الثورة العالمية
28-08-2011, 11:14 PM
بسمه تعالى
اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد وعجّل فرجهم يا كريم
السلوك المهدوي تجاه الفتن
ورد عن طرق أهل البيت عليهم السلام الكثير من الروايات
التي تشير إلى حدوث الفتن في عصر الغيبة الكبرى وهذه
الفتن منها ما هو عام يشمل البشرية جمعاء بما فيهم المسلمين
ومنها ما هو خاص .
أي إنه يجري بين الشيعة من أتباع مدرسة أهل البيت عليهم
السلام أنفسهم وهذه الفتن تصل إلى الحد الذي لا يبقى منهم
إلا الأندر فالأندر كما تعبر بعض الروايات .
والأندر : بضم الهمزة وفتح الدال هو الكدس
أو الكومة من القمح خاصة .
لا بأس هنا بالحديث عن طبيعة الفتن الجارية بين أهل الشيعة
الذين هم عماد التمهيد لعصر الظهور المقدس ...
لما يمتلكونه من حجة ومعرفة بمجريات الأحداث من خلال
روايات الأئمة عليهم السلام التي تناولت العديد من السلوكيات
التي قد تحصل بينهم وبالتالي سيكون التمهيد عليهم حاصلاً
بمعناه الحقيقي باعتبار تمامية الحجة ووضوح الرؤية ومعرفة
سبل السير السليم الذي يقود لرضا المهدي الموعود عليه السلام
وقبوله للفرد ضمن الناجحين أو رفضه ولزوم تطهير الأرض
منه باعتباره فاشلاً في امتحان التمحيص الإلهي إلا أن تحصل
التوبة الفعلية منه قبل فوات الأوان .
من جملة الروايات التي تحدثت عن حدوث الاختلاف والفتن
بين الشيعة رواية عن أحمد بن محمد بن سعيد قال : حدثنا علي
ابن الحسن التيملي قال : حدثنا محمد وأحمد ابنا الحسن ، عن
أبيهما ، عن ثعلبة بن ميمون ، عن أبي كهمس عن عمران
ابن ميثم ، عن مالك بن ضمرة قال : قال أمير المؤمنين
عليه السلام : ( يا مالك بن ضمرة كيف أنت إذا اختلفت الشيعة
هكذا - وشبك أصابعه وأدخل بعضها في بعض - فقلت :
يا أمير المؤمنين ما عند ذلك من خير ، قال : الخير كله عند
ذلك ، يا مالك عند ذلك يقوم قائمنا فيقدّم سبعين رجلاً يكذبون
على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وآله ، فيقتلهم ، ثم يجمعهم
الله على أمر واحد " المصادر : الغيبة للنعماني :ص 206
ب 12 ح 11 - بشارة الإسلام : ص 48 ب 1 - عن النعماني .
واضح أن المقصود من قوله عليه السلام "ثم يجمعهم الله على
أمر واحد" أي الشيعة بعد ظهور المهدي عليه السلام والقضاء
على كل من يقف حجر عثرة في سبيل نشر الهدى وإقامة العدل
في الأرض .
كذلك عن الغيبة للنعماني : ص 209 - 210 ب 12 ح 17 -
يذكر : أخبرنا أبو سليمان أحمد بن هوذة بن أبي هراسة الباهلي
قال : حدثنا إبراهيم بن إسحاق النهاوندي قال : حدثنا عبد الله
ابن حماد الأنصاري ، عن صباح المزني ، عن الحارث
ابن حصيرة ، عن الأصبغ بن نباتة ، عن أمير المؤمنين
عليه السلام أنه قال : ( كونوا كالنحل في الطير ، ليس شيء
من الطير إلا وهو يستضعفها ، ولو علمت الطير ما في أجوافها
من البركة لم تفعل بها ذلك ، خالطوا الناس بألسنتكم وأبدانكم ،
وزايلوهم بقلوبكم وأعمالكم ، فوالذي نفسي بيده ما ترون ما
تحبون حتى يتفل بعضكم في وجوه بعض ، وحتى يسمّي
بعضكم بعضاً كذابين ، وحتى لا يبقى منكم - أو قال من
شيعتي - إلا كالكحل في العين ، والملح في الطعام ، وسأضرب
لكم مثلاً وهو مثل رجل كان له طعام فنقاه وطيبه ، ثم أدخله بيتاً
وتركه فيه ما شاء الله ، ثم عاد إليه فإذا هو قد أصابه السوس ،
فأخرجه ونقاه وطيبه ، ثم أعاده إلى البيت فتركه ما شاء الله ، ثم
عاد إليه فإذا هو قد أصابته طائفة من السوس فأخرجه ونقاه
وطيبه وأعاده ، ولم يزل كذلك حتى بقيت منه رزمة كرزمة
الأندر لا يضره السوس شيئاً ، وكذلك أنتم تميّزون حتى لا يبقى
منكم إلا عصابة لا تضرها الفتنة شيئاً! ) .
من هذه الرواية نستشف إلى أي مدى ستكون الفتن بين الشيعة
أنفسهم وإلى أي حدٍّ ستجري عليهم الامتحانات المركّزة بحيث لا
يبقى منهم إلا عصابة وهذه العصابة هي وحدها من ستحوز على
مرتبة التمهيد الأوفى والأكمل وبالتالي هي التي ستكون في مقدمة
من ينصر الإمام الموعود عليه السلام وكما وصفها أمير المؤمنين
عليه السلام بأنها عصابة لا تضرها الفتنة شيئاً .
وهذا يعني أن أفراد هذه العصابة لا ينحشرون ضمن أهل الفتن
ولا يتمرغون فيها فضلاً عن أن يكونوا ممن يذكون الفتن
أو ينجرّون إليها بحال .
ولو تمعنا في الرواية لوجدنا أن أمير المؤمنين عليه السلام يوجه
دعوة للمؤمنين بمزايلة الناس بالقلوب والأعمال والمقصود
بالناس هنا كل من تحوم حولهم فتنة من الفتن كبرت أو صغرت .
يلزم على كل مؤمن يهفو لفرج الإمام المهدي في آخر الزمان
أن ينفصل ويتميز عن هؤلاء الناس ولا يرتمي معهم في مهاوي
الفتن وإذا ما خالطهم يجب أن لا يؤثر ذلك على مساره وسلوكه
القلبي والعملي لا بقليل ولا بكثير وهذا هو معنى المزايلة
في قوله عليه السلام "زايلوهم".
وفي غيبة الطوسي : ص 207 - عن جعفر بن محمد بن مالك
الكوفي ، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب ، عن محمد بن
إسماعيل بن بزيع ، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأصم ، عن
عبد الرحمن بن سيابة ، عن عمران بن ميثم ، عن عباية بن
ربعي الأسدي ( قال : ) سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول :
( " كيف " أنتم إذا بقيتم بلا إمام هدى ، ولا علم يرى ،
يبرأ بعضكم من بعض ) .
هنا الرواية واضحة بشكل أكبر وأكثر عمقاً من سابقاتها كيف
أن الفتن التي تجري بين الشيعة بعضهم ببعض تصل إلى مستوى
تبري بعضهم من بعض وفي هذا إشارة إلى شدة العصف الفتنوي
فكما هو معلوم أنه من البعيد جداً أن يقدم فرد من أفراد المجتمع
على التبري من آخر في الحالات الاعتيادية إلا أن يكونوا يعانون
من فتن متلاحقة أودت إلى حدوث حالة من التخبط والتصادم
النفسي بين الأفراد بحيث لا يصبح هنالك مجال لقبول الآخر ثم
عدم التورع عن التبري منه .
وفي غيبة النعماني أيضاً (الطبعة القديمة) : ص 109 ب 12 -
حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد ، قال : حدثنا القاسم بن محمد بن
الحسين بن حازم ، قال : حدثنا عبيس بن هشام ، عن عبد الله بن
جبلة ، عن مسكين الرحّال ، عن علي بن أبي المغيرة ، عن
عميرة بنت نفيل ، قالت سمعت الحسن ( الحسين ) بن علي
عليهما السلام يقول : ( لا يكون الأمر الذي ينتظر حتى يبرأ
بعضكم من بعض ويتفل بعضكم في وجوه بعض فيشهد بعضكم
عن بعض بالكفر ، ويلعن بعضكم بعضاً . فقلت له ما في ذلك
الزمان من خير ، فقال الحسين (الحسن) عليه السلام : الخير كله
في ذلك الزمان يقوم قائمنا ، ويدفع ذلك كله ) .
وفي غيبة الطوسي : ص 206 - مرسلاً ، عن جابر الجعفي
قال : قلت لأبي جعفر : متى يكون فرجكم ؟ فقال : ( هيهات
هيهات ، لا يكون فرجنا حتى تغربلوا ثم تغربلوا ثم تغربلوا ،
يقولها ثلاثاً حتى يذهب الله تعالى الكدر ويبقي الصفو ) .
نلاحظ في الرواية ما قبل الأخيرة يجيب الإمام عليه السلام
بعد سؤاله ما في ذلك الزمان من خير ، فيقول : الخير كله
في ذلك الزمان ... إلى آخر الرواية .
قد يتبادر لذهن القارئ لهذه الرواية تصور ما وهو أن الإمام
ما دام يصف ذلك الزمان بأن الخير كله فيه فأكرم وأعظم به
وهذا غير صحيح فمقصد الإمام عليه السلام هو بما سيفعله
المهدي الموعود عليه السلام فيؤدي إلى إنهاء الفتن والمساوئ
التي ستجري بين الناس ومن ضمنهم الشيعة .
إذاً فهو ليس خيراً بذاته وإنما بظهور المهدي عليه السلام الذي
سيحيل الحياة إلى جنة بتطبيقه للتعاليم السماوية بالنحو الكامل
والشامل .
أما الرواية الأخيرة ففيها تبيان واضح ورد عن لسان الإمام
الباقر عليه السلام وكيف أن الشيعة يغربلون بحيث لا يبقى
منهم كدر إلا انتهى ويبقى الصفو وحده .
ولو دققنا أكثر في الرواية سنجد أن الشيعة كمصطلح أطلق
بشكل عام لأتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام بالمعنى العام
وبالنحو الإجمالي ولكن في حالة التمحيص وإجراء الامتحانات
فإنه لا يصدق إلا على المغربلين الصافين منهم وحسب .
بعد أن استعرضنا جملة من الروايات التي تناولت جانباً من الفتن
التي تجري بين الشيعة قبل الظهور المقدس للمهدي الموعود
عليه السلام ننتقل معاً إلى السبيل الأمثل الذي به ننجي أنفسنا من
السقوط في مهاوي الفتن والتخبط في أفانيها .
هنالك حكمة لأمير المؤمنين وسيد البلغاء والمتكلمين
علي بن أبي طالب عليه السلام يقول :
( كن في الفتنة كابن اللبون لا ظهر فيُركب ولا ضرع فيُحلب )
للفتنة أبحاث معمقة وطويلة ولكننا هنا لسنا في صدد تناول
مفاهيمها ولا أبحاثها إنما يهمنا هنا كيفية التعامل معها ولو
بشكل مبسط .
يقول أمير المؤمنين عليه السلام كن في الفتنة كابن اللبون
وابن اللبون هو ولد الناقة الذكر، الذي لم يقو ظهره على الركوب
وليس له ضرعٌ يُحلب منه .. وبالتالي فهو لا يقوم بأية خدمة .
هكذا يوجّهنا أمير المؤمنين عليه السلام بأن نكون كابن اللبون
في الفتن فلا نكون ظهراً يُركب فيستقوى بنا من أحد أطراف
الفتنة ولا ضرعاً فيُحلب والضرع في الناقة أما ابن اللبون فلا
ضرع له بعد لصغر سنه وبالتالي لا يعطي حليباً وهذا تشبيه
عميق جداً خصوصاً أن المشبَّه به والمخاطب هنا هو الإنسان
وكما نعلم أن الضرع في الإنسان بمثابة الثدي للمرأة الذي من
خلاله ترضع أولادها بالحليب وهذا يكلفها أحياناً التوقف عن
الصيام إذا ما أضرّ بوليدها إذ إن الحليب لا يأتي من فراغ بل
من خلال تغذيتها لنفسها ومن ثم يتحول الغذاء إلى دم ثم إلى
حليب سائغ يعتبر الأنفع والأصح لوليدها من أي شيء آخر
في الوجود وهذا الحليب في الحقيقة هو عصارة وجود هذه
المرأة . لأن أصله جاء من دمها وبالتالي يجب أن لا تفرط فيه
لشيء لا يستحق بل ستكون عاقبته المضرة لها ولمن حولها .
بهذا المعنى يريد أن يشير أمير المؤمنين عليه السلام ويوجه
في التعاطي مع الفتن فلا نكون ضرعاً مفتوحاً فيأتي كل من
هب ودب ليمتص منه الحليب وهذا الحليب هو دمنا وعصارة
وجودنا فكيف نعطيه للآخرين فيما لا يستحق وهو الفتنة .
والتي بدمنا وحليبنا الذي نؤتيه لأحد أطرافها نكون قد أمددناها
بالعمر والحياة .
ويزداد الأمر سوءاً في حال كان هذا الإنسان لا يعرف الحق
والأمور كلها مشتبهة عليه في هذه الحالة يجب عليه أن يقف
فوراً ومن دون أن يتقدم خطوة لأنه قد يؤدي بنفسه للتهلكة
من دون أن يشعر وكذلك يزيد من هلاك وتيه الآخرين .
ولأنه بتطعيمه لهذه الفتن سيزيد من أمد بقائها في عصر
غيبة الإمام المهدي أرواحنا لتراب مقدمه الفداء .
وإذا زاد من أمدها سيكون طرفاً في تسبيب هلاك عدد غفير
من الأفراد وبالتالي يصبح إثمه أكبر وحسابه عند الله تعالى
أشمل من نفسه من حيث العود بضرر الفتنة الأولي .
ومن يتسبب بإشغال أو إضلال أفراد المجتمع في أية فتنة
صغيرة كانت أو كبيرة فإنه يساهم في تمديد فترة الغيبة .
والمأمور به في عصر الغيبة من المنظار التمهيدي بحسب
ما جاء في الروايات الشريفة هو القضاء على الفتنة وتخليص
المجتمع منها لا إذكاء أوارها وتعميقها بين الأفراد .
لذا متى ما استطاع الفرد إلى ذلك سبيلاً فليبادر ما دام يأمن
على نفسه من التوغل في مستنقع الفتن وأهلها بشكل قطعي
أما إذا لم يكن قادراً على ذلك فيجب عليه شرعاً الابتعاد حتى
لو كان مستأمناً على نفسه إذ ليس كل فرد يمتلك الحكمة التي
بها يتمكن من السير خطوات في سبيل تشتيت الفتن وإنهائها
بل إن البعض لعدم تمتعه بالحكمة قد يصبح طرفاً في تأزيمها
وزيادتها وتقوية أواصرها وقد يُخشى أن لا ينجو منها فيكون
من الخاسرين ومن ثم أحد العناصر الذين سيعمل الإمام
المهدي عليه السلام على تطهير الأرض منهم حال ظهوره .
ومثل هذا لن يكون إقدامه في مصلحة التقريب لعصر الظهور
المقدس بل يؤدي إلى تأخيره وهذا ما لا ينبغي أن يكون من
الفرد المؤمن التائق لظهور وليه وإمامه المعصوم المنقذ
المخلص عليه السلام وفي هذه الحالة ابتعاده خير له وليس
العكس وهذا كافٍ فلا تلتبس عليه الأمور ويظن أنه يحسن
وهو يسيء لأن المسؤولية ساقطة عنه ما دام على غير سعة
وتمكن من إيتاء علاج يساهم في تنقية كل الكدورات التي
نتجت عنها هذه الفتنة أو تلك بين أفراد المجتمع .
55 : 10 pm
28 ــ 8 ــ 2011
بقلم : الثورة العالمية .
اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد وعجّل فرجهم يا كريم
السلوك المهدوي تجاه الفتن
ورد عن طرق أهل البيت عليهم السلام الكثير من الروايات
التي تشير إلى حدوث الفتن في عصر الغيبة الكبرى وهذه
الفتن منها ما هو عام يشمل البشرية جمعاء بما فيهم المسلمين
ومنها ما هو خاص .
أي إنه يجري بين الشيعة من أتباع مدرسة أهل البيت عليهم
السلام أنفسهم وهذه الفتن تصل إلى الحد الذي لا يبقى منهم
إلا الأندر فالأندر كما تعبر بعض الروايات .
والأندر : بضم الهمزة وفتح الدال هو الكدس
أو الكومة من القمح خاصة .
لا بأس هنا بالحديث عن طبيعة الفتن الجارية بين أهل الشيعة
الذين هم عماد التمهيد لعصر الظهور المقدس ...
لما يمتلكونه من حجة ومعرفة بمجريات الأحداث من خلال
روايات الأئمة عليهم السلام التي تناولت العديد من السلوكيات
التي قد تحصل بينهم وبالتالي سيكون التمهيد عليهم حاصلاً
بمعناه الحقيقي باعتبار تمامية الحجة ووضوح الرؤية ومعرفة
سبل السير السليم الذي يقود لرضا المهدي الموعود عليه السلام
وقبوله للفرد ضمن الناجحين أو رفضه ولزوم تطهير الأرض
منه باعتباره فاشلاً في امتحان التمحيص الإلهي إلا أن تحصل
التوبة الفعلية منه قبل فوات الأوان .
من جملة الروايات التي تحدثت عن حدوث الاختلاف والفتن
بين الشيعة رواية عن أحمد بن محمد بن سعيد قال : حدثنا علي
ابن الحسن التيملي قال : حدثنا محمد وأحمد ابنا الحسن ، عن
أبيهما ، عن ثعلبة بن ميمون ، عن أبي كهمس عن عمران
ابن ميثم ، عن مالك بن ضمرة قال : قال أمير المؤمنين
عليه السلام : ( يا مالك بن ضمرة كيف أنت إذا اختلفت الشيعة
هكذا - وشبك أصابعه وأدخل بعضها في بعض - فقلت :
يا أمير المؤمنين ما عند ذلك من خير ، قال : الخير كله عند
ذلك ، يا مالك عند ذلك يقوم قائمنا فيقدّم سبعين رجلاً يكذبون
على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وآله ، فيقتلهم ، ثم يجمعهم
الله على أمر واحد " المصادر : الغيبة للنعماني :ص 206
ب 12 ح 11 - بشارة الإسلام : ص 48 ب 1 - عن النعماني .
واضح أن المقصود من قوله عليه السلام "ثم يجمعهم الله على
أمر واحد" أي الشيعة بعد ظهور المهدي عليه السلام والقضاء
على كل من يقف حجر عثرة في سبيل نشر الهدى وإقامة العدل
في الأرض .
كذلك عن الغيبة للنعماني : ص 209 - 210 ب 12 ح 17 -
يذكر : أخبرنا أبو سليمان أحمد بن هوذة بن أبي هراسة الباهلي
قال : حدثنا إبراهيم بن إسحاق النهاوندي قال : حدثنا عبد الله
ابن حماد الأنصاري ، عن صباح المزني ، عن الحارث
ابن حصيرة ، عن الأصبغ بن نباتة ، عن أمير المؤمنين
عليه السلام أنه قال : ( كونوا كالنحل في الطير ، ليس شيء
من الطير إلا وهو يستضعفها ، ولو علمت الطير ما في أجوافها
من البركة لم تفعل بها ذلك ، خالطوا الناس بألسنتكم وأبدانكم ،
وزايلوهم بقلوبكم وأعمالكم ، فوالذي نفسي بيده ما ترون ما
تحبون حتى يتفل بعضكم في وجوه بعض ، وحتى يسمّي
بعضكم بعضاً كذابين ، وحتى لا يبقى منكم - أو قال من
شيعتي - إلا كالكحل في العين ، والملح في الطعام ، وسأضرب
لكم مثلاً وهو مثل رجل كان له طعام فنقاه وطيبه ، ثم أدخله بيتاً
وتركه فيه ما شاء الله ، ثم عاد إليه فإذا هو قد أصابه السوس ،
فأخرجه ونقاه وطيبه ، ثم أعاده إلى البيت فتركه ما شاء الله ، ثم
عاد إليه فإذا هو قد أصابته طائفة من السوس فأخرجه ونقاه
وطيبه وأعاده ، ولم يزل كذلك حتى بقيت منه رزمة كرزمة
الأندر لا يضره السوس شيئاً ، وكذلك أنتم تميّزون حتى لا يبقى
منكم إلا عصابة لا تضرها الفتنة شيئاً! ) .
من هذه الرواية نستشف إلى أي مدى ستكون الفتن بين الشيعة
أنفسهم وإلى أي حدٍّ ستجري عليهم الامتحانات المركّزة بحيث لا
يبقى منهم إلا عصابة وهذه العصابة هي وحدها من ستحوز على
مرتبة التمهيد الأوفى والأكمل وبالتالي هي التي ستكون في مقدمة
من ينصر الإمام الموعود عليه السلام وكما وصفها أمير المؤمنين
عليه السلام بأنها عصابة لا تضرها الفتنة شيئاً .
وهذا يعني أن أفراد هذه العصابة لا ينحشرون ضمن أهل الفتن
ولا يتمرغون فيها فضلاً عن أن يكونوا ممن يذكون الفتن
أو ينجرّون إليها بحال .
ولو تمعنا في الرواية لوجدنا أن أمير المؤمنين عليه السلام يوجه
دعوة للمؤمنين بمزايلة الناس بالقلوب والأعمال والمقصود
بالناس هنا كل من تحوم حولهم فتنة من الفتن كبرت أو صغرت .
يلزم على كل مؤمن يهفو لفرج الإمام المهدي في آخر الزمان
أن ينفصل ويتميز عن هؤلاء الناس ولا يرتمي معهم في مهاوي
الفتن وإذا ما خالطهم يجب أن لا يؤثر ذلك على مساره وسلوكه
القلبي والعملي لا بقليل ولا بكثير وهذا هو معنى المزايلة
في قوله عليه السلام "زايلوهم".
وفي غيبة الطوسي : ص 207 - عن جعفر بن محمد بن مالك
الكوفي ، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب ، عن محمد بن
إسماعيل بن بزيع ، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأصم ، عن
عبد الرحمن بن سيابة ، عن عمران بن ميثم ، عن عباية بن
ربعي الأسدي ( قال : ) سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول :
( " كيف " أنتم إذا بقيتم بلا إمام هدى ، ولا علم يرى ،
يبرأ بعضكم من بعض ) .
هنا الرواية واضحة بشكل أكبر وأكثر عمقاً من سابقاتها كيف
أن الفتن التي تجري بين الشيعة بعضهم ببعض تصل إلى مستوى
تبري بعضهم من بعض وفي هذا إشارة إلى شدة العصف الفتنوي
فكما هو معلوم أنه من البعيد جداً أن يقدم فرد من أفراد المجتمع
على التبري من آخر في الحالات الاعتيادية إلا أن يكونوا يعانون
من فتن متلاحقة أودت إلى حدوث حالة من التخبط والتصادم
النفسي بين الأفراد بحيث لا يصبح هنالك مجال لقبول الآخر ثم
عدم التورع عن التبري منه .
وفي غيبة النعماني أيضاً (الطبعة القديمة) : ص 109 ب 12 -
حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد ، قال : حدثنا القاسم بن محمد بن
الحسين بن حازم ، قال : حدثنا عبيس بن هشام ، عن عبد الله بن
جبلة ، عن مسكين الرحّال ، عن علي بن أبي المغيرة ، عن
عميرة بنت نفيل ، قالت سمعت الحسن ( الحسين ) بن علي
عليهما السلام يقول : ( لا يكون الأمر الذي ينتظر حتى يبرأ
بعضكم من بعض ويتفل بعضكم في وجوه بعض فيشهد بعضكم
عن بعض بالكفر ، ويلعن بعضكم بعضاً . فقلت له ما في ذلك
الزمان من خير ، فقال الحسين (الحسن) عليه السلام : الخير كله
في ذلك الزمان يقوم قائمنا ، ويدفع ذلك كله ) .
وفي غيبة الطوسي : ص 206 - مرسلاً ، عن جابر الجعفي
قال : قلت لأبي جعفر : متى يكون فرجكم ؟ فقال : ( هيهات
هيهات ، لا يكون فرجنا حتى تغربلوا ثم تغربلوا ثم تغربلوا ،
يقولها ثلاثاً حتى يذهب الله تعالى الكدر ويبقي الصفو ) .
نلاحظ في الرواية ما قبل الأخيرة يجيب الإمام عليه السلام
بعد سؤاله ما في ذلك الزمان من خير ، فيقول : الخير كله
في ذلك الزمان ... إلى آخر الرواية .
قد يتبادر لذهن القارئ لهذه الرواية تصور ما وهو أن الإمام
ما دام يصف ذلك الزمان بأن الخير كله فيه فأكرم وأعظم به
وهذا غير صحيح فمقصد الإمام عليه السلام هو بما سيفعله
المهدي الموعود عليه السلام فيؤدي إلى إنهاء الفتن والمساوئ
التي ستجري بين الناس ومن ضمنهم الشيعة .
إذاً فهو ليس خيراً بذاته وإنما بظهور المهدي عليه السلام الذي
سيحيل الحياة إلى جنة بتطبيقه للتعاليم السماوية بالنحو الكامل
والشامل .
أما الرواية الأخيرة ففيها تبيان واضح ورد عن لسان الإمام
الباقر عليه السلام وكيف أن الشيعة يغربلون بحيث لا يبقى
منهم كدر إلا انتهى ويبقى الصفو وحده .
ولو دققنا أكثر في الرواية سنجد أن الشيعة كمصطلح أطلق
بشكل عام لأتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام بالمعنى العام
وبالنحو الإجمالي ولكن في حالة التمحيص وإجراء الامتحانات
فإنه لا يصدق إلا على المغربلين الصافين منهم وحسب .
بعد أن استعرضنا جملة من الروايات التي تناولت جانباً من الفتن
التي تجري بين الشيعة قبل الظهور المقدس للمهدي الموعود
عليه السلام ننتقل معاً إلى السبيل الأمثل الذي به ننجي أنفسنا من
السقوط في مهاوي الفتن والتخبط في أفانيها .
هنالك حكمة لأمير المؤمنين وسيد البلغاء والمتكلمين
علي بن أبي طالب عليه السلام يقول :
( كن في الفتنة كابن اللبون لا ظهر فيُركب ولا ضرع فيُحلب )
للفتنة أبحاث معمقة وطويلة ولكننا هنا لسنا في صدد تناول
مفاهيمها ولا أبحاثها إنما يهمنا هنا كيفية التعامل معها ولو
بشكل مبسط .
يقول أمير المؤمنين عليه السلام كن في الفتنة كابن اللبون
وابن اللبون هو ولد الناقة الذكر، الذي لم يقو ظهره على الركوب
وليس له ضرعٌ يُحلب منه .. وبالتالي فهو لا يقوم بأية خدمة .
هكذا يوجّهنا أمير المؤمنين عليه السلام بأن نكون كابن اللبون
في الفتن فلا نكون ظهراً يُركب فيستقوى بنا من أحد أطراف
الفتنة ولا ضرعاً فيُحلب والضرع في الناقة أما ابن اللبون فلا
ضرع له بعد لصغر سنه وبالتالي لا يعطي حليباً وهذا تشبيه
عميق جداً خصوصاً أن المشبَّه به والمخاطب هنا هو الإنسان
وكما نعلم أن الضرع في الإنسان بمثابة الثدي للمرأة الذي من
خلاله ترضع أولادها بالحليب وهذا يكلفها أحياناً التوقف عن
الصيام إذا ما أضرّ بوليدها إذ إن الحليب لا يأتي من فراغ بل
من خلال تغذيتها لنفسها ومن ثم يتحول الغذاء إلى دم ثم إلى
حليب سائغ يعتبر الأنفع والأصح لوليدها من أي شيء آخر
في الوجود وهذا الحليب في الحقيقة هو عصارة وجود هذه
المرأة . لأن أصله جاء من دمها وبالتالي يجب أن لا تفرط فيه
لشيء لا يستحق بل ستكون عاقبته المضرة لها ولمن حولها .
بهذا المعنى يريد أن يشير أمير المؤمنين عليه السلام ويوجه
في التعاطي مع الفتن فلا نكون ضرعاً مفتوحاً فيأتي كل من
هب ودب ليمتص منه الحليب وهذا الحليب هو دمنا وعصارة
وجودنا فكيف نعطيه للآخرين فيما لا يستحق وهو الفتنة .
والتي بدمنا وحليبنا الذي نؤتيه لأحد أطرافها نكون قد أمددناها
بالعمر والحياة .
ويزداد الأمر سوءاً في حال كان هذا الإنسان لا يعرف الحق
والأمور كلها مشتبهة عليه في هذه الحالة يجب عليه أن يقف
فوراً ومن دون أن يتقدم خطوة لأنه قد يؤدي بنفسه للتهلكة
من دون أن يشعر وكذلك يزيد من هلاك وتيه الآخرين .
ولأنه بتطعيمه لهذه الفتن سيزيد من أمد بقائها في عصر
غيبة الإمام المهدي أرواحنا لتراب مقدمه الفداء .
وإذا زاد من أمدها سيكون طرفاً في تسبيب هلاك عدد غفير
من الأفراد وبالتالي يصبح إثمه أكبر وحسابه عند الله تعالى
أشمل من نفسه من حيث العود بضرر الفتنة الأولي .
ومن يتسبب بإشغال أو إضلال أفراد المجتمع في أية فتنة
صغيرة كانت أو كبيرة فإنه يساهم في تمديد فترة الغيبة .
والمأمور به في عصر الغيبة من المنظار التمهيدي بحسب
ما جاء في الروايات الشريفة هو القضاء على الفتنة وتخليص
المجتمع منها لا إذكاء أوارها وتعميقها بين الأفراد .
لذا متى ما استطاع الفرد إلى ذلك سبيلاً فليبادر ما دام يأمن
على نفسه من التوغل في مستنقع الفتن وأهلها بشكل قطعي
أما إذا لم يكن قادراً على ذلك فيجب عليه شرعاً الابتعاد حتى
لو كان مستأمناً على نفسه إذ ليس كل فرد يمتلك الحكمة التي
بها يتمكن من السير خطوات في سبيل تشتيت الفتن وإنهائها
بل إن البعض لعدم تمتعه بالحكمة قد يصبح طرفاً في تأزيمها
وزيادتها وتقوية أواصرها وقد يُخشى أن لا ينجو منها فيكون
من الخاسرين ومن ثم أحد العناصر الذين سيعمل الإمام
المهدي عليه السلام على تطهير الأرض منهم حال ظهوره .
ومثل هذا لن يكون إقدامه في مصلحة التقريب لعصر الظهور
المقدس بل يؤدي إلى تأخيره وهذا ما لا ينبغي أن يكون من
الفرد المؤمن التائق لظهور وليه وإمامه المعصوم المنقذ
المخلص عليه السلام وفي هذه الحالة ابتعاده خير له وليس
العكس وهذا كافٍ فلا تلتبس عليه الأمور ويظن أنه يحسن
وهو يسيء لأن المسؤولية ساقطة عنه ما دام على غير سعة
وتمكن من إيتاء علاج يساهم في تنقية كل الكدورات التي
نتجت عنها هذه الفتنة أو تلك بين أفراد المجتمع .
55 : 10 pm
28 ــ 8 ــ 2011
بقلم : الثورة العالمية .