السواء.
وبناءً على هذا، فإني أعتقد أنَّ السيد مقتدى الصدر سيكون هو مفتاح الحلِّ في أزمة السياسة العراقية في المرحلة الراهنة، لأنه ببساطةٍ يمثل القطب الوحيد الذي وإن اختلف معه الكثيرون في الرؤية السياسية وموقفه من المقاومة،
إلا أنه يمثِّل في نظرهم جميعاً الرجل الوحيد الذي يمكن أن يوثق به، وهو ما يمثِّل الحاجة الواقعية الحالية لكلِّ القوى السياسية والأحزاب المختلفة حول مسألة تشكيل الحكومة في مرحلة ما بعد الإنتخابات، ولهذا فإنَّ السيد مقتدى الصدر سيكون من الآن فصاعداً هو المتحكم أخلاقياً في صنع الإنعاطافات السياسية الهامَّة في العراق.