المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل كان الصدريون وراء الفتنة الطائفية , بقلم جليل النوري / الجزء الاول والثاني .


هو الحق
27-04-2010, 03:23 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]


واعدتُ الإخوة القُرّاء في مقال سابق أنْ أتطرَّق إلى موضوع الفتنة الطائفية التي حصلت في العراق في العام 2006، وما شجّعني أكثر في الاستعجال على نشرها الآن هو ذكر سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد مقتدى الصدر (اعزه الله ونصره) له – أي موضوع الفتنة الطائفية – في آخر حوار أجراه على شاشة قناة الجزيرة الفضائية، فأصبَحَتْ هنا الضرورة والأهمية في الكتابة بشأنه مُضاعَفَة للسببين واردي الذكر، ألوعد بالكتابة فيها – الفتنة الطائفية -، وأهمية المُتَحَدّث لاحقاً عنها – السيد مقتدى الصدر -. وهنا ابتدأ بذكر السبب في اختياري لهذا العنوان وبهذا الشكل وأقول، انه كانت الغاية منه هو جلب الانتباه إليه وذلك لأهمية ما نريد سرده وتوضيحه ومناقشته حسب الإمكان والمعلومات المتاحة، وعلى ضوء أسلوب الأطروحات الذي يعتمده السيد الشهيد الصدر الثاني روحي لتراب نعله الفداء، والتي كان يتخذها أسلوبا في كتابته – أي الأطروحات – من خلال طرحه وإثارته الإشكال او قل السؤال ومن ثم دحض ذلك وفق القاعدة المشهورة، (اذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال)، تاركاً قدس الله سره الشريف في النهاية للقاريء اللبيب اختيار ما يراه مناسباً لفكره وقناعاته من أجوبة مطروحة محتملة. وفي البداية هنا أحاول أنْ ارجع قليلاً في سرد القصة قبل التحدّث عن موضوع الفتنة والاقتتال الدامي بين أبناء هذا البلد العزيز، وتحديداً الفترة التي أعقبت دخول المحتل الغازي الأمريكي إلى العراق مباشرة. إذ انَّ الجميع لَمسَ وجداناً وعقلاً مدى ذلك الحرص الكبير من قبل أتباع الحوزة الناطقة وقياداتها – التيار الصدري - على الوحدة الإسلامية والوطنية بين أبناء البلد الواحد والتي حمل شعارها في المدى القريب المتأخر لهذه السنين الولي الطاهر محمد الصدر (قدس الله روحه الطاهرة)، ويمكن ملاحظة ذلك عن قرب عند سماعك لخطب الجمعة المباركة في مسجد الكوفة المعظم، إذ يقول قدس الله روحه الطاهرة في هذا المورد – الوحدة -،(ليس المُراد في هذه المرحلة من العمل والتفكير أنْ نجعل الشيعيّين سنّيّين او نجعل السنّيّين شيعيّين، وإنما المهم هو التمسّك بالدين المُشتَرَك وهو الإسلام، والقيام ضد العدو المُشتَرَك وهو الكفر والإلحاد، المُتمثِّل بالاستعمار وأنصار الاستعمار). وكذلك يمكن أنْ تجد الكثير من توأمة هذا الكلام وشبيهاته عند قراءتك لمؤلفاته او عند الإنصات إلى لقاءاته الحوارية المُسجّلة، سواء الصوتية منها او الصورية، وبعدها سَتُدرِك حجم وعظمة ما كان يرمي له مولانا الصدر من بُعد تاريخي وعقائدي في ذلك الطرح الإسلامي الوحدوي الحضاري. لذا حرص أتباعه من بعد غيابه وتحديداً قياداته في عموم العراق وعلى رأسها سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد المجاهد مقتدى الصدر (نصره الله بنصره) على إرساء أسس ومفاهيم هذا المشروع الإسلامي الحضاري التنموي الكبير لِعِدَّة اعتبارات أهمها، الوفاء منه – أي السيد مقتدى الصدر - لدماء الشهيد الصدر الطاهرة من جانب، ومن جانب آخر سعيه الجاد إلى إفشال المشروع الاستعماري الأمريكي الطائفي الذي وضع لبنته الأولى السرطان الجاثم على صدر العالم كل تلك السنين والمتمثل اليوم بالثالوث المشؤوم (إسرائيل – أمريكا – بريطانيا)، الرامي إلى إذكاء نار الطائفية والعداوة والبغضاء والحروب فيما بين أبناء البلد الواحد والدين الواحد في كل مكان. إلا انَّ أتباع الحوزة الناطقة – التيار الصدري - كانوا مُلتفتين بفضل الله لتلك المُخطّطات التهديمية ومَنْ يقف خلفها، فعمدَوا على اثر ذلك إلى الإسراع بضربة استباقية لهذا الهجوم الخبيث من خلال مد جسور الأخوّة والمحبة والتقارب والتعاون بينهم وبين كافة القوى الوطنية والإسلامية في عموم أرجاء العراق بشكل سريع، أي بعد دخول القوات العسكرية للاحتلال الأمريكي الغازي لهذا البلد الجريح مباشرة. ولا اعتقد انَّ أحداً قد نسيَ تلك الزيارة التي قام بها الشيخ الدكتور احمد الكبيسي وهو من كبار علماء أهل السنة في العراق إلى مدينة النجف الاشرف ولقائه بسماحة السيد مقتدى الصدر، والتي كان لها وقعاً ايجابياً كبيراً في الشارعين العراقي والإسلامي، وفي الوقت نفسه كانت أبعاده الخطيرة على راسمي الفتنة الطائفية – الثالوث المشؤوم – بمثابة القنبلة الموقوتة التي وُضِعَت في طريق مشاريعهم التهديمية الخبيثة. واستمرت الزيارات واللقاءات المباشرة وغير المباشرة بين قيادات من التيار الصدري وأخرى من الأطراف العراقية الثانية وبمختلف التوجّهات الدينية والمذهبية والقومية، وعلى اثر تلك المواقف أصبح التيار الصدري وحسب المراقبين والمتابعين للشأن الداخلي يُشَبّه ببيضة قبّان الساحة العراقية، او بعبارة ثانية أخرى انه تمكن – أي التيار الصدري - من أنْ يكون تلك القوة الماسكة بوسط العصا لتسيطر بسبب هذا الاعتدال والوسطية في العلاقات مع الأطياف المتنوعة العراقية على مجريات الأمور في هذا البلد بحكمة ودقة عاليتين، للحيلولة دون منع الجميع من الانجرار خلف الحرب الطائفية التي كان من المتوقّع أنْ تحدث بعد مرور وقت قصير جداً من غزو العراق. ومن ابرز المواقف التي تثبت هذا الكلام هو ذلك الموقف الذي تصدّى له التيار الصدري حين نشب الخلاف الكبير بين منظمة بدر الشيعية وهيئة علماء المسلمين السنية، والتي كان لتدخّل التيار الصدري وقيادته في حلحلة هذا الخلاف الشاهد والبرهان على ما قلته سلفاً - من انه أصبح بيضة القبّان -، وقد تصدّر هذا الأمر وكما هو واضح لِمَنْ عاشه كل وسائل الإعلام بمختلف تنوّعها وشكلها، وكان هو الحديث السائد في الشارع المحلي والعربي والعالمي. وهناك شواهد كثيرة وواضحة لا يمكن إحصاؤها تُظهِر هذا التوجّه الإسلامي الوطني الوحدوي من قبل التيار الصدري وقيادته والأطراف الأخرى المنتهجة لنفس هذا النهج الشريف، ولم تنقطع المواقف المتبادلة الخيّرة من كِلا الجانبين بل أخذت بالاستمرار والنمو والتطوّر شيئاً فشيئاً وأكثر فأكثر، ابتداء بأحداث النجف الاشرف والفلوجة ومروراً بتقديم المساعدات لضحايا تفجيرات الموصل إضافة إلى التظاهرات والصلوات الجماعية المشتركة، والبيانات والآراء المتوافقة في الرأي، كرفض تقسيم العراق ومنع استقطاع أي جزء من أراضيه ونبذ التبعية مهما كان شكلها ولونها ومذهبها وقوميتها، يضاف لذلك كله اللقاءات الدورية المتواصلة بين الطرفين والى آخرها الكثير من المواقف التي كانت كالنار على علم - كما يعبرون - ولم تنتهِ عند حد ما او نقطة معينة. إلا انَّ هذه المواقف والتطابق في وجهات النظر والتآصر والتلاحم والأخوّة المتبادلة لم تعجب او ترضي جميع أعداء العراق والإسلام، لأنها كانت لا تخدم توجّهاتهم وأطماعهم ومصالحهم ومُخطّطاتهم العدوانية التي كانوا يتأملون حصولها في العراق بشكل سريع، وعلى اثر ذلك عمدَ أعداء الإسلام والعراق والإنسانية إلى التفكير من جديد وعلى ضوء المُعطيات والإحداث المتوفّرة بين أيديهم إلى ما يُمكن ان نُسمّيه إحداث شرخ وفجوة كبيرين بين هذه القوى المُتَّحِدَة ومن ثم خلق صراع وتنافر وتناحر بينها، وعلى وجه التحديد بين المكوّنين الشيعي والسني، وتحديداً أكثر بين التيار الصدري من جهة والإخوة السنة من جهة ثانية، ممن كانوا بالأمس القريب جداً مُتحابّين ومتوادّين وفي جبهة قتال واحدة يُدافع بعضهم عن البعض الآخر، ويتبرّع له بكل ما يملك من مال ودم وسلاح، ويتقاسم كل شخص منهم مع أخيه رغيف الخبز الذي كان كل واحد منهم بأمسّ الحاجة إليه ومع ذلك تراه يُؤثِر على نفسه من اجل أنْ يوصل تلك اللقمة لأخيه المُرابط في ساحات الوغى والشرف ضد الاحتلال الأمريكي. فكان انطلاق تلك الحرب المقيتة بعد أحداث سامراء بشكل مباشر (تفجير مرقدي الإمامين الهادي والعسكري سلام الله عليهما)، وهي كانت بمثابة الشرارة التي أشعلتها قوى الظلام والاستكبار وعلى مختلف أصنافها وقوميّاتها ومذاهبها وجنسيّاتها - والتي ستُناقش كل منها على حده وباختصار –. وهنا قد يسال سائل مُنصِف، مَنْ هو يا ترى المستفيد من هذه الفتنة المقيتة؟ هل هم نفس الإخوة الذين كانت بالأمس القريب أسلحتهم موجّهة سوية ضد عدوهم المُشتَرَك المحتل الغاصب؟ أم انَّ هنالك قوى ودول وأحزاب اكتشفت انَّ في توحّد الإخوة المسلمين في العراق مُساهمة منهم وتعجيل فوري وإنذار سابق لأوانه برحيل الاحتلال الأمريكي من هذه الأرض الطاهرة؟، فعليه أسرعت تلك القوى العاملة بالظاهر والمُتَخَفّيَة والجالسة خلف الكواليس إلى إحداث ذلك الشرخ الكبير بين الأخوين طبقاً وتماشياً مع المفهوم الاستعماري السائد القديم الحديث (فَرّق تَسُدّ). وهنا وبعد هذه المقدمة اليسيرة والاستعراض البسيط لجنابكم الكريم، أبدأ أولاً بالحديث عن الجهات التي من المتوقّع أنْ تكون لها مصلحة بل مصالح في ذلك الانشطار والانقسام بين العراقيين، او قل بعبارة أكثر وضوح النفع الذي سيدرّ عليها من جرّاء الفتنة الطائفية، وهي كالآتي: الجهة الأولى،(القوات المحتلة):وهذا يمكن الأخذ بحقيقته اذا نظرنا إلى حجم الخطر الذي عاشته هذه القوات الغازية للعراق بعد دخولها ارض الوطن، إذ انها ما أنْ تهدأ مُنازلتها في الفلوجة حتى تصطدم بمواجهة أخرى في النجف الاشرف، وما أنْ تنتهي معاركها في النجف الاشرف حتى تُنهَك قواها في الموصل، وفور إعلانها – أي القوات المحتلة - توقّف القتال في الموصل تنهار قواها مرة أخرى في مدينة الصدر، وهكذا هو الحال مستمر في اغلب محافظات العراق وبشكل مُنَظّم ودقيق كما رآه الجميع، وليس هذا فقط بل انَّ كِلا الطرفين - الشيعي والسني - كانا يمدّان ويدعمان احدها الآخر بما يحتاج له من عون سواء كان ذلك العون مادياً او معنوياً، حتى وصل الحال إلى ذروته عندما أرسلَ الجانبان مقاتليهما إلى منطقتيهما وبالتبادل المدروس والمحسوب. ولو راجعنا خلال تلك الفترة – الوحدة الشيعية السنية – حجم الخسائر التي مُنيَ بها المحتل الغازي الكافر لوجدناها كبيرة جداً وضخمة، سواء على مستوى الضحايا من الافراد العسكريين او خسائره من الآليات البرية والجوية، وفي معظم ومختلف محافظات العراق الحبيب الشيعية والسنية منها على حد سواء. لذا فانَّ هذا الأمر – التوحّد العراقي الإسلامي الوطني بين مذاهبه وأطيافه المتنوعة - وَضَعَ المحتل في مأزق كبير لم يستطيع الخروج منه بسهولة، وهو – أي المأزق – كان يزداد يوماً بعد يوم، يُضاف له المواقف الإسلامية الوطنية المشتركة بين الجهتين والتي كانت تُكَمّل عملهما الجهادي وتدعمه بشكل كبير ومؤثر، وهنالك الكثير الكثير من الكلام في هذا الصدد ولكن للهروب من الإطالة والإطناب نُقرّر الاختصار والتوقّف عند هذا الحد مع الاعتذار. الجهة الثانية،(دول الجوار):لقد كان لدول الجوار العراقي الأثر الكبير والواضح في ما يجري من أحداث، ويمكن تصنيف هذه الدول حسب التوجّه القديم الجديد لها والذي تتبناه: الصنف الأول،(دول المُمانَعَة):وتقف في مُقدمتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية والجمهورية العربية السورية، وهاتان الدولتان تعتبران الوجود الأمريكي في العراق بمثابة الخطر الأول والأكبر على أمنيهما ومُستقبليهما ووجودهما، لأنهما – أي سوريا وإيران – تُعتبران وحسب وجهة النظر الأمريكية من أكثر الدول العالمية خطورة على امن الكيان الصهيوني الغاصب، لذا ومن باب الاحتياط فانَّ هاتين الدولتين وعبر أجهزتهما المخابراتية تحاولان إجهاض المشروع الأمريكي في العراق والمُسَمّى بالشرق الأوسط الجديد، والحيلولة دون تحقيقه وإنجاحه ومنع وصوله إلى دولتيهما، وحسب نظرتيهما الواقعية الواضحة، فانَّ القرب المكاني للولايات المتحدة الأمريكية لأراضيهما – أي سوريا وإيران – بسبب احتلال العراق أصبح يُشكّل خطراً كبيراً على السلطة الحاكمة في كِلا الدولتين، لذا فانهما سيعملان ويعملان ليل نهار لإفشال هذا المشروع وبمختلف الوسائل والطرق المُتاحة لهما في الأرض العراقية. الصنف الثاني،(دول الاعتدال):والتي تقف على رأسها المملكة العربية السعودية وبقيّة الدول المُتبنّية لهذا النهج مثل المملكة الأردنية الهاشمية ودولة الكويت، وقد لعبت هذه الدولة – أي السعودية - دوراً كبيراً في تأزّم الوضع في العراق من خلال إرسال المقاتلين بصورة غير شرعية لهذا البلد، يُضاف لذلك الدعم المالي الكبير الذي تقدمه المملكة السعودية للتنظيمات المسلحة كتنظيم القاعدة والجيش الإسلامي وأنصار السنة، بالإضافة إلى دعم القيادات البعثية والأمنية في مختلف دول العالم، وخصوصاً المتواجدين منهم في الأردن واليمن والإمارات ومصر. ويُشرف على هذا البرنامج الدقيق المدروس كل من الأمير بندر بن سلطان بن عبد العزيز السفير السابق للملكة السعودية في الولايات المتحدة الأمريكية ورئيس ما يُسَمّى بمجلس الأمن القومي والمعروف بعدائه الشديد للتشيّع، بل يعد من أكثر أمراء المملكة السعودية كرهاً وبغضاً للشيعة، ويشاركه في العمل والإدارة والمتابعة والتخطيط عَمّه الأمير مقرن بن عبد العزيز رئيس جهاز الاستخبارات السعودية والمسؤول عن الملف العراقي بشكل خاص. علماً انَّ دول الاعتدال والمُمانعة تقف في مسافة واحدة من ناحية استخدامها لكافة الوسائل المتاحة الرامية لخلق الفوضى في العراق، إلا انَّ الفرق بين الاثنين هو الاختلاف في النوايا، فقوى الممانعة تمارس هذا العمل رغبة منها برحيل المحتل الأمريكي، لأنها تنظر إليه من منظار العدو، اما قوى الاعتدال فانها تريد بفعلها هذا بقاء الاحتلال بقربها لغرض الدفاع عن أراضيها وسلطتها، والاتخاذ من الاحتلال الأمريكي كحارس وشرطي لها في المنطقة بسبب ما يقلقها مما تُسمّيه بالتوسّع والانتشار الشيعي القادم حسب ما تَدّعي. الجهة الثالثة،(الأحزاب الحاكمة في العراق):وهي على أشكال وتنوّعات وتوجّهات وتبعيّات مختلفة، ويمكن حصرها إجمالاً بهذه الأقسام: القسم الأول،-الأحزاب الإسلامية-:فالأحزاب الإسلامية بشقّيها الشيعي والسني تدرك قياداتها جيداً انَّ الغالبية العظمى منها كانت في الخارج، وهي لمست وشاهدت بامِّ عينيها انها لم تملك او يكن لديها ما كانت تحلم به من قاعدة جماهيرية تساندها وتناصرها في العراق، وهذا ما شعر به الجميع وليس هم وحدهم فقط. لذا أحسّت هذه الأحزاب من خلال المتابعة والمراقبة الدقيقة المدروسة، انَّ الوحدة القائمة اليوم وبشكل متنامي وسريع بين أكثر التيارات الإسلامية شعبية وجماهيرية في العراق وهو التيار الصدري ومن دون مبالغة، وبين القوى السنية الأخرى غير التي كانت في الخارج، وحصراً منها وتحديداً تلك الجهات المناهضة للاحتلال والرافضة للإرهاب بكل أشكاله، والتي كما نعرف انها – أي القوى السنية المناهضة للاحتلال - تُشكّل الغالب الأعم من حصة الشارع السني الجماهيري في تلك الفترة، ستؤدي بالنتيجة – أي الوحدة بينهما - إلى إلغاء وتهميش بقية القوى السياسية الإسلامية الأخرى عن الساحة ومن ثم محو أثرها، وهذه القوى – الأحزاب والقوى الإسلامية - وكما هو واضح من كلام قادتها وأعضائها ترغب في إبقاء أمد الاحتلال في العراق لأطول فترة ممكنة تُمَكّنها – أي إطالة فترة بقاء الاحتلال – إلى السيطرة على الحكم في العراق من جانب، وضرب القوى التي تراها تُشكّل خطراً على وجودها وأطماعها في هذه البلاد من جهة أخرى، من خلال التعاون مع المحتل الغازي بمختلف وشتّى الوسائل. اما الخصلة الأخرى في هذه الأحزاب الإسلامية - سالفة الذكر - هي انها ومن دون استثناء تعمل لحساب دولة معينة ما، وهي لا تتحرّك او تنطق إلا حسب الأجندة المرسومة لها من تلك الدول التابعة لها والمدعومة منها، سواء كانت دول الاعتدال او دول الممانعة، لذا ستُستَغلّ هذه الأحزاب من قبل تلك الدول لتكون يدها المُنَفِّذَة لأجنداتها ومخططاتها في العراق، كل حسب الطريقة والمنهج والمخطط المرسوم والمُعدّ له في الغرف المُظلمة لمخابرات تلك الدول وإنا لله وإنا إليه راجعون. القسم الثاني،-الأحزاب الكردية-:وهم من أهم القوى المستفيدة من تأزم الأمور في العراق ومن عدة نواحي: الناحية الأولى:انَّ التخلخل الأمني وضعفه وهشاشته يعني بالنتيجة بقاء الحكومة المركزية ضعيفة، وفي الوقت نفسه سيجعل من حكومة الإقليم الشمالي أكثر قوة واستقرار، وسيبقيها في صدارة القوى المؤثرة في القرار العراقي. الناحية الثانية:الفوضى الداخلية جعلت من الإقليم الشمالي ملاذاً آمناً للخبرات والكفاءات وأصحاب رؤوس الاموال، لأنَّ الجميع بدأ يدرك ويشعر في انَّ تلك المناطق – أي الإقليم الشمالي - أصبحت المأوى السليم والملاذ الآمن لهم ولعوائلهم. الناحية الثالثة:انَّ استمرار الإرباك الطائفي والهشاشة الأمنية في العراق يُهيّأ كافة المُجريات والمُستلزمات اللازمة لبناء الدولة المستقبلية للأكراد في شمال العراق، وهذا يعني تطبيق المشروع التقسيمي الذي خطط له الكيان الصهيوني الغاصب منذ نعومة أظفاره، ومَنْ مِنّا يستطيع التغافل او غض الطرف عن التواجد الصهيوني هذه الأيام بشكله الواضح والكبير في معظم محافظات كردستان الشمالية، والذي أُسِّسَ له – أي الوجود الصهيوني - منذ عهد ليس بالقريب وتحديداً في فترة حياة الملا مصطفى البرزاني والد الزعيم الحالي للحزب الديمقراطي الكردستاني. الناحية الرابعة:انَّ الصراع الطائفي يعني بالنتيجة جَرّ كافة المكاسب التي يطمح فيها الاكراد إلى سلّة مطالبهم، وذلك من خلال استغلال الفوضى العارمة في البلد وانشغال الأحزاب المتصارعة فيما بينها بالقتال والمشاكل، مما يسهل لها ويساعدها على تطبيق مخططاتها التوسعية أللامحدودة في خيرات هذا البلد، ابتداء بما تُسمّيه المناطق المتنازع عليها مروراً بعقود النفط والتجارة والموازنة المالية والسيطرة على المناصب السيادية الحساسة والمهمة وفي مقدمتها رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية، إضافة إلى غيرها كثير من المُكتسبات الأخرى التي حصلت عليها ونالتها القوى الكردية وبسلاسة نتيجة لهذه الظروف وغيرها من الظروف الأخرى التي نجهلها. (الجهة الرابعة)-الدول العالمية الكبرى-:يقول الشهيد الصدر الثاني في جمعته السابعة والثلاثين ما يلي،(انَّ أمريكا تحاول تسخير اكبر مقدار من عدد الدول تحت إرادتها وسيطرتها وربما كل الدول على الإطلاق، وكل مَنْ وافق على ذلك وتعاون معها فهو لعبة في يديها وتحت استعمارها بكل تأكيد، حتى الدول الأوربية التي تود الاستقلال عن النظام الأمريكي فانها تبدو في كثير من الأحيان لعبة بيد هذا النظام المشؤوم، فمثلاً بريطانيا التي كانت لها الزعامة في العالم حتى كانت تُسمّي نفسها بريطانيا العظمى، أصبحتْ الآن مُستَعمَرَة بسيطة بيد أمريكا تستخدمها متى تشاء لانجاز مصالحها الخاصة، وفي اعتقادي انَّ هذا منها تنازل مقيت وذِلَّة لا موجب لها)، ويقول قدس الله روحه الطاهرة في نفس الجمعة وفي موضع آخر الآتي،(انَّ هذا الوضع العالمي القائم على أنقاض ما كان يُسَمّى بالاتحاد السوفييتي، والذي سَمّتهُ أمريكا في حينه بالنظام العالمي الجديد، إنما هو نظام استعماري مشؤوم قائم على تفرّد أمريكا بالعالم وهيمنتها عليه وفرض إرادتها على كل جهاته من دول وشعوب وأحزاب ومنظمات، وكل من يُخالفها فانها تكيل له الصاع صاعين كما يُعبّرون، هذا النظام يجعل منها الطاغوت الأول والشيطان الأكبر ويخرجها عن الإنسانية وحسن التصرّف إلى الظلم الكامل والطغيان المحض)، ومن هذا الكلام الواعي والدقيق نستنتج انَّ الدول العالمية الكبرى ملتفتة إلى ما ذكره المقدس الصدر في كلماته سالفة الذكر، وهي تشعر – أي هذه الدول الكبرى - انَّ الولايات المتحدة وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي أصبحت هي القوة المسيطرة على كل العالم وصار العالم اليوم يُقاد من قبلها فقط، في الوقت الذي كانت هنالك دولاً وعلى وجه التحديد لا الحصر كالاتحاد السوفييتي والصين وألمانيا وبريطانيا وفرنسا وغيرها من الدول الأخرى الكبرى، التي كانت ترى انها تجاري خلال كل تلك الفترات وتنافس في ميدان السيطرة والقوة على العالم مع الولايات المتحدة الأمريكية، لذا فانَّ هذه الدول وخصوصاً منها الصين وروسيا تقومان وبمساعدة بقية الدول الأخرى الراغبة بإسقاط وإفشال المشروع التوسّعي الأمريكي المُسَيطِر والمُتَحَكِّم اليوم بكل العالم، وهي تسعى – هذه الدول - إلى العمل الجاد والمختلف لإسقاط هذه الأسطورة المُتَفَرِّدَة والعمل على إرجاع ميازين القوى من جديد إلى وضعها الطبيعي قبل العام 1991، أي تحديداً قبل انهيار ما كان يُسَمّى بالاتحاد السوفييتي. يضاف إلى ذلك كل قوى الرافضة والمبغضة لأمريكا في كافة أنحاء العالم، والتي رأت هي أيضاً كغيرها من الدول الأخرى في الساحة العراقية خير مكان وزمان للانتقام من العدو اللدود لها – أي أمريكا –، وهذا هو هدف ومشروع وحال كل المناهضين لها – أي أمريكا - في العالم، من دول وحركات وأحزاب عربية وأوروبية ولاتينية وعلى مختلف المُسَمَّيات والتوجّهات المختلفة. وفي ختام هذا الجزء - الأول – من هذه المقالة أود التنويه إلى أمر ما وهو، انَّ القارئ اللبيب قد يجد شيء من التكرار او ما نستطيع تسميته بالتشابه في بعض مفاصل هذه المقالة مع مقالة سابقة بعنوان (عوامل إجهاض الانسحاب الأمريكي من العراق)، وأقول له مُجيباً وبأكثر من إجابة وكما يلي: الإجابة الأولى:انَّ تكرار المُقدّمات ليس بالضرورة أنْ يُعطي نفس النتيجة، فقد تتشابه المُقدّمات ولكن النتائج مُختلفة. الإجابة الثانية:عادة ما تكون الأسباب او قل العوامل التي تُحرِّك بها قوى الشر العالمية هذه الأيام، هي ذاتها التي تُحقِّق بها أجنداتها المتنوعة والمتفرّعة في كل العالم، فمثلاً لا يمكن للكيان الغاصب الصهيوني يوماً ما أنْ يتخلّى عن أدواته واذرعه السياسية والمخابراتية في المنطقة كمصر والأردن، وفي الوقت نفسه لا يمكنه – أي الكيان الغاصب الصهيوني - التخلّي عن الدعم المفتوح الذي تُقدِّمه لها الولايات المتحدة الأمريكية وباستمرار، وبعبارة أخرى انَّ الكيان الغاصب الصهيوني عندما يريد أنْ يتصرّف او يتحرّك في منطقة ما باستخدام احد أدواته او اذرعه فلا يعني ذلك استغنائه عن تلك الأداة او ذلك الذراع لمجرّد انه استخدم تلك الأداة او ذلك الذراع في منطقة أخرى. الإجابة الثالثة:انَّ التكرار في موضوع ما شريطة أنْ لا يكون فيه شيء من السرد والإلحاح، يُدلِّل على أهمية الشيء الذي من اجله حصل التكرار، وما دام الشيء مهماً فانه يحتاج إلى تكرار بكل تأكيد، ففي التكرار تتركز المعلومة جيداً في أذهان الجميع وأيضاً تفتح الباب على الواعين إلى استخلاص العبر والحكم غير التي اكتشفت من قبل كاتبها. الإجابة الرابعة:يقول الشهيد الصدر في خطبة الجمعة الحادية عشر التي ألقاها في مسجد الكوفة المعظم الآتي،(ففي هذه القرون المتأخرة يوجد ما استطيع أنْ اسمّيه بالثالوث المشؤوم الظالم الغاشم وهو الاستعمار الأمريكي البريطاني الإسرائيلي الظالم الغاشم الشرير المُبتَزّ لحقوق البشرية ولدمائها، في الحقيقة هذا هو الذي يكون سبباً لمثل هذه المظالم وغير هذه المظالم، وهذا الشيء ينبغي أنْ يكون واضحاً، مَهما كانت اليد التي قبضت على السكينة فانها ترجع بالآخر إلى ذاك)، وهذا ما أريد الوصول إليه وهو انَّ سبب المظالم في العصور المتأخّّرة محصورة بما اسماه الحق الصدر وهو الثالوث المشؤوم، (أمريكا – بريطانيا – إسرائيل) واعتبرهم المرجعية والحاضنة التي ترجع إليها كل يد قابضة على السكين مَهما كان عنوانها وشكلها ولونها ووطنها، فيعني ذلك انَّ استخدام هذه الأيادي او الأذرع وتكرار فعلها غير مرهون بزمان او مكان وإنما رهن ذلك موكول إلى القرار الذي تصدره هذه المؤسسة الظالمة المُبتَزَّة لحقوق البشرية. ولنا عودة إنْ شاء الله في جزء هذه المقالة الثاني إنْ بقيت الحياة........

جليل النوري يوم الثلاثاء الموافق للثاني والعشرين من شهر ربيع الثاني للعام 1431 المصادف للثالث عشر من شهر نيسان للعام 2010

هو الحق
04-05-2010, 01:57 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]

(هل كان الصدريون وراء الفتنة الطائفية؟!)
ـ الجزء الثاني ـ
قد يفهم البعض من كلام كاتب هذا المقالة في جزئها الأول انه يريد القول من كل ما ذكره من مُبرّرات وأسباب في ذلك الجزء، انَّ التيار الصدري بريء من كل ما حصل وليس له أي دخل بالفتنة الطائفية التي أحرقت الأخضر واليابس طيلة كل تلك الفترة المظلمة التي حَلَّتْ بالبلد، ويسأل هذا البعض عن مصير كل تلك الجثث التي كانت تُرمى في مدينة الصدر والشعلة وغيرها من المناطق الشيعية الأخرى التي فيها نفوذ وسيطرة لأتباع التيار الصدري، إضافة إلى بقية الأعمال الأخرى التي جرت في مدنهم او المدن القريبة منهم – أي الصدريين - كحرق المساجد وضرب جدرانها بالرصاص وتهديمها وتهجير المواطنين السنة من مناطقهم والسيطرة على مُمتلكاتهم، إلى آخرها كثير من الأمور التي توضّحت وبشكل غير مخفي عند كل الناس. أقول انه كلام منطقي وواقعي وليس فيه أي شك او لبس او لف ودوران كما يُعبّرون، وكما كان الحق للسائل في إثارة ما في جعبته من شبهات وإشكالات وتساؤلات مشروعة، حَقَّ لنا في الوقت نفسه الإجابة على هذه الشبهات والإشكالات، وإبراز ما لدينا من وسائل دفاع نوضّح ونطرح من خلالها البعض من المواقف والآراء والحقائق التي قد يكون الشارع الداخلي والخارجي غافلاً عنها لأسباب عِدَّة، أبرزها الإعلام المُضَلِّل المُستفيد من كل تلك الفوضى والساعي لإذكائها بشتى الوسائل، وعليه سنتكلّم هنا باختصار مفيد لنُخرِج ما في خلجات النفس من كلمات وبيّنات عسى أنْ تنفع لرفع ولو جزء يسير من سحابة الظلام والتشويه التي لاحقت أبناء الحوزة الناطقة المجاهدة – التيار الصدري – كل هذه السنين، جَرّاء أكثر وأقبح وأصعب فتنة عاشها العراق وهي الاقتتال الداخلي بين أبنائه. وهنا نقول الآتي لتوضيح هذا الإشكال وغيره من الإشكالات والتساؤلات الأخرى الوجيهة وبنقاط عِدَّة :
النقطة الأولى: وهو النقاش في أصل ما جرى قبل الخوض في نتيجة ما حصل، فلا نتيجة إلا بمقدمة كما يقول المناطقة، أي بعبارة أخرى أقول انَّ الجثث التي كانت تُرمى لم يكن لها وجود قبل أحداث تفجير مرقدي الإمامين العسكريين سلام الله عليهما في سامراء، وإنْ كانت فهي بأعداد جداً قليلة لم تصل إلى جزء مما وصلت إليه بعد أحداث سامراء، ولم تكن محصورة كما يدّعي المُدّعي في مناطق الصدر والشعلة وإنما كانت في عموم مناطق العراق، بل انَّ العكس هو الصحيح فانَّ المناطق الأخرى التي فيها تمثيل للطيف السني كبير وواسع تجد انَّ الذبح والقتل والخطف والتهجير بأعداد كبيرة جداً، وهو أمر ليس بمخفي على احد بما في ذلك شاشات ووسائل الإعلام. فعليه انَّ كل الذي حصل من فتنة إنما كان توقيته بعد هذه الحادثة – أي تفجير سامراء - وبشكل مباشر وسريع وفوري، أي انه لولا هذا المُخَطَّط الخبيث الاستعماري الذي جَرَّ الجميع لناره وفتنته لَما رأى أي احد جثة واحدة في المناطق الشيعية فضلاً عن أعداد كثيرة منها - أي الجثث -، وكما قلت انَّ ما جرى إنما هو نتيجة لمقدمة ولم يكن نتيجة مُنفَرِدَة بحد ذاتها، وهو مرفوض منطقاً وعقلاً كما اشرنا في بداية الكلام.

النقطة الثانية:انَّ الحركة الفجائية المُستَعجَلَة التي جَرَتْ من قِبَلِ كل الأطراف في حينها واخصّ بالذكر الشيعية منها – لو جاز التعبير -، إنما كانت على شكل رَدَّة فعل غير مدروسة او محسوبة او مُخَطَّط لها من قبل، وانطلقت وكما هو معلوم لدى الجميع من مبدأ العاطفة المذهبية التي يحملها أتباع المذهب الإسلامي الشيعي لائمتهم وسادتهم وقادتهم سلام الله عليهم أجمعين، وكما يعرف العالم اجمع انَّ الإمامين علي بن محمد الهادي وابنه الحسن بن علي العسكري إنما هما من أركان هذا المذهب الإسلامي الشريف، وهم أبناء الإسلام وأولاد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، لذا يكون الاعتداء عليهما هو بمثابة الاعتداء على الإسلام ونبي الإسلام، والإساءة لهما إنما هي إساءة واستخفاف بمذهب شريف مُقَرَّ ومُعتَرَف به ومُتسالم الصحة عند المذاهب الأخرى، وللتاريخ أقول انَّ رَدَّة الفعل هذه التي كانت قاسية ونحن نعلم بذلك لم تكن من اجل المال او السلطان او المكاسب الدنيوية او الشهرة حتى يُساء لها، إنما كانت نتيجة طبيعية طَغَت عليها وأحاطتها واحتضنتها العاطفة والحماسة المحضة لا غير، وكما اشرنا لسبب ذلك وهو الاعتداء السافر الوقح والقذر على أئمة مسلمين لهم في أرجاء المعمورة مئات الملايين من الأتباع والأنصار والمُحبّين والعُشّاق.

النقطة الثالثة: انَّ موضوع تدخّل التيار الصدري بما جرى بشكل مُطلَق ومُوَسَّع وتفرّدي ليس فيه شيء من الواقع والصحة، وللإنصاف أقول انَّ قائد هذا التيار وهو سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد مقتدى الصدر (اعزه الله ونصره) وبشكل سريع وعاجل قطع زياراته الخارجية وعاد فوراً إلى العراق، ولضيق الوقت وتسارع الأحداث اتصل هاتفياً بقناة الجزيرة الفضائية من إيران قبل دخوله العراق بليلة واحدة وطالب حينها أنصاره ومؤيّديه بالصلاة الوحدوية مع الإخوة السنة وحماية مساجدهم وبيوتهم والانتباه من عدم الانجرار وراء مُخَطّطات الاستعمار، وعلى اثر ذلك ذهب حينها وعلى الفور وفد رفيع المستوى من التيار الصدري وتحت أزيز الرصاص إلى مسجد أبي حنيفة النعمان في منطقة الاعظمية وأقام صلاة موحَّدَة مع كبار العلماء السنة، واصدر الطرفان بيانات مُشتَرَكَة حَرَّما فيها الاقتتال بين العراقيين وعلى مُختَلَفِ مذاهبهم، ومنعا الزجّ بأنصارهما في هذه المحرقة لغرض تفويت الفرصة على الأعداء المُتربّصين بالعراق وأهله.

النقطة الرابعة:فيما يخصّ موضوع رمي الجثث في الشوارع والطرقات فانَّه أمر لا يمكن نكرانه على الإطلاق، لأنه واقع حال، وعليه سيكون النقاش في هذا الموضوع باتجاهات مُتَعَدِّدَة:

الاتجاه الأول:لم تكن المناطق الشيعية – لو جاز التعبير – محصورة وحكراً على الصدريين فقط، فهنالك توجّهات وقناعات ليس لها عدد محدود سواء كانت على المستوى السياسي او الديني او الاجتماعي او القَبَلي، فمن ناحية الجانب السياسي هنالك العديد ممن ينتمي إلى الأحزاب المُختلفة بتنوّعها ولونها وشكلها، كمنظمة بدر والمجلس الأعلى وحركة ثار الله وحركة سيد الشهداء وحركة حزب الله وحزب الدعوة بشقيه تنظيم لندن وتنظيم العراق ومنظمة العمل الإسلامي والمؤتمر الوطني وحزب الفضيلة وغيرها الكثير والكثير من التوجّهات المُتنوّعة التي تحفّ بها جميع المحافظات الشيعية. هذا على مستوى التحزّب السياسي، اما على مستوى الدين فانَّ البلد يزخر بِمُقَلّدين وأتباع لمُختَلَف الشخصيات كأتباع الصرخي واليعقوبي ومُقَلّدي السيستاني والشيرازي والمدرسي والخامنئي والحائري والهاشمي والفياض والحكيم والنجفي، يُضاف لذلك العدد المهول من المواطنين الاكراد الذين غزوا العاصمة الحبيبة بغداد ولهم فقط في مدينة الصدر أكثر من بقعة كبيرة وتجمّع يقطنون فيه بشكل واسع، إضافة إلى ذلك كله العدد المُتبقّي من الجماعات المسلّحة الأخرى الموزَّعَة التي لا نعلم شكلها واسمها ومصادر تمويلها وعلى مختلف مُسَمّياتها وتوجّهاتها التي ملأت البلاد من بعد الاستعمار الأمريكي المباشر له. وهذه القوى المُتَعَدِّدَة التي اشرنا لها بكل أصنافها الدينية والسياسية والتنظيمية المُسَلَّحة وكما هو معلوم تتحرّك قواعدها وأنصارها وأفرادها حسب الأجندات والسياسات والتعليمات التي تصدرها لهم الجهات والدول الداعمة لهم، وهم ملتزمون – أي أتباعها – بتطبيقها على أكمل وجه، وما دام هذا العدد المهول موجود من التوجّهات والأنصار كما قلنا، فمن البديهي أنْ تكون لهم حركة ونشاط في كافة المجالات والأصعدة المختلفة بما في ذلك العسكرية منها، فعليه انَّ ما رُميَ به على الصدريين من تُهَم يكون من باب أولى أنْ يُرمى به على الآخرين، لانَّ حكم الأمثال فيما يجب وما لا يجب واحد كما يقول المناطقة، بل انَّ الأولى بالرمي هم الآخرون وليس الصدريون، لِما كان ولازال من علاقات حميمة وطيبة بين كِلا الجانبين – الصدريين والسنة – وكما وضّحنا ذلك بشكل عاجل في الجزء الأول من هذه المقالة.

الاتجاه الثاني:لا يوجد ما يؤكّد قطعاً انَّ مَنْ كان يقتل ويرمي بالجثث هم أتباع الحوزة الناطقة – التيار الصدري –، لسبب وجيه هو، انَّ كل مَنْ لبسَ السواد وصعد ما تُسَمّى باللغة العراقية الدارجة سيارة – البطة – وأطال من لحيته وحمل السلاح قيل عنه انه من جيش الإمام المهدي سلام الله عليه، وما أسهل على أعداء الإسلام والمُتَرَبّصين بالقوى المُقاومة الإسلامية الوطنية الشريفة المُقارعة للاحتلال أنْ يفعلوا مثل هذه الأشياء البسيطة حتى يُقال بعدها انَّ الإسلاميين والشيعة والمقاومين مُخَرِّبون وخارجون عن القانون وأصحاب فتنة وقتل؟!. فاقرأ وتمعّن يرحمك الله...

الاتجاه الثالث:إنْ تنزّلنا وقلنا انَّ عدداً من الجثث المرمية المقتولة كان المسؤول عنها البعض من أتباع التيار الصدري، فانَّ ذلك يتحمّله الفرد نفسه ولا تتحمّله قياداته التي أمرته بالتزام الجلوس، ونهته نهياً قاطعاً شرعيّاً عن إراقة أية قطرة دم مهما كان انتماء صاحبها، وما أكثر العصاة والمُتَمَرّدين على قياداتهم منذ ذلك الحين والى يومنا هذا،{مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً }الإسراء 15.

الاتجاه الرابع:لا يمكننا هنا غضّ الطرف عن ما يمكن تسميته بـ (الثأر العشائري) سواء كان ذلك من قبل العشيرة التي ينتمي لها القتيل او من قبل عائلته بشكل مباشر، ولانَّ اغلب الذين قُتِلوا من الطرفين الإسلاميين الشيعي والسني هم من أبناء العشائر، فقد انخرط على اثر ذلك أبناء وإخوة وآباء الضحايا في العمل المُسلّح لغرض الانتقام لذويهم الضحايا كل في منطقته، فحمل كل واحد منهم السلاح باحثاً عن ثأره وثأر عائلته، ومَنْ لم يقدر منهم على حمل السلاح فهو اما شارك في تقديم المعلومة للمسلحين او ساعدهم في المال، وخير شاهد على ذلك – الثأر العشائري – هو الجثث الكثيرة التي كانت تُلقى وتُرمى بجوار كل مجلس عزاء لشخص قُتِلَ برصاص الطائفية، فترى انَّ صاحب الجثة المرمية بجوار مجلس العزاء يحمل هوية ذلك الطيف الآخر المُتَّهَم بالقتل. ومَنْ منا لا يتذكّر عمليات الانتقام والثار التي حصلت في المناطق السنية لاحقاً ضد تنظيم القاعدة، والتي قامت بها العشائر ثأراً لآبائها وإخوتها وذويها وعلى وجه التحديد محافظة الانبار، التي شهدت اكبر وأوسع معركة دموية ضد ذلك التنظيم الإرهابي، وكما صرّحَ ووضّح ذلك قادة نفس هذه العمليات الذين عُرِفوا لاحقاً بقادة الصحوات.

الاتجاه الخامس:حصلت من قبل الصدريين عمليات قتل دفاعية يمكن القول انها نوعية ومُحَدَّدَة وهي غير مُنافية للشرع والقانون، وتمثّلت حصراً بالعمليات الدفاعية عن المدن والنفس والمال ضد افراد تنظيم القاعدة الإرهابي وقياداته، وهو ما اعترفَ به الجميع بما في ذلك الإدارة الأمريكية نفسها، ونشرت ذلك في صحفها الرسمية وقالت انَّ الذي اضعفَ عمل تنظيم القاعدة خلال تلك الفترة – أي بعد العام 2006 – وشَلَّ من حركة قياداته هو جيش الإمام المهدي سلام الله عليه.

النقطة الخامسة:بخصوص حرق وضرب المساجد والحسينيات وغيرها من بيوت العبادة المتنوّعة والمُختلفة، فهنا أقول انَّه توجد هنالك وجهة نظر بسيطة وواضحة لا تحتاج إلى التأويل او التوضيح او الشرح او التفصيل وهي باختصار، انَّ الشارع المُقَدَّس وكما هو معلوم ومُبَيَّن قد حَرَّمَ الاعتداء على الكنائس ودور العبادة الخاصة بأهل الكتاب والديانات الأخرى ومَنَعَ انتهاك حرماتها، فعليه نتسائل هنا ونحتاج إلى مَنْ يُنصِف وَيُجيب، إنْ كان الاعتداء على دور العبادة الخاصة بأهل الكتاب هو من المُحَرّمات الممنوعة شرعاً وعقلاً وعُرفاً، فهل يُعقَل القيام بحرق ما هو أكثر حُرمة واحتراماً وتقديساً منها وهي بيوت الله التابعة للمسلمين؟؟!!.ما لكم كيف تحكمون؟!. وتعليقاً على هذه النقطة الجوهرية أقول، انه كان من ابرز النقاط والتوجيهات في بيان سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد مقتدى الصدر (نصره الله) في حينها، هو الطلب من أنصاره ومكاتبه في مختلف المحافظات العراقية العمل الفوري والجاد على حماية المساجد التابعة لأهل السنة في عموم البلاد، والسعي الحثيث والجاد لمنع وصول أيدي الفتنة والطائفية إلى تلك الأماكن والاعتداء عليها. ولو تنزّلنا عن كل ما قلناه من وجهات نظر وآراء ابتغينا بها دفع الإشكالات المُثارَة ضد الصدريين، - مع عدم وجود ما يدعونا للتنزّل -

أقول: انَّ ما ذَكرته من التعدّد في الطيف العراقي في – الاتجاه الأول من النقطة الرابعة – يوصلنا إلى حقيقة صريحة وواضحة هي، انَّ تلك المكوّنات مُلتزمة بأجندة كل دولة تعمل لها، لذا فهي لديها القدرة على فعل أي شيء بل كل شي يخدم مصالحها سواء كان على مستوى الاقتتال او غيره، وهذا الكلام هو بمثابة السلسلة المُكَمِّلَة لِما تحدّثنا عنه تفصيلياً من أهداف وتوجّهات الجهات الأربعة وأصنافها المُختلفة التي تمّ توضيح مُخطّطاتها وأهدافها في العراق في جزء نفس المقالة الأول فَمَنْ شاء فليراجعه، وبذلك نكون قد دفعنا الإشكالات المُثارة جميعاً فيما يخص الفتنة الطائفية وحسب القاعدة الأصولية المُتعارفة والصحيحة، (اذا وَرَدَ الاحتمال بَطَلَ الاستدلال). وهنا أريد في الختام أنْ الفت نظر القارئ الكريم إلى أمر مهم كان يلمسه الجميع يومياً بعد كل حادثة تفجير تحصل في المناطق الشيعية، وهو انَّ هذه المناطق وبعد التفجيرات التي تطالها مباشرة، تكون شوارعها قد امتلأت بالجثث من الطائفة الأخرى وعلى مرأى ومسمع من الجميع، وهذا كما هو واضح احد أهم الأسباب التي تم طعن واتهام التيار الصدري بمسبّباتها – أي رمي الجثث بعد التفجيرات -. وسؤالي هنا هو، انَّ هذه الفترة شهدت تفجيرات مروّعة أكثر بكثير من تلك التي حدثت سابقاً أيام ما كانوا يسمّونها بالفتنة الطائفية، وفي نفس مناطق نفوذ وسيطرة التيار الصدري، وتحديداً في منطقتي الشعلة ومدينة الصدر، وراح على اثر هذه التفجيرات مئات الشهداء والجرحى من الأطفال والنساء والشيوخ والشباب، إلا انَّ الشيء الغريب والمُلفِت للنظر هو اننا لم نرَ هذه المرة أية جثة قد رُميَتْ بعد هذه الحوادث في الطرقات والشوارع على غير العادة المعروفة التي تعوّدَ عليها الناس آنذاك؟؟!
فهل من سبب؟! او قل هل من أسباب؟!.
ولا يعتقد أحدكم ويذهب بفكره بعيداً من انَّ القوات الأمنية قد أحكمت سيطرتها على الأوضاع أكثر من ذي قبل مما منع ردة الفعل التي كانت تُمارس آنذاك، وذلك لسبب بسيط هو انَّ كل الأعمال العسكرية والاقتتال الطائفي كان يجري بسرعة لم يسبق لها مثيل، وكان يحصل بوجود الانتشار المُكَثَّف والكبير لقوات الاحتلال والقوى الأمنية الحكومية بمختلف أصنافها وتشكيلاتها، ومع ذلك لم تتمكن كل تلك الإجراءات والاحترازات والقوى المنتشرة من إيقاف سرعة عجلتها – أي الفتنة الطائفية -. اما اليوم فانَّ التفجيرات المفجعة والعبوات اللاصقة والمفخخات والعبوات الناسفة والاغتيالات بكواتم الصوت وغيرها من العمليات الكثيرة المتنوعة والنوعية التي جعلت من الحكومة وأجهزتها الأمنية عاجزة ومشلولة بشكل كبير وواضح، لا اعتقد انها ستقف ولو للحظة واحدة أمام ردة الفعل التي يمكن أنْ تحصل من قبل الشارع لو حصلت، لذا فتبرير البعض من الحكوميين او المُتزلّفين لها بعدم قدرة الجماعات المسلحة القيام هذه الأيام بردود فعل على غرار التي قامت به في العام 2006 بسبب سيطرة القوات الحكومية، هو محض كذب وافتراء أراد هؤلاء البعض منه طمأنة أنفسهم فقط لا غير، لانَّ الواقع المعاش والحقيقة غير التي يتحدّثون عنها، وخير شاهد على ما نقول هو انك ترى في كل بلدان العالم انَّ أهم وأكثر المناطق حفظاً ومنعاً من الدمار ووصول يد الإرهاب لها هي المؤسسات الحكومية والبنى التحتية للدولة، لأنها تُمثّل قلب الدولة النابض، لذا تعمل تلك الدول جاهدة على حمايتها بشتى الوسائل والطرق المتاحة، اما في العراق فانَّ العكس هو الصحيح، فأهم مؤسسات الدولة حساسية قد أصابها الدمار ووصلتها يد الإرهاب وبسهولة فائقة، وانهارت على اثر ذلك بناياتها اما بشكل كلي او جزئي، ولم يتبقَّ لهذه - الحكومة الكارتونية - إلا منطقتها المُحَصَّنَة التي تُسمّيها بالخضراء، والتي هي أيضاً ما عادت مُحَصَّنَة بسبب الشهب السماوية التي تقع على المستعمرين الغزاة بين الحين والآخر. ولله في خلقه شؤون.



جليل النوري يوم الثلاثاء الموافق للخامس من شهر جمادي الأولى للعام 1431 المصادف للعشرين من شهر نيسان للعام 2010