هو الحق
13-04-2010, 02:01 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
الصدر الأوَّل/ الصدر الثاني/ السيد مقتدى الصدر
بقلم - باسم الماضي الحسناويّ
ليس أمام الفيلسوف إلا حلٌّ واحدٌ لمعضلة الجسد، وهو أن يثبت له جناحين مثل الملاك، ثمَّ يحلِّق به عالياً نحو جنَّة الخلد، تماماً كما فعل السيد محمد باقر الصدر، إذ رأى جبرئيل ليلةً في فضاء الله محلِّقاً، فشاء أن يكون مثله بالضبط، وكان الشرط لحصول ذلك أن تتحوَّل روحه قمراً، وأن يطعن الليل جسده بالرمح في كبد الظلام.
تلك إحدى طرائق الموت ثمَّ الخلود في عالم الإمكان، وملهم هذه الطريقة هو الملاك جبرئيل بالطبع.
أما الطريقة الثانية، فهي أن يكون المرء فيلسوفاً وعارفاً، ففي هذه الحالة لا يتمثَّل جبرئيل للمرء، بل يحلُّ في داخله رأساً، أي أنَّ الملاك يشعر بأنه في موسم الحجِّ داخل كيان الفيلسوف العارف، فيحجّ فعلاً، ثمَّ يعتمر، ثمَّ يتلقى بنفسه طعن الرمح، فلا يموت الملاك جبرئيل طبعاً، لأنه مخلوقٌ من نورٍ، والنور لا يموت، لكنه يذوق طعم الطعن بالرمح فقط.
بيد أنَّ الفيلسوف العارف يتأثر كثيراً بالدمع، ومن خصائص جبرئيل أنه يبكي كلَّما تلقّى طعن الرمح، يبكي فرحاً لا حزناً على نفسه طبعاً، ولهذا فإنَّ الفيلسوف العارف يموت أيضاً، لكنَّ جسده لا يحلِّق في الفضاء بجناحين كالحالة الأولى، بل يتحوَّل جسده روحاً أو نوراً أو يتحوَّل مباشرةً ظلاً ممدوداً تحت العرش، حيث الشمس الوحيدة في ذلك المكان وجهُ الله.
هذا هو الموت الذي ماته السيد محمَّد الصدر، ولهذا فهو حيٌّ حتى قيام الساعة، ولهذا أيضاً لا تكون صلاة المرء معراجاً إلى الله ما لم تتلفَّع أوَّلاً بعباءة السيد محمَّد الصدر، وتشمَّ جبينه المضرَّج مثل جسد الحسين الشهيد بالدماء.
هذان نمطان من الموت ماتهما أكبر شاهدين على هذا العصر، وهناك موتٌ ثالثٌ، موتٌ ثالثٌ مؤجَّلٌ طويلاً جداً، سيموته الإمام المهديّ في نهاية المطاف.
ذلك الموت موتٌ من طراز الإعجاز الموجود في القرآن، فكلَّما قال أحدٌ إنه عرف وجه الإعجاز فيه بدا في نظر الملائكة الكرام شاذّاً ومنحرفاً ومتَّهماً بأنه فاقد العقل، لأنَّ موتاً من طراز الإعجاز في القرآن لا يمكن أن يكون إلا سراً من الأسرار، ولكنَّ علماء البلاغة والفصاحة والبيان بمثابة أنعامٍ لا تفقه، ولو تحلَّوا بالحكمة لكانوا في حلٍّ من هذا، فلم يكلِّف الله نفساً إلا ما آتاها، فإذا أرادت النفس أن تتحمَّل ما فوق طاقة إدراكها كانت خليقةً بالمسخ قرداً على هذا الأساس.
***
الصدريون أكثر الناس تعلُّقاً بأهداب القبر، كونهم يعرفون أنَّ القبر رحم الإنسان في النهاية، كما أنَّ للزنزانات أيضاً حصَّتها الوافية من تقديس الصدريين، لأنهم يعرفون أنَّ الأنبياء ما كانوا أنبياء إلا لأنهم استطاعوا أن يبلغوا مرحلة تأويل السجن بالفضاء.
لكنَّ لمحمَّد الصدر فلسفةً أخرى للسجن غير هذه، فالسجن يا مولاي حدقةٌ بيضاءُ تغطي عين الله عند السيد محمد الصدر، وللسجن أطوارٌ أخرى غير الأطوار المعهودة عند الناس العاديين وعند الأنبياء، فقد يحلِّق السجن بنفسه في السماء السادسة مثل البراق، ثمَّ ينزل عنه الصدر فجأةً ليواصل رحلة المعراج نحو سدرة المنتهى، فإذا ما بلغ ذلك المكان العليَّ جداً، قال أي ربّ، إني اصطحبت السجن معي ليكون لي براقاً، فيقول الله: ليحضر ها هنا، فيجيء السجن في هيأة شيخٍ نورانيٍّ، نورانيٍّ للغاية، فيقول الله: منذ الآن أنت مقرَّبٌ عندي، فخذ مكانة الملائكة الحاملين للعرش، وكن تحت العرش أيها الشيخ النورانيُّ ملاكاً.
***
كان الصدر الأوَّل بمثابة بيت المقدس قبل أن تتحوَّل القبلة إلى الكعبة البيت الحرام، فكان لا بدَّ من انتظار الأمر الصادر من فوق العرش كي يتمَّ تحويل اتجاه الصلاة.
أمّا الصدر الثاني؛ فلقد كان بمثابة الكعبة البيت الحرام نفسه، أي أنَّ الأمر قد صدر بالفعل من السماء السابعة كي يتحوَّل اتجاه الصلاة، فمن ظلَّ يتوجَّه في صلاته إلى بيت المقدس لم يحظ بمعنى القربة، وسيقف يوم القيامة في عرصاتها بوصفه معانداً.
فعلى حزب الدعوة الإسلامية واجب أن يولّوا وجوههم شطر محمَّد الصدر في كلِّ صلاةٍ وخشوعٍ، وإلا فإنَّ السيد محمد باقر الصدر نفسه سيكون له يوم القيامة خصماً.
***
الواقع أنَّ أميركا أفعى؛ لكنَّ السيد مقتدى الصدر عرف كيف يخلع نابها الذي هو قناة السمِّ في البداية، ثمَّ تركها تتلوّى؛ وأحياناً يمسكها السيد مقتدى من رأسها فيغريها هذا المشهد بأن تلتفَّ بجسدها على وسطه، فيتعجَّب الناس من مهارة السيد مقتدى، ومن شجاعته كذلك، ومن غباء الأفعى كيف لا تلدغ السيد مقتدى في موضع القلب؛ وهم لا يعلمون أنَّ السيد مقتدى مطمئنٌّ لهذه الطريقة في إمساكها من منطقة الرأس لأنه خلع نابها في البداية، فإذا شئت أن تكون حصيفاً جداً أيها المبتلى بالطغيان، فاهجم منذ البدء على رأسه فاخلع نابه في الأقلّ، ليكون جسده بما في ذلك الرأس بعد ذلك مجرَّد جثَّةٍ تتحرَّك، ولا فرق في هذه الحالة بين أن يستمرَّ في الحياة أو أن يموت.
***
الأوطان لا تموت، وهي حيةٌ على الدوام، إلا أن تقول إنها تفنى فناءً حتمياً قياساً إلى خلود الله، فأنا أوافقك في هذه الحالة، لكنَّ الأوطان تحيا وهي تتأوَّه دائماً، تتأوَّه وهي تشعر بالسعادة من أنها تكابد كلَّ هذا الألم، وإذا شئت أن تعرف تفاصيل هذا المعنى فانظر إلى السيد مقتدى، فإنه طبقُ الأصل من معاناة الأوطان، فإذا ما شعر السيد مقتدى الصدر بالألم وقال إني أتوجَّع، فمعنى هذا أنه في ذروة السعادة، وتلك خاصية الأوطان منذ خلق الله العالم في الحقيقة، وإنها منحة الله للأوطان، فالله لا يحبُّ الفرح الساذج، ولا يعامل إلا الحزن بالنبوَّة، لكن على أن يكون الحزن باباً من أبواب السماء.
***
الصدر الأوَّل/ الصدر الثاني/ السيد مقتدى الصدر
بقلم - باسم الماضي الحسناويّ
ليس أمام الفيلسوف إلا حلٌّ واحدٌ لمعضلة الجسد، وهو أن يثبت له جناحين مثل الملاك، ثمَّ يحلِّق به عالياً نحو جنَّة الخلد، تماماً كما فعل السيد محمد باقر الصدر، إذ رأى جبرئيل ليلةً في فضاء الله محلِّقاً، فشاء أن يكون مثله بالضبط، وكان الشرط لحصول ذلك أن تتحوَّل روحه قمراً، وأن يطعن الليل جسده بالرمح في كبد الظلام.
تلك إحدى طرائق الموت ثمَّ الخلود في عالم الإمكان، وملهم هذه الطريقة هو الملاك جبرئيل بالطبع.
أما الطريقة الثانية، فهي أن يكون المرء فيلسوفاً وعارفاً، ففي هذه الحالة لا يتمثَّل جبرئيل للمرء، بل يحلُّ في داخله رأساً، أي أنَّ الملاك يشعر بأنه في موسم الحجِّ داخل كيان الفيلسوف العارف، فيحجّ فعلاً، ثمَّ يعتمر، ثمَّ يتلقى بنفسه طعن الرمح، فلا يموت الملاك جبرئيل طبعاً، لأنه مخلوقٌ من نورٍ، والنور لا يموت، لكنه يذوق طعم الطعن بالرمح فقط.
بيد أنَّ الفيلسوف العارف يتأثر كثيراً بالدمع، ومن خصائص جبرئيل أنه يبكي كلَّما تلقّى طعن الرمح، يبكي فرحاً لا حزناً على نفسه طبعاً، ولهذا فإنَّ الفيلسوف العارف يموت أيضاً، لكنَّ جسده لا يحلِّق في الفضاء بجناحين كالحالة الأولى، بل يتحوَّل جسده روحاً أو نوراً أو يتحوَّل مباشرةً ظلاً ممدوداً تحت العرش، حيث الشمس الوحيدة في ذلك المكان وجهُ الله.
هذا هو الموت الذي ماته السيد محمَّد الصدر، ولهذا فهو حيٌّ حتى قيام الساعة، ولهذا أيضاً لا تكون صلاة المرء معراجاً إلى الله ما لم تتلفَّع أوَّلاً بعباءة السيد محمَّد الصدر، وتشمَّ جبينه المضرَّج مثل جسد الحسين الشهيد بالدماء.
هذان نمطان من الموت ماتهما أكبر شاهدين على هذا العصر، وهناك موتٌ ثالثٌ، موتٌ ثالثٌ مؤجَّلٌ طويلاً جداً، سيموته الإمام المهديّ في نهاية المطاف.
ذلك الموت موتٌ من طراز الإعجاز الموجود في القرآن، فكلَّما قال أحدٌ إنه عرف وجه الإعجاز فيه بدا في نظر الملائكة الكرام شاذّاً ومنحرفاً ومتَّهماً بأنه فاقد العقل، لأنَّ موتاً من طراز الإعجاز في القرآن لا يمكن أن يكون إلا سراً من الأسرار، ولكنَّ علماء البلاغة والفصاحة والبيان بمثابة أنعامٍ لا تفقه، ولو تحلَّوا بالحكمة لكانوا في حلٍّ من هذا، فلم يكلِّف الله نفساً إلا ما آتاها، فإذا أرادت النفس أن تتحمَّل ما فوق طاقة إدراكها كانت خليقةً بالمسخ قرداً على هذا الأساس.
***
الصدريون أكثر الناس تعلُّقاً بأهداب القبر، كونهم يعرفون أنَّ القبر رحم الإنسان في النهاية، كما أنَّ للزنزانات أيضاً حصَّتها الوافية من تقديس الصدريين، لأنهم يعرفون أنَّ الأنبياء ما كانوا أنبياء إلا لأنهم استطاعوا أن يبلغوا مرحلة تأويل السجن بالفضاء.
لكنَّ لمحمَّد الصدر فلسفةً أخرى للسجن غير هذه، فالسجن يا مولاي حدقةٌ بيضاءُ تغطي عين الله عند السيد محمد الصدر، وللسجن أطوارٌ أخرى غير الأطوار المعهودة عند الناس العاديين وعند الأنبياء، فقد يحلِّق السجن بنفسه في السماء السادسة مثل البراق، ثمَّ ينزل عنه الصدر فجأةً ليواصل رحلة المعراج نحو سدرة المنتهى، فإذا ما بلغ ذلك المكان العليَّ جداً، قال أي ربّ، إني اصطحبت السجن معي ليكون لي براقاً، فيقول الله: ليحضر ها هنا، فيجيء السجن في هيأة شيخٍ نورانيٍّ، نورانيٍّ للغاية، فيقول الله: منذ الآن أنت مقرَّبٌ عندي، فخذ مكانة الملائكة الحاملين للعرش، وكن تحت العرش أيها الشيخ النورانيُّ ملاكاً.
***
كان الصدر الأوَّل بمثابة بيت المقدس قبل أن تتحوَّل القبلة إلى الكعبة البيت الحرام، فكان لا بدَّ من انتظار الأمر الصادر من فوق العرش كي يتمَّ تحويل اتجاه الصلاة.
أمّا الصدر الثاني؛ فلقد كان بمثابة الكعبة البيت الحرام نفسه، أي أنَّ الأمر قد صدر بالفعل من السماء السابعة كي يتحوَّل اتجاه الصلاة، فمن ظلَّ يتوجَّه في صلاته إلى بيت المقدس لم يحظ بمعنى القربة، وسيقف يوم القيامة في عرصاتها بوصفه معانداً.
فعلى حزب الدعوة الإسلامية واجب أن يولّوا وجوههم شطر محمَّد الصدر في كلِّ صلاةٍ وخشوعٍ، وإلا فإنَّ السيد محمد باقر الصدر نفسه سيكون له يوم القيامة خصماً.
***
الواقع أنَّ أميركا أفعى؛ لكنَّ السيد مقتدى الصدر عرف كيف يخلع نابها الذي هو قناة السمِّ في البداية، ثمَّ تركها تتلوّى؛ وأحياناً يمسكها السيد مقتدى من رأسها فيغريها هذا المشهد بأن تلتفَّ بجسدها على وسطه، فيتعجَّب الناس من مهارة السيد مقتدى، ومن شجاعته كذلك، ومن غباء الأفعى كيف لا تلدغ السيد مقتدى في موضع القلب؛ وهم لا يعلمون أنَّ السيد مقتدى مطمئنٌّ لهذه الطريقة في إمساكها من منطقة الرأس لأنه خلع نابها في البداية، فإذا شئت أن تكون حصيفاً جداً أيها المبتلى بالطغيان، فاهجم منذ البدء على رأسه فاخلع نابه في الأقلّ، ليكون جسده بما في ذلك الرأس بعد ذلك مجرَّد جثَّةٍ تتحرَّك، ولا فرق في هذه الحالة بين أن يستمرَّ في الحياة أو أن يموت.
***
الأوطان لا تموت، وهي حيةٌ على الدوام، إلا أن تقول إنها تفنى فناءً حتمياً قياساً إلى خلود الله، فأنا أوافقك في هذه الحالة، لكنَّ الأوطان تحيا وهي تتأوَّه دائماً، تتأوَّه وهي تشعر بالسعادة من أنها تكابد كلَّ هذا الألم، وإذا شئت أن تعرف تفاصيل هذا المعنى فانظر إلى السيد مقتدى، فإنه طبقُ الأصل من معاناة الأوطان، فإذا ما شعر السيد مقتدى الصدر بالألم وقال إني أتوجَّع، فمعنى هذا أنه في ذروة السعادة، وتلك خاصية الأوطان منذ خلق الله العالم في الحقيقة، وإنها منحة الله للأوطان، فالله لا يحبُّ الفرح الساذج، ولا يعامل إلا الحزن بالنبوَّة، لكن على أن يكون الحزن باباً من أبواب السماء.
***