هو الحق
27-04-2010, 03:23 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]
واعدتُ الإخوة القُرّاء في مقال سابق أنْ أتطرَّق إلى موضوع الفتنة الطائفية التي حصلت في العراق في العام 2006، وما شجّعني أكثر في الاستعجال على نشرها الآن هو ذكر سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد مقتدى الصدر (اعزه الله ونصره) له – أي موضوع الفتنة الطائفية – في آخر حوار أجراه على شاشة قناة الجزيرة الفضائية، فأصبَحَتْ هنا الضرورة والأهمية في الكتابة بشأنه مُضاعَفَة للسببين واردي الذكر، ألوعد بالكتابة فيها – الفتنة الطائفية -، وأهمية المُتَحَدّث لاحقاً عنها – السيد مقتدى الصدر -. وهنا ابتدأ بذكر السبب في اختياري لهذا العنوان وبهذا الشكل وأقول، انه كانت الغاية منه هو جلب الانتباه إليه وذلك لأهمية ما نريد سرده وتوضيحه ومناقشته حسب الإمكان والمعلومات المتاحة، وعلى ضوء أسلوب الأطروحات الذي يعتمده السيد الشهيد الصدر الثاني روحي لتراب نعله الفداء، والتي كان يتخذها أسلوبا في كتابته – أي الأطروحات – من خلال طرحه وإثارته الإشكال او قل السؤال ومن ثم دحض ذلك وفق القاعدة المشهورة، (اذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال)، تاركاً قدس الله سره الشريف في النهاية للقاريء اللبيب اختيار ما يراه مناسباً لفكره وقناعاته من أجوبة مطروحة محتملة. وفي البداية هنا أحاول أنْ ارجع قليلاً في سرد القصة قبل التحدّث عن موضوع الفتنة والاقتتال الدامي بين أبناء هذا البلد العزيز، وتحديداً الفترة التي أعقبت دخول المحتل الغازي الأمريكي إلى العراق مباشرة. إذ انَّ الجميع لَمسَ وجداناً وعقلاً مدى ذلك الحرص الكبير من قبل أتباع الحوزة الناطقة وقياداتها – التيار الصدري - على الوحدة الإسلامية والوطنية بين أبناء البلد الواحد والتي حمل شعارها في المدى القريب المتأخر لهذه السنين الولي الطاهر محمد الصدر (قدس الله روحه الطاهرة)، ويمكن ملاحظة ذلك عن قرب عند سماعك لخطب الجمعة المباركة في مسجد الكوفة المعظم، إذ يقول قدس الله روحه الطاهرة في هذا المورد – الوحدة -،(ليس المُراد في هذه المرحلة من العمل والتفكير أنْ نجعل الشيعيّين سنّيّين او نجعل السنّيّين شيعيّين، وإنما المهم هو التمسّك بالدين المُشتَرَك وهو الإسلام، والقيام ضد العدو المُشتَرَك وهو الكفر والإلحاد، المُتمثِّل بالاستعمار وأنصار الاستعمار). وكذلك يمكن أنْ تجد الكثير من توأمة هذا الكلام وشبيهاته عند قراءتك لمؤلفاته او عند الإنصات إلى لقاءاته الحوارية المُسجّلة، سواء الصوتية منها او الصورية، وبعدها سَتُدرِك حجم وعظمة ما كان يرمي له مولانا الصدر من بُعد تاريخي وعقائدي في ذلك الطرح الإسلامي الوحدوي الحضاري. لذا حرص أتباعه من بعد غيابه وتحديداً قياداته في عموم العراق وعلى رأسها سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد المجاهد مقتدى الصدر (نصره الله بنصره) على إرساء أسس ومفاهيم هذا المشروع الإسلامي الحضاري التنموي الكبير لِعِدَّة اعتبارات أهمها، الوفاء منه – أي السيد مقتدى الصدر - لدماء الشهيد الصدر الطاهرة من جانب، ومن جانب آخر سعيه الجاد إلى إفشال المشروع الاستعماري الأمريكي الطائفي الذي وضع لبنته الأولى السرطان الجاثم على صدر العالم كل تلك السنين والمتمثل اليوم بالثالوث المشؤوم (إسرائيل – أمريكا – بريطانيا)، الرامي إلى إذكاء نار الطائفية والعداوة والبغضاء والحروب فيما بين أبناء البلد الواحد والدين الواحد في كل مكان. إلا انَّ أتباع الحوزة الناطقة – التيار الصدري - كانوا مُلتفتين بفضل الله لتلك المُخطّطات التهديمية ومَنْ يقف خلفها، فعمدَوا على اثر ذلك إلى الإسراع بضربة استباقية لهذا الهجوم الخبيث من خلال مد جسور الأخوّة والمحبة والتقارب والتعاون بينهم وبين كافة القوى الوطنية والإسلامية في عموم أرجاء العراق بشكل سريع، أي بعد دخول القوات العسكرية للاحتلال الأمريكي الغازي لهذا البلد الجريح مباشرة. ولا اعتقد انَّ أحداً قد نسيَ تلك الزيارة التي قام بها الشيخ الدكتور احمد الكبيسي وهو من كبار علماء أهل السنة في العراق إلى مدينة النجف الاشرف ولقائه بسماحة السيد مقتدى الصدر، والتي كان لها وقعاً ايجابياً كبيراً في الشارعين العراقي والإسلامي، وفي الوقت نفسه كانت أبعاده الخطيرة على راسمي الفتنة الطائفية – الثالوث المشؤوم – بمثابة القنبلة الموقوتة التي وُضِعَت في طريق مشاريعهم التهديمية الخبيثة. واستمرت الزيارات واللقاءات المباشرة وغير المباشرة بين قيادات من التيار الصدري وأخرى من الأطراف العراقية الثانية وبمختلف التوجّهات الدينية والمذهبية والقومية، وعلى اثر تلك المواقف أصبح التيار الصدري وحسب المراقبين والمتابعين للشأن الداخلي يُشَبّه ببيضة قبّان الساحة العراقية، او بعبارة ثانية أخرى انه تمكن – أي التيار الصدري - من أنْ يكون تلك القوة الماسكة بوسط العصا لتسيطر بسبب هذا الاعتدال والوسطية في العلاقات مع الأطياف المتنوعة العراقية على مجريات الأمور في هذا البلد بحكمة ودقة عاليتين، للحيلولة دون منع الجميع من الانجرار خلف الحرب الطائفية التي كان من المتوقّع أنْ تحدث بعد مرور وقت قصير جداً من غزو العراق. ومن ابرز المواقف التي تثبت هذا الكلام هو ذلك الموقف الذي تصدّى له التيار الصدري حين نشب الخلاف الكبير بين منظمة بدر الشيعية وهيئة علماء المسلمين السنية، والتي كان لتدخّل التيار الصدري وقيادته في حلحلة هذا الخلاف الشاهد والبرهان على ما قلته سلفاً - من انه أصبح بيضة القبّان -، وقد تصدّر هذا الأمر وكما هو واضح لِمَنْ عاشه كل وسائل الإعلام بمختلف تنوّعها وشكلها، وكان هو الحديث السائد في الشارع المحلي والعربي والعالمي. وهناك شواهد كثيرة وواضحة لا يمكن إحصاؤها تُظهِر هذا التوجّه الإسلامي الوطني الوحدوي من قبل التيار الصدري وقيادته والأطراف الأخرى المنتهجة لنفس هذا النهج الشريف، ولم تنقطع المواقف المتبادلة الخيّرة من كِلا الجانبين بل أخذت بالاستمرار والنمو والتطوّر شيئاً فشيئاً وأكثر فأكثر، ابتداء بأحداث النجف الاشرف والفلوجة ومروراً بتقديم المساعدات لضحايا تفجيرات الموصل إضافة إلى التظاهرات والصلوات الجماعية المشتركة، والبيانات والآراء المتوافقة في الرأي، كرفض تقسيم العراق ومنع استقطاع أي جزء من أراضيه ونبذ التبعية مهما كان شكلها ولونها ومذهبها وقوميتها، يضاف لذلك كله اللقاءات الدورية المتواصلة بين الطرفين والى آخرها الكثير من المواقف التي كانت كالنار على علم - كما يعبرون - ولم تنتهِ عند حد ما او نقطة معينة. إلا انَّ هذه المواقف والتطابق في وجهات النظر والتآصر والتلاحم والأخوّة المتبادلة لم تعجب او ترضي جميع أعداء العراق والإسلام، لأنها كانت لا تخدم توجّهاتهم وأطماعهم ومصالحهم ومُخطّطاتهم العدوانية التي كانوا يتأملون حصولها في العراق بشكل سريع، وعلى اثر ذلك عمدَ أعداء الإسلام والعراق والإنسانية إلى التفكير من جديد وعلى ضوء المُعطيات والإحداث المتوفّرة بين أيديهم إلى ما يُمكن ان نُسمّيه إحداث شرخ وفجوة كبيرين بين هذه القوى المُتَّحِدَة ومن ثم خلق صراع وتنافر وتناحر بينها، وعلى وجه التحديد بين المكوّنين الشيعي والسني، وتحديداً أكثر بين التيار الصدري من جهة والإخوة السنة من جهة ثانية، ممن كانوا بالأمس القريب جداً مُتحابّين ومتوادّين وفي جبهة قتال واحدة يُدافع بعضهم عن البعض الآخر، ويتبرّع له بكل ما يملك من مال ودم وسلاح، ويتقاسم كل شخص منهم مع أخيه رغيف الخبز الذي كان كل واحد منهم بأمسّ الحاجة إليه ومع ذلك تراه يُؤثِر على نفسه من اجل أنْ يوصل تلك اللقمة لأخيه المُرابط في ساحات الوغى والشرف ضد الاحتلال الأمريكي. فكان انطلاق تلك الحرب المقيتة بعد أحداث سامراء بشكل مباشر (تفجير مرقدي الإمامين الهادي والعسكري سلام الله عليهما)، وهي كانت بمثابة الشرارة التي أشعلتها قوى الظلام والاستكبار وعلى مختلف أصنافها وقوميّاتها ومذاهبها وجنسيّاتها - والتي ستُناقش كل منها على حده وباختصار –. وهنا قد يسال سائل مُنصِف، مَنْ هو يا ترى المستفيد من هذه الفتنة المقيتة؟ هل هم نفس الإخوة الذين كانت بالأمس القريب أسلحتهم موجّهة سوية ضد عدوهم المُشتَرَك المحتل الغاصب؟ أم انَّ هنالك قوى ودول وأحزاب اكتشفت انَّ في توحّد الإخوة المسلمين في العراق مُساهمة منهم وتعجيل فوري وإنذار سابق لأوانه برحيل الاحتلال الأمريكي من هذه الأرض الطاهرة؟، فعليه أسرعت تلك القوى العاملة بالظاهر والمُتَخَفّيَة والجالسة خلف الكواليس إلى إحداث ذلك الشرخ الكبير بين الأخوين طبقاً وتماشياً مع المفهوم الاستعماري السائد القديم الحديث (فَرّق تَسُدّ). وهنا وبعد هذه المقدمة اليسيرة والاستعراض البسيط لجنابكم الكريم، أبدأ أولاً بالحديث عن الجهات التي من المتوقّع أنْ تكون لها مصلحة بل مصالح في ذلك الانشطار والانقسام بين العراقيين، او قل بعبارة أكثر وضوح النفع الذي سيدرّ عليها من جرّاء الفتنة الطائفية، وهي كالآتي: الجهة الأولى،(القوات المحتلة):وهذا يمكن الأخذ بحقيقته اذا نظرنا إلى حجم الخطر الذي عاشته هذه القوات الغازية للعراق بعد دخولها ارض الوطن، إذ انها ما أنْ تهدأ مُنازلتها في الفلوجة حتى تصطدم بمواجهة أخرى في النجف الاشرف، وما أنْ تنتهي معاركها في النجف الاشرف حتى تُنهَك قواها في الموصل، وفور إعلانها – أي القوات المحتلة - توقّف القتال في الموصل تنهار قواها مرة أخرى في مدينة الصدر، وهكذا هو الحال مستمر في اغلب محافظات العراق وبشكل مُنَظّم ودقيق كما رآه الجميع، وليس هذا فقط بل انَّ كِلا الطرفين - الشيعي والسني - كانا يمدّان ويدعمان احدها الآخر بما يحتاج له من عون سواء كان ذلك العون مادياً او معنوياً، حتى وصل الحال إلى ذروته عندما أرسلَ الجانبان مقاتليهما إلى منطقتيهما وبالتبادل المدروس والمحسوب. ولو راجعنا خلال تلك الفترة – الوحدة الشيعية السنية – حجم الخسائر التي مُنيَ بها المحتل الغازي الكافر لوجدناها كبيرة جداً وضخمة، سواء على مستوى الضحايا من الافراد العسكريين او خسائره من الآليات البرية والجوية، وفي معظم ومختلف محافظات العراق الحبيب الشيعية والسنية منها على حد سواء. لذا فانَّ هذا الأمر – التوحّد العراقي الإسلامي الوطني بين مذاهبه وأطيافه المتنوعة - وَضَعَ المحتل في مأزق كبير لم يستطيع الخروج منه بسهولة، وهو – أي المأزق – كان يزداد يوماً بعد يوم، يُضاف له المواقف الإسلامية الوطنية المشتركة بين الجهتين والتي كانت تُكَمّل عملهما الجهادي وتدعمه بشكل كبير ومؤثر، وهنالك الكثير الكثير من الكلام في هذا الصدد ولكن للهروب من الإطالة والإطناب نُقرّر الاختصار والتوقّف عند هذا الحد مع الاعتذار. الجهة الثانية،(دول الجوار):لقد كان لدول الجوار العراقي الأثر الكبير والواضح في ما يجري من أحداث، ويمكن تصنيف هذه الدول حسب التوجّه القديم الجديد لها والذي تتبناه: الصنف الأول،(دول المُمانَعَة):وتقف في مُقدمتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية والجمهورية العربية السورية، وهاتان الدولتان تعتبران الوجود الأمريكي في العراق بمثابة الخطر الأول والأكبر على أمنيهما ومُستقبليهما ووجودهما، لأنهما – أي سوريا وإيران – تُعتبران وحسب وجهة النظر الأمريكية من أكثر الدول العالمية خطورة على امن الكيان الصهيوني الغاصب، لذا ومن باب الاحتياط فانَّ هاتين الدولتين وعبر أجهزتهما المخابراتية تحاولان إجهاض المشروع الأمريكي في العراق والمُسَمّى بالشرق الأوسط الجديد، والحيلولة دون تحقيقه وإنجاحه ومنع وصوله إلى دولتيهما، وحسب نظرتيهما الواقعية الواضحة، فانَّ القرب المكاني للولايات المتحدة الأمريكية لأراضيهما – أي سوريا وإيران – بسبب احتلال العراق أصبح يُشكّل خطراً كبيراً على السلطة الحاكمة في كِلا الدولتين، لذا فانهما سيعملان ويعملان ليل نهار لإفشال هذا المشروع وبمختلف الوسائل والطرق المُتاحة لهما في الأرض العراقية. الصنف الثاني،(دول الاعتدال):والتي تقف على رأسها المملكة العربية السعودية وبقيّة الدول المُتبنّية لهذا النهج مثل المملكة الأردنية الهاشمية ودولة الكويت، وقد لعبت هذه الدولة – أي السعودية - دوراً كبيراً في تأزّم الوضع في العراق من خلال إرسال المقاتلين بصورة غير شرعية لهذا البلد، يُضاف لذلك الدعم المالي الكبير الذي تقدمه المملكة السعودية للتنظيمات المسلحة كتنظيم القاعدة والجيش الإسلامي وأنصار السنة، بالإضافة إلى دعم القيادات البعثية والأمنية في مختلف دول العالم، وخصوصاً المتواجدين منهم في الأردن واليمن والإمارات ومصر. ويُشرف على هذا البرنامج الدقيق المدروس كل من الأمير بندر بن سلطان بن عبد العزيز السفير السابق للملكة السعودية في الولايات المتحدة الأمريكية ورئيس ما يُسَمّى بمجلس الأمن القومي والمعروف بعدائه الشديد للتشيّع، بل يعد من أكثر أمراء المملكة السعودية كرهاً وبغضاً للشيعة، ويشاركه في العمل والإدارة والمتابعة والتخطيط عَمّه الأمير مقرن بن عبد العزيز رئيس جهاز الاستخبارات السعودية والمسؤول عن الملف العراقي بشكل خاص. علماً انَّ دول الاعتدال والمُمانعة تقف في مسافة واحدة من ناحية استخدامها لكافة الوسائل المتاحة الرامية لخلق الفوضى في العراق، إلا انَّ الفرق بين الاثنين هو الاختلاف في النوايا، فقوى الممانعة تمارس هذا العمل رغبة منها برحيل المحتل الأمريكي، لأنها تنظر إليه من منظار العدو، اما قوى الاعتدال فانها تريد بفعلها هذا بقاء الاحتلال بقربها لغرض الدفاع عن أراضيها وسلطتها، والاتخاذ من الاحتلال الأمريكي كحارس وشرطي لها في المنطقة بسبب ما يقلقها مما تُسمّيه بالتوسّع والانتشار الشيعي القادم حسب ما تَدّعي. الجهة الثالثة،(الأحزاب الحاكمة في العراق):وهي على أشكال وتنوّعات وتوجّهات وتبعيّات مختلفة، ويمكن حصرها إجمالاً بهذه الأقسام: القسم الأول،-الأحزاب الإسلامية-:فالأحزاب الإسلامية بشقّيها الشيعي والسني تدرك قياداتها جيداً انَّ الغالبية العظمى منها كانت في الخارج، وهي لمست وشاهدت بامِّ عينيها انها لم تملك او يكن لديها ما كانت تحلم به من قاعدة جماهيرية تساندها وتناصرها في العراق، وهذا ما شعر به الجميع وليس هم وحدهم فقط. لذا أحسّت هذه الأحزاب من خلال المتابعة والمراقبة الدقيقة المدروسة، انَّ الوحدة القائمة اليوم وبشكل متنامي وسريع بين أكثر التيارات الإسلامية شعبية وجماهيرية في العراق وهو التيار الصدري ومن دون مبالغة، وبين القوى السنية الأخرى غير التي كانت في الخارج، وحصراً منها وتحديداً تلك الجهات المناهضة للاحتلال والرافضة للإرهاب بكل أشكاله، والتي كما نعرف انها – أي القوى السنية المناهضة للاحتلال - تُشكّل الغالب الأعم من حصة الشارع السني الجماهيري في تلك الفترة، ستؤدي بالنتيجة – أي الوحدة بينهما - إلى إلغاء وتهميش بقية القوى السياسية الإسلامية الأخرى عن الساحة ومن ثم محو أثرها، وهذه القوى – الأحزاب والقوى الإسلامية - وكما هو واضح من كلام قادتها وأعضائها ترغب في إبقاء أمد الاحتلال في العراق لأطول فترة ممكنة تُمَكّنها – أي إطالة فترة بقاء الاحتلال – إلى السيطرة على الحكم في العراق من جانب، وضرب القوى التي تراها تُشكّل خطراً على وجودها وأطماعها في هذه البلاد من جهة أخرى، من خلال التعاون مع المحتل الغازي بمختلف وشتّى الوسائل. اما الخصلة الأخرى في هذه الأحزاب الإسلامية - سالفة الذكر - هي انها ومن دون استثناء تعمل لحساب دولة معينة ما، وهي لا تتحرّك او تنطق إلا حسب الأجندة المرسومة لها من تلك الدول التابعة لها والمدعومة منها، سواء كانت دول الاعتدال او دول الممانعة، لذا ستُستَغلّ هذه الأحزاب من قبل تلك الدول لتكون يدها المُنَفِّذَة لأجنداتها ومخططاتها في العراق، كل حسب الطريقة والمنهج والمخطط المرسوم والمُعدّ له في الغرف المُظلمة لمخابرات تلك الدول وإنا لله وإنا إليه راجعون. القسم الثاني،-الأحزاب الكردية-:وهم من أهم القوى المستفيدة من تأزم الأمور في العراق ومن عدة نواحي: الناحية الأولى:انَّ التخلخل الأمني وضعفه وهشاشته يعني بالنتيجة بقاء الحكومة المركزية ضعيفة، وفي الوقت نفسه سيجعل من حكومة الإقليم الشمالي أكثر قوة واستقرار، وسيبقيها في صدارة القوى المؤثرة في القرار العراقي. الناحية الثانية:الفوضى الداخلية جعلت من الإقليم الشمالي ملاذاً آمناً للخبرات والكفاءات وأصحاب رؤوس الاموال، لأنَّ الجميع بدأ يدرك ويشعر في انَّ تلك المناطق – أي الإقليم الشمالي - أصبحت المأوى السليم والملاذ الآمن لهم ولعوائلهم. الناحية الثالثة:انَّ استمرار الإرباك الطائفي والهشاشة الأمنية في العراق يُهيّأ كافة المُجريات والمُستلزمات اللازمة لبناء الدولة المستقبلية للأكراد في شمال العراق، وهذا يعني تطبيق المشروع التقسيمي الذي خطط له الكيان الصهيوني الغاصب منذ نعومة أظفاره، ومَنْ مِنّا يستطيع التغافل او غض الطرف عن التواجد الصهيوني هذه الأيام بشكله الواضح والكبير في معظم محافظات كردستان الشمالية، والذي أُسِّسَ له – أي الوجود الصهيوني - منذ عهد ليس بالقريب وتحديداً في فترة حياة الملا مصطفى البرزاني والد الزعيم الحالي للحزب الديمقراطي الكردستاني. الناحية الرابعة:انَّ الصراع الطائفي يعني بالنتيجة جَرّ كافة المكاسب التي يطمح فيها الاكراد إلى سلّة مطالبهم، وذلك من خلال استغلال الفوضى العارمة في البلد وانشغال الأحزاب المتصارعة فيما بينها بالقتال والمشاكل، مما يسهل لها ويساعدها على تطبيق مخططاتها التوسعية أللامحدودة في خيرات هذا البلد، ابتداء بما تُسمّيه المناطق المتنازع عليها مروراً بعقود النفط والتجارة والموازنة المالية والسيطرة على المناصب السيادية الحساسة والمهمة وفي مقدمتها رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية، إضافة إلى غيرها كثير من المُكتسبات الأخرى التي حصلت عليها ونالتها القوى الكردية وبسلاسة نتيجة لهذه الظروف وغيرها من الظروف الأخرى التي نجهلها. (الجهة الرابعة)-الدول العالمية الكبرى-:يقول الشهيد الصدر الثاني في جمعته السابعة والثلاثين ما يلي،(انَّ أمريكا تحاول تسخير اكبر مقدار من عدد الدول تحت إرادتها وسيطرتها وربما كل الدول على الإطلاق، وكل مَنْ وافق على ذلك وتعاون معها فهو لعبة في يديها وتحت استعمارها بكل تأكيد، حتى الدول الأوربية التي تود الاستقلال عن النظام الأمريكي فانها تبدو في كثير من الأحيان لعبة بيد هذا النظام المشؤوم، فمثلاً بريطانيا التي كانت لها الزعامة في العالم حتى كانت تُسمّي نفسها بريطانيا العظمى، أصبحتْ الآن مُستَعمَرَة بسيطة بيد أمريكا تستخدمها متى تشاء لانجاز مصالحها الخاصة، وفي اعتقادي انَّ هذا منها تنازل مقيت وذِلَّة لا موجب لها)، ويقول قدس الله روحه الطاهرة في نفس الجمعة وفي موضع آخر الآتي،(انَّ هذا الوضع العالمي القائم على أنقاض ما كان يُسَمّى بالاتحاد السوفييتي، والذي سَمّتهُ أمريكا في حينه بالنظام العالمي الجديد، إنما هو نظام استعماري مشؤوم قائم على تفرّد أمريكا بالعالم وهيمنتها عليه وفرض إرادتها على كل جهاته من دول وشعوب وأحزاب ومنظمات، وكل من يُخالفها فانها تكيل له الصاع صاعين كما يُعبّرون، هذا النظام يجعل منها الطاغوت الأول والشيطان الأكبر ويخرجها عن الإنسانية وحسن التصرّف إلى الظلم الكامل والطغيان المحض)، ومن هذا الكلام الواعي والدقيق نستنتج انَّ الدول العالمية الكبرى ملتفتة إلى ما ذكره المقدس الصدر في كلماته سالفة الذكر، وهي تشعر – أي هذه الدول الكبرى - انَّ الولايات المتحدة وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي أصبحت هي القوة المسيطرة على كل العالم وصار العالم اليوم يُقاد من قبلها فقط، في الوقت الذي كانت هنالك دولاً وعلى وجه التحديد لا الحصر كالاتحاد السوفييتي والصين وألمانيا وبريطانيا وفرنسا وغيرها من الدول الأخرى الكبرى، التي كانت ترى انها تجاري خلال كل تلك الفترات وتنافس في ميدان السيطرة والقوة على العالم مع الولايات المتحدة الأمريكية، لذا فانَّ هذه الدول وخصوصاً منها الصين وروسيا تقومان وبمساعدة بقية الدول الأخرى الراغبة بإسقاط وإفشال المشروع التوسّعي الأمريكي المُسَيطِر والمُتَحَكِّم اليوم بكل العالم، وهي تسعى – هذه الدول - إلى العمل الجاد والمختلف لإسقاط هذه الأسطورة المُتَفَرِّدَة والعمل على إرجاع ميازين القوى من جديد إلى وضعها الطبيعي قبل العام 1991، أي تحديداً قبل انهيار ما كان يُسَمّى بالاتحاد السوفييتي. يضاف إلى ذلك كل قوى الرافضة والمبغضة لأمريكا في كافة أنحاء العالم، والتي رأت هي أيضاً كغيرها من الدول الأخرى في الساحة العراقية خير مكان وزمان للانتقام من العدو اللدود لها – أي أمريكا –، وهذا هو هدف ومشروع وحال كل المناهضين لها – أي أمريكا - في العالم، من دول وحركات وأحزاب عربية وأوروبية ولاتينية وعلى مختلف المُسَمَّيات والتوجّهات المختلفة. وفي ختام هذا الجزء - الأول – من هذه المقالة أود التنويه إلى أمر ما وهو، انَّ القارئ اللبيب قد يجد شيء من التكرار او ما نستطيع تسميته بالتشابه في بعض مفاصل هذه المقالة مع مقالة سابقة بعنوان (عوامل إجهاض الانسحاب الأمريكي من العراق)، وأقول له مُجيباً وبأكثر من إجابة وكما يلي: الإجابة الأولى:انَّ تكرار المُقدّمات ليس بالضرورة أنْ يُعطي نفس النتيجة، فقد تتشابه المُقدّمات ولكن النتائج مُختلفة. الإجابة الثانية:عادة ما تكون الأسباب او قل العوامل التي تُحرِّك بها قوى الشر العالمية هذه الأيام، هي ذاتها التي تُحقِّق بها أجنداتها المتنوعة والمتفرّعة في كل العالم، فمثلاً لا يمكن للكيان الغاصب الصهيوني يوماً ما أنْ يتخلّى عن أدواته واذرعه السياسية والمخابراتية في المنطقة كمصر والأردن، وفي الوقت نفسه لا يمكنه – أي الكيان الغاصب الصهيوني - التخلّي عن الدعم المفتوح الذي تُقدِّمه لها الولايات المتحدة الأمريكية وباستمرار، وبعبارة أخرى انَّ الكيان الغاصب الصهيوني عندما يريد أنْ يتصرّف او يتحرّك في منطقة ما باستخدام احد أدواته او اذرعه فلا يعني ذلك استغنائه عن تلك الأداة او ذلك الذراع لمجرّد انه استخدم تلك الأداة او ذلك الذراع في منطقة أخرى. الإجابة الثالثة:انَّ التكرار في موضوع ما شريطة أنْ لا يكون فيه شيء من السرد والإلحاح، يُدلِّل على أهمية الشيء الذي من اجله حصل التكرار، وما دام الشيء مهماً فانه يحتاج إلى تكرار بكل تأكيد، ففي التكرار تتركز المعلومة جيداً في أذهان الجميع وأيضاً تفتح الباب على الواعين إلى استخلاص العبر والحكم غير التي اكتشفت من قبل كاتبها. الإجابة الرابعة:يقول الشهيد الصدر في خطبة الجمعة الحادية عشر التي ألقاها في مسجد الكوفة المعظم الآتي،(ففي هذه القرون المتأخرة يوجد ما استطيع أنْ اسمّيه بالثالوث المشؤوم الظالم الغاشم وهو الاستعمار الأمريكي البريطاني الإسرائيلي الظالم الغاشم الشرير المُبتَزّ لحقوق البشرية ولدمائها، في الحقيقة هذا هو الذي يكون سبباً لمثل هذه المظالم وغير هذه المظالم، وهذا الشيء ينبغي أنْ يكون واضحاً، مَهما كانت اليد التي قبضت على السكينة فانها ترجع بالآخر إلى ذاك)، وهذا ما أريد الوصول إليه وهو انَّ سبب المظالم في العصور المتأخّّرة محصورة بما اسماه الحق الصدر وهو الثالوث المشؤوم، (أمريكا – بريطانيا – إسرائيل) واعتبرهم المرجعية والحاضنة التي ترجع إليها كل يد قابضة على السكين مَهما كان عنوانها وشكلها ولونها ووطنها، فيعني ذلك انَّ استخدام هذه الأيادي او الأذرع وتكرار فعلها غير مرهون بزمان او مكان وإنما رهن ذلك موكول إلى القرار الذي تصدره هذه المؤسسة الظالمة المُبتَزَّة لحقوق البشرية. ولنا عودة إنْ شاء الله في جزء هذه المقالة الثاني إنْ بقيت الحياة........
جليل النوري يوم الثلاثاء الموافق للثاني والعشرين من شهر ربيع الثاني للعام 1431 المصادف للثالث عشر من شهر نيسان للعام 2010
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]
واعدتُ الإخوة القُرّاء في مقال سابق أنْ أتطرَّق إلى موضوع الفتنة الطائفية التي حصلت في العراق في العام 2006، وما شجّعني أكثر في الاستعجال على نشرها الآن هو ذكر سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد مقتدى الصدر (اعزه الله ونصره) له – أي موضوع الفتنة الطائفية – في آخر حوار أجراه على شاشة قناة الجزيرة الفضائية، فأصبَحَتْ هنا الضرورة والأهمية في الكتابة بشأنه مُضاعَفَة للسببين واردي الذكر، ألوعد بالكتابة فيها – الفتنة الطائفية -، وأهمية المُتَحَدّث لاحقاً عنها – السيد مقتدى الصدر -. وهنا ابتدأ بذكر السبب في اختياري لهذا العنوان وبهذا الشكل وأقول، انه كانت الغاية منه هو جلب الانتباه إليه وذلك لأهمية ما نريد سرده وتوضيحه ومناقشته حسب الإمكان والمعلومات المتاحة، وعلى ضوء أسلوب الأطروحات الذي يعتمده السيد الشهيد الصدر الثاني روحي لتراب نعله الفداء، والتي كان يتخذها أسلوبا في كتابته – أي الأطروحات – من خلال طرحه وإثارته الإشكال او قل السؤال ومن ثم دحض ذلك وفق القاعدة المشهورة، (اذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال)، تاركاً قدس الله سره الشريف في النهاية للقاريء اللبيب اختيار ما يراه مناسباً لفكره وقناعاته من أجوبة مطروحة محتملة. وفي البداية هنا أحاول أنْ ارجع قليلاً في سرد القصة قبل التحدّث عن موضوع الفتنة والاقتتال الدامي بين أبناء هذا البلد العزيز، وتحديداً الفترة التي أعقبت دخول المحتل الغازي الأمريكي إلى العراق مباشرة. إذ انَّ الجميع لَمسَ وجداناً وعقلاً مدى ذلك الحرص الكبير من قبل أتباع الحوزة الناطقة وقياداتها – التيار الصدري - على الوحدة الإسلامية والوطنية بين أبناء البلد الواحد والتي حمل شعارها في المدى القريب المتأخر لهذه السنين الولي الطاهر محمد الصدر (قدس الله روحه الطاهرة)، ويمكن ملاحظة ذلك عن قرب عند سماعك لخطب الجمعة المباركة في مسجد الكوفة المعظم، إذ يقول قدس الله روحه الطاهرة في هذا المورد – الوحدة -،(ليس المُراد في هذه المرحلة من العمل والتفكير أنْ نجعل الشيعيّين سنّيّين او نجعل السنّيّين شيعيّين، وإنما المهم هو التمسّك بالدين المُشتَرَك وهو الإسلام، والقيام ضد العدو المُشتَرَك وهو الكفر والإلحاد، المُتمثِّل بالاستعمار وأنصار الاستعمار). وكذلك يمكن أنْ تجد الكثير من توأمة هذا الكلام وشبيهاته عند قراءتك لمؤلفاته او عند الإنصات إلى لقاءاته الحوارية المُسجّلة، سواء الصوتية منها او الصورية، وبعدها سَتُدرِك حجم وعظمة ما كان يرمي له مولانا الصدر من بُعد تاريخي وعقائدي في ذلك الطرح الإسلامي الوحدوي الحضاري. لذا حرص أتباعه من بعد غيابه وتحديداً قياداته في عموم العراق وعلى رأسها سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد المجاهد مقتدى الصدر (نصره الله بنصره) على إرساء أسس ومفاهيم هذا المشروع الإسلامي الحضاري التنموي الكبير لِعِدَّة اعتبارات أهمها، الوفاء منه – أي السيد مقتدى الصدر - لدماء الشهيد الصدر الطاهرة من جانب، ومن جانب آخر سعيه الجاد إلى إفشال المشروع الاستعماري الأمريكي الطائفي الذي وضع لبنته الأولى السرطان الجاثم على صدر العالم كل تلك السنين والمتمثل اليوم بالثالوث المشؤوم (إسرائيل – أمريكا – بريطانيا)، الرامي إلى إذكاء نار الطائفية والعداوة والبغضاء والحروب فيما بين أبناء البلد الواحد والدين الواحد في كل مكان. إلا انَّ أتباع الحوزة الناطقة – التيار الصدري - كانوا مُلتفتين بفضل الله لتلك المُخطّطات التهديمية ومَنْ يقف خلفها، فعمدَوا على اثر ذلك إلى الإسراع بضربة استباقية لهذا الهجوم الخبيث من خلال مد جسور الأخوّة والمحبة والتقارب والتعاون بينهم وبين كافة القوى الوطنية والإسلامية في عموم أرجاء العراق بشكل سريع، أي بعد دخول القوات العسكرية للاحتلال الأمريكي الغازي لهذا البلد الجريح مباشرة. ولا اعتقد انَّ أحداً قد نسيَ تلك الزيارة التي قام بها الشيخ الدكتور احمد الكبيسي وهو من كبار علماء أهل السنة في العراق إلى مدينة النجف الاشرف ولقائه بسماحة السيد مقتدى الصدر، والتي كان لها وقعاً ايجابياً كبيراً في الشارعين العراقي والإسلامي، وفي الوقت نفسه كانت أبعاده الخطيرة على راسمي الفتنة الطائفية – الثالوث المشؤوم – بمثابة القنبلة الموقوتة التي وُضِعَت في طريق مشاريعهم التهديمية الخبيثة. واستمرت الزيارات واللقاءات المباشرة وغير المباشرة بين قيادات من التيار الصدري وأخرى من الأطراف العراقية الثانية وبمختلف التوجّهات الدينية والمذهبية والقومية، وعلى اثر تلك المواقف أصبح التيار الصدري وحسب المراقبين والمتابعين للشأن الداخلي يُشَبّه ببيضة قبّان الساحة العراقية، او بعبارة ثانية أخرى انه تمكن – أي التيار الصدري - من أنْ يكون تلك القوة الماسكة بوسط العصا لتسيطر بسبب هذا الاعتدال والوسطية في العلاقات مع الأطياف المتنوعة العراقية على مجريات الأمور في هذا البلد بحكمة ودقة عاليتين، للحيلولة دون منع الجميع من الانجرار خلف الحرب الطائفية التي كان من المتوقّع أنْ تحدث بعد مرور وقت قصير جداً من غزو العراق. ومن ابرز المواقف التي تثبت هذا الكلام هو ذلك الموقف الذي تصدّى له التيار الصدري حين نشب الخلاف الكبير بين منظمة بدر الشيعية وهيئة علماء المسلمين السنية، والتي كان لتدخّل التيار الصدري وقيادته في حلحلة هذا الخلاف الشاهد والبرهان على ما قلته سلفاً - من انه أصبح بيضة القبّان -، وقد تصدّر هذا الأمر وكما هو واضح لِمَنْ عاشه كل وسائل الإعلام بمختلف تنوّعها وشكلها، وكان هو الحديث السائد في الشارع المحلي والعربي والعالمي. وهناك شواهد كثيرة وواضحة لا يمكن إحصاؤها تُظهِر هذا التوجّه الإسلامي الوطني الوحدوي من قبل التيار الصدري وقيادته والأطراف الأخرى المنتهجة لنفس هذا النهج الشريف، ولم تنقطع المواقف المتبادلة الخيّرة من كِلا الجانبين بل أخذت بالاستمرار والنمو والتطوّر شيئاً فشيئاً وأكثر فأكثر، ابتداء بأحداث النجف الاشرف والفلوجة ومروراً بتقديم المساعدات لضحايا تفجيرات الموصل إضافة إلى التظاهرات والصلوات الجماعية المشتركة، والبيانات والآراء المتوافقة في الرأي، كرفض تقسيم العراق ومنع استقطاع أي جزء من أراضيه ونبذ التبعية مهما كان شكلها ولونها ومذهبها وقوميتها، يضاف لذلك كله اللقاءات الدورية المتواصلة بين الطرفين والى آخرها الكثير من المواقف التي كانت كالنار على علم - كما يعبرون - ولم تنتهِ عند حد ما او نقطة معينة. إلا انَّ هذه المواقف والتطابق في وجهات النظر والتآصر والتلاحم والأخوّة المتبادلة لم تعجب او ترضي جميع أعداء العراق والإسلام، لأنها كانت لا تخدم توجّهاتهم وأطماعهم ومصالحهم ومُخطّطاتهم العدوانية التي كانوا يتأملون حصولها في العراق بشكل سريع، وعلى اثر ذلك عمدَ أعداء الإسلام والعراق والإنسانية إلى التفكير من جديد وعلى ضوء المُعطيات والإحداث المتوفّرة بين أيديهم إلى ما يُمكن ان نُسمّيه إحداث شرخ وفجوة كبيرين بين هذه القوى المُتَّحِدَة ومن ثم خلق صراع وتنافر وتناحر بينها، وعلى وجه التحديد بين المكوّنين الشيعي والسني، وتحديداً أكثر بين التيار الصدري من جهة والإخوة السنة من جهة ثانية، ممن كانوا بالأمس القريب جداً مُتحابّين ومتوادّين وفي جبهة قتال واحدة يُدافع بعضهم عن البعض الآخر، ويتبرّع له بكل ما يملك من مال ودم وسلاح، ويتقاسم كل شخص منهم مع أخيه رغيف الخبز الذي كان كل واحد منهم بأمسّ الحاجة إليه ومع ذلك تراه يُؤثِر على نفسه من اجل أنْ يوصل تلك اللقمة لأخيه المُرابط في ساحات الوغى والشرف ضد الاحتلال الأمريكي. فكان انطلاق تلك الحرب المقيتة بعد أحداث سامراء بشكل مباشر (تفجير مرقدي الإمامين الهادي والعسكري سلام الله عليهما)، وهي كانت بمثابة الشرارة التي أشعلتها قوى الظلام والاستكبار وعلى مختلف أصنافها وقوميّاتها ومذاهبها وجنسيّاتها - والتي ستُناقش كل منها على حده وباختصار –. وهنا قد يسال سائل مُنصِف، مَنْ هو يا ترى المستفيد من هذه الفتنة المقيتة؟ هل هم نفس الإخوة الذين كانت بالأمس القريب أسلحتهم موجّهة سوية ضد عدوهم المُشتَرَك المحتل الغاصب؟ أم انَّ هنالك قوى ودول وأحزاب اكتشفت انَّ في توحّد الإخوة المسلمين في العراق مُساهمة منهم وتعجيل فوري وإنذار سابق لأوانه برحيل الاحتلال الأمريكي من هذه الأرض الطاهرة؟، فعليه أسرعت تلك القوى العاملة بالظاهر والمُتَخَفّيَة والجالسة خلف الكواليس إلى إحداث ذلك الشرخ الكبير بين الأخوين طبقاً وتماشياً مع المفهوم الاستعماري السائد القديم الحديث (فَرّق تَسُدّ). وهنا وبعد هذه المقدمة اليسيرة والاستعراض البسيط لجنابكم الكريم، أبدأ أولاً بالحديث عن الجهات التي من المتوقّع أنْ تكون لها مصلحة بل مصالح في ذلك الانشطار والانقسام بين العراقيين، او قل بعبارة أكثر وضوح النفع الذي سيدرّ عليها من جرّاء الفتنة الطائفية، وهي كالآتي: الجهة الأولى،(القوات المحتلة):وهذا يمكن الأخذ بحقيقته اذا نظرنا إلى حجم الخطر الذي عاشته هذه القوات الغازية للعراق بعد دخولها ارض الوطن، إذ انها ما أنْ تهدأ مُنازلتها في الفلوجة حتى تصطدم بمواجهة أخرى في النجف الاشرف، وما أنْ تنتهي معاركها في النجف الاشرف حتى تُنهَك قواها في الموصل، وفور إعلانها – أي القوات المحتلة - توقّف القتال في الموصل تنهار قواها مرة أخرى في مدينة الصدر، وهكذا هو الحال مستمر في اغلب محافظات العراق وبشكل مُنَظّم ودقيق كما رآه الجميع، وليس هذا فقط بل انَّ كِلا الطرفين - الشيعي والسني - كانا يمدّان ويدعمان احدها الآخر بما يحتاج له من عون سواء كان ذلك العون مادياً او معنوياً، حتى وصل الحال إلى ذروته عندما أرسلَ الجانبان مقاتليهما إلى منطقتيهما وبالتبادل المدروس والمحسوب. ولو راجعنا خلال تلك الفترة – الوحدة الشيعية السنية – حجم الخسائر التي مُنيَ بها المحتل الغازي الكافر لوجدناها كبيرة جداً وضخمة، سواء على مستوى الضحايا من الافراد العسكريين او خسائره من الآليات البرية والجوية، وفي معظم ومختلف محافظات العراق الحبيب الشيعية والسنية منها على حد سواء. لذا فانَّ هذا الأمر – التوحّد العراقي الإسلامي الوطني بين مذاهبه وأطيافه المتنوعة - وَضَعَ المحتل في مأزق كبير لم يستطيع الخروج منه بسهولة، وهو – أي المأزق – كان يزداد يوماً بعد يوم، يُضاف له المواقف الإسلامية الوطنية المشتركة بين الجهتين والتي كانت تُكَمّل عملهما الجهادي وتدعمه بشكل كبير ومؤثر، وهنالك الكثير الكثير من الكلام في هذا الصدد ولكن للهروب من الإطالة والإطناب نُقرّر الاختصار والتوقّف عند هذا الحد مع الاعتذار. الجهة الثانية،(دول الجوار):لقد كان لدول الجوار العراقي الأثر الكبير والواضح في ما يجري من أحداث، ويمكن تصنيف هذه الدول حسب التوجّه القديم الجديد لها والذي تتبناه: الصنف الأول،(دول المُمانَعَة):وتقف في مُقدمتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية والجمهورية العربية السورية، وهاتان الدولتان تعتبران الوجود الأمريكي في العراق بمثابة الخطر الأول والأكبر على أمنيهما ومُستقبليهما ووجودهما، لأنهما – أي سوريا وإيران – تُعتبران وحسب وجهة النظر الأمريكية من أكثر الدول العالمية خطورة على امن الكيان الصهيوني الغاصب، لذا ومن باب الاحتياط فانَّ هاتين الدولتين وعبر أجهزتهما المخابراتية تحاولان إجهاض المشروع الأمريكي في العراق والمُسَمّى بالشرق الأوسط الجديد، والحيلولة دون تحقيقه وإنجاحه ومنع وصوله إلى دولتيهما، وحسب نظرتيهما الواقعية الواضحة، فانَّ القرب المكاني للولايات المتحدة الأمريكية لأراضيهما – أي سوريا وإيران – بسبب احتلال العراق أصبح يُشكّل خطراً كبيراً على السلطة الحاكمة في كِلا الدولتين، لذا فانهما سيعملان ويعملان ليل نهار لإفشال هذا المشروع وبمختلف الوسائل والطرق المُتاحة لهما في الأرض العراقية. الصنف الثاني،(دول الاعتدال):والتي تقف على رأسها المملكة العربية السعودية وبقيّة الدول المُتبنّية لهذا النهج مثل المملكة الأردنية الهاشمية ودولة الكويت، وقد لعبت هذه الدولة – أي السعودية - دوراً كبيراً في تأزّم الوضع في العراق من خلال إرسال المقاتلين بصورة غير شرعية لهذا البلد، يُضاف لذلك الدعم المالي الكبير الذي تقدمه المملكة السعودية للتنظيمات المسلحة كتنظيم القاعدة والجيش الإسلامي وأنصار السنة، بالإضافة إلى دعم القيادات البعثية والأمنية في مختلف دول العالم، وخصوصاً المتواجدين منهم في الأردن واليمن والإمارات ومصر. ويُشرف على هذا البرنامج الدقيق المدروس كل من الأمير بندر بن سلطان بن عبد العزيز السفير السابق للملكة السعودية في الولايات المتحدة الأمريكية ورئيس ما يُسَمّى بمجلس الأمن القومي والمعروف بعدائه الشديد للتشيّع، بل يعد من أكثر أمراء المملكة السعودية كرهاً وبغضاً للشيعة، ويشاركه في العمل والإدارة والمتابعة والتخطيط عَمّه الأمير مقرن بن عبد العزيز رئيس جهاز الاستخبارات السعودية والمسؤول عن الملف العراقي بشكل خاص. علماً انَّ دول الاعتدال والمُمانعة تقف في مسافة واحدة من ناحية استخدامها لكافة الوسائل المتاحة الرامية لخلق الفوضى في العراق، إلا انَّ الفرق بين الاثنين هو الاختلاف في النوايا، فقوى الممانعة تمارس هذا العمل رغبة منها برحيل المحتل الأمريكي، لأنها تنظر إليه من منظار العدو، اما قوى الاعتدال فانها تريد بفعلها هذا بقاء الاحتلال بقربها لغرض الدفاع عن أراضيها وسلطتها، والاتخاذ من الاحتلال الأمريكي كحارس وشرطي لها في المنطقة بسبب ما يقلقها مما تُسمّيه بالتوسّع والانتشار الشيعي القادم حسب ما تَدّعي. الجهة الثالثة،(الأحزاب الحاكمة في العراق):وهي على أشكال وتنوّعات وتوجّهات وتبعيّات مختلفة، ويمكن حصرها إجمالاً بهذه الأقسام: القسم الأول،-الأحزاب الإسلامية-:فالأحزاب الإسلامية بشقّيها الشيعي والسني تدرك قياداتها جيداً انَّ الغالبية العظمى منها كانت في الخارج، وهي لمست وشاهدت بامِّ عينيها انها لم تملك او يكن لديها ما كانت تحلم به من قاعدة جماهيرية تساندها وتناصرها في العراق، وهذا ما شعر به الجميع وليس هم وحدهم فقط. لذا أحسّت هذه الأحزاب من خلال المتابعة والمراقبة الدقيقة المدروسة، انَّ الوحدة القائمة اليوم وبشكل متنامي وسريع بين أكثر التيارات الإسلامية شعبية وجماهيرية في العراق وهو التيار الصدري ومن دون مبالغة، وبين القوى السنية الأخرى غير التي كانت في الخارج، وحصراً منها وتحديداً تلك الجهات المناهضة للاحتلال والرافضة للإرهاب بكل أشكاله، والتي كما نعرف انها – أي القوى السنية المناهضة للاحتلال - تُشكّل الغالب الأعم من حصة الشارع السني الجماهيري في تلك الفترة، ستؤدي بالنتيجة – أي الوحدة بينهما - إلى إلغاء وتهميش بقية القوى السياسية الإسلامية الأخرى عن الساحة ومن ثم محو أثرها، وهذه القوى – الأحزاب والقوى الإسلامية - وكما هو واضح من كلام قادتها وأعضائها ترغب في إبقاء أمد الاحتلال في العراق لأطول فترة ممكنة تُمَكّنها – أي إطالة فترة بقاء الاحتلال – إلى السيطرة على الحكم في العراق من جانب، وضرب القوى التي تراها تُشكّل خطراً على وجودها وأطماعها في هذه البلاد من جهة أخرى، من خلال التعاون مع المحتل الغازي بمختلف وشتّى الوسائل. اما الخصلة الأخرى في هذه الأحزاب الإسلامية - سالفة الذكر - هي انها ومن دون استثناء تعمل لحساب دولة معينة ما، وهي لا تتحرّك او تنطق إلا حسب الأجندة المرسومة لها من تلك الدول التابعة لها والمدعومة منها، سواء كانت دول الاعتدال او دول الممانعة، لذا ستُستَغلّ هذه الأحزاب من قبل تلك الدول لتكون يدها المُنَفِّذَة لأجنداتها ومخططاتها في العراق، كل حسب الطريقة والمنهج والمخطط المرسوم والمُعدّ له في الغرف المُظلمة لمخابرات تلك الدول وإنا لله وإنا إليه راجعون. القسم الثاني،-الأحزاب الكردية-:وهم من أهم القوى المستفيدة من تأزم الأمور في العراق ومن عدة نواحي: الناحية الأولى:انَّ التخلخل الأمني وضعفه وهشاشته يعني بالنتيجة بقاء الحكومة المركزية ضعيفة، وفي الوقت نفسه سيجعل من حكومة الإقليم الشمالي أكثر قوة واستقرار، وسيبقيها في صدارة القوى المؤثرة في القرار العراقي. الناحية الثانية:الفوضى الداخلية جعلت من الإقليم الشمالي ملاذاً آمناً للخبرات والكفاءات وأصحاب رؤوس الاموال، لأنَّ الجميع بدأ يدرك ويشعر في انَّ تلك المناطق – أي الإقليم الشمالي - أصبحت المأوى السليم والملاذ الآمن لهم ولعوائلهم. الناحية الثالثة:انَّ استمرار الإرباك الطائفي والهشاشة الأمنية في العراق يُهيّأ كافة المُجريات والمُستلزمات اللازمة لبناء الدولة المستقبلية للأكراد في شمال العراق، وهذا يعني تطبيق المشروع التقسيمي الذي خطط له الكيان الصهيوني الغاصب منذ نعومة أظفاره، ومَنْ مِنّا يستطيع التغافل او غض الطرف عن التواجد الصهيوني هذه الأيام بشكله الواضح والكبير في معظم محافظات كردستان الشمالية، والذي أُسِّسَ له – أي الوجود الصهيوني - منذ عهد ليس بالقريب وتحديداً في فترة حياة الملا مصطفى البرزاني والد الزعيم الحالي للحزب الديمقراطي الكردستاني. الناحية الرابعة:انَّ الصراع الطائفي يعني بالنتيجة جَرّ كافة المكاسب التي يطمح فيها الاكراد إلى سلّة مطالبهم، وذلك من خلال استغلال الفوضى العارمة في البلد وانشغال الأحزاب المتصارعة فيما بينها بالقتال والمشاكل، مما يسهل لها ويساعدها على تطبيق مخططاتها التوسعية أللامحدودة في خيرات هذا البلد، ابتداء بما تُسمّيه المناطق المتنازع عليها مروراً بعقود النفط والتجارة والموازنة المالية والسيطرة على المناصب السيادية الحساسة والمهمة وفي مقدمتها رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية، إضافة إلى غيرها كثير من المُكتسبات الأخرى التي حصلت عليها ونالتها القوى الكردية وبسلاسة نتيجة لهذه الظروف وغيرها من الظروف الأخرى التي نجهلها. (الجهة الرابعة)-الدول العالمية الكبرى-:يقول الشهيد الصدر الثاني في جمعته السابعة والثلاثين ما يلي،(انَّ أمريكا تحاول تسخير اكبر مقدار من عدد الدول تحت إرادتها وسيطرتها وربما كل الدول على الإطلاق، وكل مَنْ وافق على ذلك وتعاون معها فهو لعبة في يديها وتحت استعمارها بكل تأكيد، حتى الدول الأوربية التي تود الاستقلال عن النظام الأمريكي فانها تبدو في كثير من الأحيان لعبة بيد هذا النظام المشؤوم، فمثلاً بريطانيا التي كانت لها الزعامة في العالم حتى كانت تُسمّي نفسها بريطانيا العظمى، أصبحتْ الآن مُستَعمَرَة بسيطة بيد أمريكا تستخدمها متى تشاء لانجاز مصالحها الخاصة، وفي اعتقادي انَّ هذا منها تنازل مقيت وذِلَّة لا موجب لها)، ويقول قدس الله روحه الطاهرة في نفس الجمعة وفي موضع آخر الآتي،(انَّ هذا الوضع العالمي القائم على أنقاض ما كان يُسَمّى بالاتحاد السوفييتي، والذي سَمّتهُ أمريكا في حينه بالنظام العالمي الجديد، إنما هو نظام استعماري مشؤوم قائم على تفرّد أمريكا بالعالم وهيمنتها عليه وفرض إرادتها على كل جهاته من دول وشعوب وأحزاب ومنظمات، وكل من يُخالفها فانها تكيل له الصاع صاعين كما يُعبّرون، هذا النظام يجعل منها الطاغوت الأول والشيطان الأكبر ويخرجها عن الإنسانية وحسن التصرّف إلى الظلم الكامل والطغيان المحض)، ومن هذا الكلام الواعي والدقيق نستنتج انَّ الدول العالمية الكبرى ملتفتة إلى ما ذكره المقدس الصدر في كلماته سالفة الذكر، وهي تشعر – أي هذه الدول الكبرى - انَّ الولايات المتحدة وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي أصبحت هي القوة المسيطرة على كل العالم وصار العالم اليوم يُقاد من قبلها فقط، في الوقت الذي كانت هنالك دولاً وعلى وجه التحديد لا الحصر كالاتحاد السوفييتي والصين وألمانيا وبريطانيا وفرنسا وغيرها من الدول الأخرى الكبرى، التي كانت ترى انها تجاري خلال كل تلك الفترات وتنافس في ميدان السيطرة والقوة على العالم مع الولايات المتحدة الأمريكية، لذا فانَّ هذه الدول وخصوصاً منها الصين وروسيا تقومان وبمساعدة بقية الدول الأخرى الراغبة بإسقاط وإفشال المشروع التوسّعي الأمريكي المُسَيطِر والمُتَحَكِّم اليوم بكل العالم، وهي تسعى – هذه الدول - إلى العمل الجاد والمختلف لإسقاط هذه الأسطورة المُتَفَرِّدَة والعمل على إرجاع ميازين القوى من جديد إلى وضعها الطبيعي قبل العام 1991، أي تحديداً قبل انهيار ما كان يُسَمّى بالاتحاد السوفييتي. يضاف إلى ذلك كل قوى الرافضة والمبغضة لأمريكا في كافة أنحاء العالم، والتي رأت هي أيضاً كغيرها من الدول الأخرى في الساحة العراقية خير مكان وزمان للانتقام من العدو اللدود لها – أي أمريكا –، وهذا هو هدف ومشروع وحال كل المناهضين لها – أي أمريكا - في العالم، من دول وحركات وأحزاب عربية وأوروبية ولاتينية وعلى مختلف المُسَمَّيات والتوجّهات المختلفة. وفي ختام هذا الجزء - الأول – من هذه المقالة أود التنويه إلى أمر ما وهو، انَّ القارئ اللبيب قد يجد شيء من التكرار او ما نستطيع تسميته بالتشابه في بعض مفاصل هذه المقالة مع مقالة سابقة بعنوان (عوامل إجهاض الانسحاب الأمريكي من العراق)، وأقول له مُجيباً وبأكثر من إجابة وكما يلي: الإجابة الأولى:انَّ تكرار المُقدّمات ليس بالضرورة أنْ يُعطي نفس النتيجة، فقد تتشابه المُقدّمات ولكن النتائج مُختلفة. الإجابة الثانية:عادة ما تكون الأسباب او قل العوامل التي تُحرِّك بها قوى الشر العالمية هذه الأيام، هي ذاتها التي تُحقِّق بها أجنداتها المتنوعة والمتفرّعة في كل العالم، فمثلاً لا يمكن للكيان الغاصب الصهيوني يوماً ما أنْ يتخلّى عن أدواته واذرعه السياسية والمخابراتية في المنطقة كمصر والأردن، وفي الوقت نفسه لا يمكنه – أي الكيان الغاصب الصهيوني - التخلّي عن الدعم المفتوح الذي تُقدِّمه لها الولايات المتحدة الأمريكية وباستمرار، وبعبارة أخرى انَّ الكيان الغاصب الصهيوني عندما يريد أنْ يتصرّف او يتحرّك في منطقة ما باستخدام احد أدواته او اذرعه فلا يعني ذلك استغنائه عن تلك الأداة او ذلك الذراع لمجرّد انه استخدم تلك الأداة او ذلك الذراع في منطقة أخرى. الإجابة الثالثة:انَّ التكرار في موضوع ما شريطة أنْ لا يكون فيه شيء من السرد والإلحاح، يُدلِّل على أهمية الشيء الذي من اجله حصل التكرار، وما دام الشيء مهماً فانه يحتاج إلى تكرار بكل تأكيد، ففي التكرار تتركز المعلومة جيداً في أذهان الجميع وأيضاً تفتح الباب على الواعين إلى استخلاص العبر والحكم غير التي اكتشفت من قبل كاتبها. الإجابة الرابعة:يقول الشهيد الصدر في خطبة الجمعة الحادية عشر التي ألقاها في مسجد الكوفة المعظم الآتي،(ففي هذه القرون المتأخرة يوجد ما استطيع أنْ اسمّيه بالثالوث المشؤوم الظالم الغاشم وهو الاستعمار الأمريكي البريطاني الإسرائيلي الظالم الغاشم الشرير المُبتَزّ لحقوق البشرية ولدمائها، في الحقيقة هذا هو الذي يكون سبباً لمثل هذه المظالم وغير هذه المظالم، وهذا الشيء ينبغي أنْ يكون واضحاً، مَهما كانت اليد التي قبضت على السكينة فانها ترجع بالآخر إلى ذاك)، وهذا ما أريد الوصول إليه وهو انَّ سبب المظالم في العصور المتأخّّرة محصورة بما اسماه الحق الصدر وهو الثالوث المشؤوم، (أمريكا – بريطانيا – إسرائيل) واعتبرهم المرجعية والحاضنة التي ترجع إليها كل يد قابضة على السكين مَهما كان عنوانها وشكلها ولونها ووطنها، فيعني ذلك انَّ استخدام هذه الأيادي او الأذرع وتكرار فعلها غير مرهون بزمان او مكان وإنما رهن ذلك موكول إلى القرار الذي تصدره هذه المؤسسة الظالمة المُبتَزَّة لحقوق البشرية. ولنا عودة إنْ شاء الله في جزء هذه المقالة الثاني إنْ بقيت الحياة........
جليل النوري يوم الثلاثاء الموافق للثاني والعشرين من شهر ربيع الثاني للعام 1431 المصادف للثالث عشر من شهر نيسان للعام 2010