هو الحق
03-06-2010, 11:35 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
العلاقة بين الامام والمأمومين .
ـــــــــــــــ
فرض الله سبحانه وتعالى على عباده عبادته , ووضع فيها السعادة والهناء في الدنيا والاخرة , فأما الاخرة فأنما أعدت للمتقين الأبرار, والصابرين الأخيار الذين واصلوا العبادة بالليل والنهار , حتى كانوا لها مستحقين ولدرجاتها متحملين , وعلى حب الله عزوجل متحملين ( فلا تعلم نفس ما أخفي لها من قرة أعين جزاءا بما كانوا يعلمون )
وأما في الدنيا فأن شريعة الله هي القانون الخالد , والطريق الواضح , اللائح , الخالي من الانحرافات والاعوجاجات والهفوات , ينظم لنا جوانب الحياة , ويعلمنا طريق العيش والتعايش مع الآخرين بسلام وإطمئنان . ومن أجل هذا كله فرض الله علينا ذكره , قال جل جلاله :
( فأذكروني أذكركم وإشكروا لي ولا تكفرون )
ومن مصاديق هذا الذكر الآلهي العظيم هي صلوات الجمعة المباركة التي تقام في أكثر مناطق العراق والعالم الاسلامي , فهي أفواه ناطقة بذكر الله , مذكرة بأمره , ملؤها الموعظة وسبيلها الهداية والرشاد , وإخراج الأمة من الضلال , والحفاظ على الهدى فيها بالتذكر والحث على المواصلة في طاعة الله , والحفاظ على عقائدها من الانحراف والاعوجاج الذي تحاول الكثير من الجهات الشيطانية النيل منه , وإبعادها عنه بشتى الطرق الخبيثة , وتصرف في ذلك الأموال الطائلة وتجند الكثير من الطاقات , وتشترى بأموال السحت والحرام الكثير من الضمائر الحقيرة والمريضة .
ومن هنا كان لزاماً علينا أن نعي هذا الوضع ونعرف أبعاد الفتنة , ونحصن أنفسنا وعقولنا بالعلم الذي أراده الله لنا , والطريق المثلى التي سنها الله لنا , وهي شريعة رسوله الكريم وحبيبه العظيم محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فما من واقعة إلا ولها حكم
( فأسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) .
وقد فتح الله لنا هذه الجمعات لكي نسمع بها الذكر ماتطمئن به قلوبنا وتهتدي به عقولنا :
( ألا بذكر الله تطمئن القلوب )
ونأخذ من إمام الجمعة مانصلح به شأننا , ونرشد به ديننا وآخرتنا , ونعرف به عدونا من صديقنا , ورغم ان هذا حاصل ان شاء الله , ومطبق بعون الله , إلاّ إننا نسمع من أهل الجمعات , نسمع منهم مايعكر صفو المودة ويحطم عرى الاتصال الروحي بين الامام والمأمومين ويوغل الصدر حزناً وأسىً , ورغم إنّ هذه الاعتراضات المتبادلة ( ولا نسميها غير ذلك ) مستمرة , ولا نظن إنها ستنقطع بالأمد القريب ومع شديد الأسف , إلا ّ أن النزر اليسير منها ماهو حق , وإلا ّ فالأكثر منها ناشئة من حب الذات وطلب الدنيا , والنظر الى الشكليات وحب التعالي والتكبر على الآخرين , وسوء فهم , وتدني الثقافة وقلة الاطلاع والوعي الاسلامي الحقيقي الثابت , وما أكثر الذين يتصيدون في الماء العكر , وللأسف إجتمعوا على باطلهم وإختلفنا على حقنا .
فالأمام لابد له أن يكون قاصداً لما يقول , ومدققاً ومحققاً في أقواله , ثابت العزم والجنان على هدى الرحمن , عاقد العزم على الهدى والتذكير , بيّن التعبير , سليم الفكرة , بعيد النظرة , واسع الاطلاع , حريص على المؤمنين , مفارق لأخلاق الظالمين , يكلم الناس على قدر مايتحملون , ويوجز في غير جهالة , ويطيل في غير ملالة , بذكر الائمة والحق وأولياؤه , فأنهم لأجل الله وحده واقفون , ولأجل الله وحده يتعبدون , ولأجل الله وحده فليصدع الصاعدون , ولأجل الله وحده فليهتد المهتدون , فسبحانه وتعالى على مايشركون .
كل هذا صحيح إلا ّ أنه من الصعب على إمام الجمعة أن يكون على هذا الشكل المتسامي القريب من العصمة , إلا ّ أنه عليه المحاولة والجد والصبر في طلب ذلك ما إستطاع , والله الموفق والمسدد للخطوات .
وبالمقابل نجد إنّ المأمومين يريدون إمام جمعتهم على مايشتهون ويتمنون , وكأن الأمر متروك لهم , فيتصيدون له العيوب بظنهم , ويحاسبونه على ما يحاسب عليه , أو ما لا يحاسب , ولو حاسبوا أنفسهم لكان أجدى لهم , لا يفرقون بين ماهو لهم , وما هو عليهم , ويريدونه أنيحاكي آمالهم ويداعب أحلامهم , ويرضي صغيرهم وكبيرهم , ويتكلم على مرامهم, ويسمعون منه ما يحبون ويتركون ما يكرهون الى آخر ما لا وجه له وسبيل إليه .
فكان الأجدى والأجدر بالمؤمنين أن يرضوا الله سبحانه وتعالى , بدل أن يرضوا أنفسهم في تشهي الخطب السمان , والألفاظ البراقة الخالية من المضمون والمعنى .
كان الأجدى والأجدر بالمؤمنين أن يصغوا الى الموعظة بآذانهم , ويفسحوا لذكر الله قلوبهم , بدل أن يتصيدوا الأخطاء النحوية والبلاغية لأمام الجمعة .
صحيح إنّ الأجدر بالأمام أن يكون بليغاً , قليل اللحن في الكلام , إلا ّ أنّ الأجدى بالمؤمنين أن يفهموا الموعظة منه , لأنّ الموعظة قد تكون من غير صوت أو كلام , فقد تكون الموعظة من منظر حبة بر تحملها دابة صغيرة سوداء على صخرة صماء , وقد تكون الموعظة في صوت حيوان كصياح الديك , فقد ورد عن الامام ( عليه السلام ) مامضمونه :
إن الديك إذا صاح قال ( سبوح قدوس ربنا ورب الملائكة والروح )
فهّلا ذكرتم الله ؟ إذكروا الله كثيراً وسبحّوه بكرة وأصيلاً , والخطبة وإن كانت أمراً مهماً في صلاة الجمعة , إلا ّ أنها ليست كل الصلاة بل هي جزء منها , وليس الواجب منها , إلا ّ الحمد والثناء والصلاة على محمد وآله , والأمر بالتقوى وسورة من القرآن , فلو قالها الامام لكفى ولبرئت ذمته وذمة المأمومين , وكل مايقوله أكثر من ذلك فهو تفضل منه وحرص منه على فائدة السامعين وهداية المؤمنين .
وليست الخطبة منتدى أدبي لعرض المواهب الأدبية والثقافية , وإلا ّ لكانت رياءاً وشركاً والعياذ بالله , ولا يشترط فيها الفصحى ولا العربية إلا ّ في الواجب منها كما أسلفت قبل قليل .
إنما هي فتنة فلا تكفروا يريدون بها إضلالكم وإبعادكم عن ذكر الله وإقامة الصلاة , فهل أنتم منتهون ؟
والحمد لله وحده .
ـــــــــــــ
السيد الشهيد مصطفى الصدر ( قدس سره )
نشرت في 15/جمادي الأول/1419هجرية , في العدد الخامس من مجلة الهدى
التي صدرت آنذاك عن الحوزة العلمية الشريفة في النجف الأشرف .
العلاقة بين الامام والمأمومين .
ـــــــــــــــ
فرض الله سبحانه وتعالى على عباده عبادته , ووضع فيها السعادة والهناء في الدنيا والاخرة , فأما الاخرة فأنما أعدت للمتقين الأبرار, والصابرين الأخيار الذين واصلوا العبادة بالليل والنهار , حتى كانوا لها مستحقين ولدرجاتها متحملين , وعلى حب الله عزوجل متحملين ( فلا تعلم نفس ما أخفي لها من قرة أعين جزاءا بما كانوا يعلمون )
وأما في الدنيا فأن شريعة الله هي القانون الخالد , والطريق الواضح , اللائح , الخالي من الانحرافات والاعوجاجات والهفوات , ينظم لنا جوانب الحياة , ويعلمنا طريق العيش والتعايش مع الآخرين بسلام وإطمئنان . ومن أجل هذا كله فرض الله علينا ذكره , قال جل جلاله :
( فأذكروني أذكركم وإشكروا لي ولا تكفرون )
ومن مصاديق هذا الذكر الآلهي العظيم هي صلوات الجمعة المباركة التي تقام في أكثر مناطق العراق والعالم الاسلامي , فهي أفواه ناطقة بذكر الله , مذكرة بأمره , ملؤها الموعظة وسبيلها الهداية والرشاد , وإخراج الأمة من الضلال , والحفاظ على الهدى فيها بالتذكر والحث على المواصلة في طاعة الله , والحفاظ على عقائدها من الانحراف والاعوجاج الذي تحاول الكثير من الجهات الشيطانية النيل منه , وإبعادها عنه بشتى الطرق الخبيثة , وتصرف في ذلك الأموال الطائلة وتجند الكثير من الطاقات , وتشترى بأموال السحت والحرام الكثير من الضمائر الحقيرة والمريضة .
ومن هنا كان لزاماً علينا أن نعي هذا الوضع ونعرف أبعاد الفتنة , ونحصن أنفسنا وعقولنا بالعلم الذي أراده الله لنا , والطريق المثلى التي سنها الله لنا , وهي شريعة رسوله الكريم وحبيبه العظيم محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فما من واقعة إلا ولها حكم
( فأسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) .
وقد فتح الله لنا هذه الجمعات لكي نسمع بها الذكر ماتطمئن به قلوبنا وتهتدي به عقولنا :
( ألا بذكر الله تطمئن القلوب )
ونأخذ من إمام الجمعة مانصلح به شأننا , ونرشد به ديننا وآخرتنا , ونعرف به عدونا من صديقنا , ورغم ان هذا حاصل ان شاء الله , ومطبق بعون الله , إلاّ إننا نسمع من أهل الجمعات , نسمع منهم مايعكر صفو المودة ويحطم عرى الاتصال الروحي بين الامام والمأمومين ويوغل الصدر حزناً وأسىً , ورغم إنّ هذه الاعتراضات المتبادلة ( ولا نسميها غير ذلك ) مستمرة , ولا نظن إنها ستنقطع بالأمد القريب ومع شديد الأسف , إلا ّ أن النزر اليسير منها ماهو حق , وإلا ّ فالأكثر منها ناشئة من حب الذات وطلب الدنيا , والنظر الى الشكليات وحب التعالي والتكبر على الآخرين , وسوء فهم , وتدني الثقافة وقلة الاطلاع والوعي الاسلامي الحقيقي الثابت , وما أكثر الذين يتصيدون في الماء العكر , وللأسف إجتمعوا على باطلهم وإختلفنا على حقنا .
فالأمام لابد له أن يكون قاصداً لما يقول , ومدققاً ومحققاً في أقواله , ثابت العزم والجنان على هدى الرحمن , عاقد العزم على الهدى والتذكير , بيّن التعبير , سليم الفكرة , بعيد النظرة , واسع الاطلاع , حريص على المؤمنين , مفارق لأخلاق الظالمين , يكلم الناس على قدر مايتحملون , ويوجز في غير جهالة , ويطيل في غير ملالة , بذكر الائمة والحق وأولياؤه , فأنهم لأجل الله وحده واقفون , ولأجل الله وحده يتعبدون , ولأجل الله وحده فليصدع الصاعدون , ولأجل الله وحده فليهتد المهتدون , فسبحانه وتعالى على مايشركون .
كل هذا صحيح إلا ّ أنه من الصعب على إمام الجمعة أن يكون على هذا الشكل المتسامي القريب من العصمة , إلا ّ أنه عليه المحاولة والجد والصبر في طلب ذلك ما إستطاع , والله الموفق والمسدد للخطوات .
وبالمقابل نجد إنّ المأمومين يريدون إمام جمعتهم على مايشتهون ويتمنون , وكأن الأمر متروك لهم , فيتصيدون له العيوب بظنهم , ويحاسبونه على ما يحاسب عليه , أو ما لا يحاسب , ولو حاسبوا أنفسهم لكان أجدى لهم , لا يفرقون بين ماهو لهم , وما هو عليهم , ويريدونه أنيحاكي آمالهم ويداعب أحلامهم , ويرضي صغيرهم وكبيرهم , ويتكلم على مرامهم, ويسمعون منه ما يحبون ويتركون ما يكرهون الى آخر ما لا وجه له وسبيل إليه .
فكان الأجدى والأجدر بالمؤمنين أن يرضوا الله سبحانه وتعالى , بدل أن يرضوا أنفسهم في تشهي الخطب السمان , والألفاظ البراقة الخالية من المضمون والمعنى .
كان الأجدى والأجدر بالمؤمنين أن يصغوا الى الموعظة بآذانهم , ويفسحوا لذكر الله قلوبهم , بدل أن يتصيدوا الأخطاء النحوية والبلاغية لأمام الجمعة .
صحيح إنّ الأجدر بالأمام أن يكون بليغاً , قليل اللحن في الكلام , إلا ّ أنّ الأجدى بالمؤمنين أن يفهموا الموعظة منه , لأنّ الموعظة قد تكون من غير صوت أو كلام , فقد تكون الموعظة من منظر حبة بر تحملها دابة صغيرة سوداء على صخرة صماء , وقد تكون الموعظة في صوت حيوان كصياح الديك , فقد ورد عن الامام ( عليه السلام ) مامضمونه :
إن الديك إذا صاح قال ( سبوح قدوس ربنا ورب الملائكة والروح )
فهّلا ذكرتم الله ؟ إذكروا الله كثيراً وسبحّوه بكرة وأصيلاً , والخطبة وإن كانت أمراً مهماً في صلاة الجمعة , إلا ّ أنها ليست كل الصلاة بل هي جزء منها , وليس الواجب منها , إلا ّ الحمد والثناء والصلاة على محمد وآله , والأمر بالتقوى وسورة من القرآن , فلو قالها الامام لكفى ولبرئت ذمته وذمة المأمومين , وكل مايقوله أكثر من ذلك فهو تفضل منه وحرص منه على فائدة السامعين وهداية المؤمنين .
وليست الخطبة منتدى أدبي لعرض المواهب الأدبية والثقافية , وإلا ّ لكانت رياءاً وشركاً والعياذ بالله , ولا يشترط فيها الفصحى ولا العربية إلا ّ في الواجب منها كما أسلفت قبل قليل .
إنما هي فتنة فلا تكفروا يريدون بها إضلالكم وإبعادكم عن ذكر الله وإقامة الصلاة , فهل أنتم منتهون ؟
والحمد لله وحده .
ـــــــــــــ
السيد الشهيد مصطفى الصدر ( قدس سره )
نشرت في 15/جمادي الأول/1419هجرية , في العدد الخامس من مجلة الهدى
التي صدرت آنذاك عن الحوزة العلمية الشريفة في النجف الأشرف .