هو الحق
01-11-2011, 11:06 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
حبيبي صلاة الجمعة مؤيدة بتأييد الله .
ــــــــ
الجمعة الاولى لسماحة القائد أعزه الله .
مسجد الكوفة المعظم 9صفر الخير 1424 هجرية
ــــــــ
أعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم
توكلت على الله رب العالمين
وصلى الله على خير خلقه محمد واله اجمعين
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مرَّت علينا قبل أيّام ذكرى استشهاد المَرجع الديني والمُفكّر الإسلامي الكبير السيّد الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر، فلنقرأ سورة الفاتحة على أرواح شهداء الحوزة الناطقة وبالخصوص إلى روح السيد الشهيد ونجليه مسبوقة بالصلاة على محمد وال محمد .
(اللهم صل على محمد وال محمد) .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
))الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِم غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ)) صدق الله العلي العظيم (الفاتحة)
كما ادى السيد الوالد الطاعة لولي الامر (عج) ، فنقول وقولوا معي :
نعم نعم للمهدي
نعم نعم للحجة
لبيك لبيك يامهدي
ونقول ايضاً :
نعم نعم للجمعة
ونقولها ثانياً لمنكري صلاة الجمعة .
نعم نعم للجمعة
كما مدَّ السيد الوالد (قدس سره ) يده الى بعض الاطراف، فأنا أمدّ يَدي الى كلّ مَن خرج عنْ خَطه وحَوزته ومَكتبه، واُطالبه بالرُّجوع اليه خدمة للمذهب وللحوزة الشريفة .
وقبل البدء بالخطبة، اُريد أنْ أقول إنّني أستنكِر من هنا وبشِدّة ومِن هذا المِنبر المُقدَّس ماحَصل في الأمس في مَرقد الإمام أمير المؤمنين (ع) مِن هَتكٍ لحُرمَتِه، فيجبُ أنْ لا يتكرَّر ذلك .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أبتدء الخطبة بدعاء الافتتاح كما فعل السيّد الوالد (قدس سره)
بسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
) أللهم إنّي أفتتح الثناء بحمدك، وأنت مُسددٌ للصواب بمَنِّك، وأيقنتُ أنّك أنت أرحم الراحمين في مَوضع العَفو والرحمة، وأشدّ المُعاقبين في مَوضع النَّكال والنَّقمة، وأعظمُ المُتجبِّرين في مَوضع الكبرياء والعَظمة، أللهم أذِنتَ لي في دُعائك ومَسألتِك، فاسمعْ ياسميع مِدحَتي، وأجبْ يا رحيم دعوتي، وأقِلْ ياغفور عثرتي، فكم يا إلهي من كُربة قد فرَّجتها، وهُموم قد كشفتها وعَثرة قد أقَلتَها، ورَحمةٍ قد نَشرتَها، وحَلقةِ بلاءٍ قد فَككتها، الحمد لله الذي لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً و لم يكنْ له شريكٌ في المُلك ولم يكنْ له وليٌّ من الذلِّ وكبِّرْه تكبيراً، الحمد لله بجميع مَحامده كُلها على جميع نِعمِه كلها، الحمد لله الذي لا مُضادّ له في مُلكه ولا مُنازع له في أمره، الحمد لله الذي لا شريك له في خلقه، ولا شبيه له في عظمته، الحمد لله الفاشي في الخلق أمرُه وحمدُه، الظاهر في الكرم مَجدُه، الباسط في الجُود يدَه، الذي لاتَنقصُ خزائنُه ولا تزيده كثرةُ العطاء إلاّ جُودأ وكَرماً، إنّه هو العزيز الوهاب، أللهم إنّي أسألك قليلاً من كثير مع حاجة بي إليه عظيمة، وغِناك عنه قديم، وهو عِندي كثير، وهو عليك سَهلٌ يسير، أللهمّ إنّ عَفوك عن ذنبي، وتجاوزك عن خطيئتي، وصَفحَك عَن ظلمي، وسترَك على قبيح عَملي، وحِلمَك عن كثير جُرمي، عندما كان من خَطأي وعَمدي، أطمعني في أنْ أسألك مالا أستوجبُه مِنك، الذي رَزقتني في رحمتك، وأريتَني من قُدرتك، وعرَّفتني مِن إجابتك، فصِرتُ أدعوك آمناً، وأسألكَ مُستأنِساً لاخائفاً ولا وَجِلاً، مُدِلاً عليك فيما قصدتُ فيه إليك، فإنْ أبطأ عَني عتبتُ بجَهلي عليك، ولعلّ الذي أبطأ عني هو خير لي لعِلمِك بعاقبة الاُمور، فلم أرَ مَولىً كريماً أصبر على عبد لئيم مِنك عليّ يارب، إنّك تدعوني فاُولي عنك، وتتحبَّب إليَّ فاتبغّضُ إليك، وتتودَّدُ إليّ فلا أقبلُ مِنْك، كأنّ ليَ التطوُّلَ عليك، فلم يَمنَعك ذلك مِن الرحمة لي، والإحسان إليّ، والتفضّلَ عليّ، بجُودك وكَرمِك، فارحمْ عَبدَك الجاهل، وجُدْ عليه بفضل إحسانك، إنّك جوادٌ كريم، أللهمّ صلِّ على محمد عبدك ورسولك وأمينك وصَفيِّك وحَبيبك وخِيرتِك مِن خلقِك وحافظ سِرِّك ومُبلغ رسالاتِك، أفضل وأحسن وأجمل وأكمل وأزكى وأنمى وأطيب وأطهروأسمى وأكثر ما صليتَ وباركتَ وترحّمتَ وتحنّنتَ وسَلمتَ على أحدٍ من عبادك وأنبيائك ورُسلك وصَفوتِك وأهل الكرامة عليك مِن خلقك، أللهم وصَلِّ على علي أمير المؤمنين ووَصيّ رسول ربِّ العالمين عبدِك ووليِّك وأخي رسولك وحُجَّتك على خلقك وآيتك الكُبرى والنَّبأ العظيم، وصَلِّ على الصديقة الطاهرة، فاطمة سيدة نساء العالمين، وصلِّ على سِبطيّ الرحمة، وإمامي الهُدى، الحسن والحسين، سَيدَيّ شباب أهل الجنّة، وصلّ على أئمة المسلمين، علي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي والخلف الهادي المهدي، حُجَجك على عبادك، واُمنائك في بلادك، صلاة كثيرة دائمة، أللهم وصَلِّ على وليِّ أمرك القائم المُؤمَّل والعَدل المُنتظر، وحُفّه بملائكتك المُقربين، وأيّدهُ برُوح القُدُس ياربّ العالمين، أللهم اجعله الدَّاعي الى كتابك والقائِم بدينك، إستخلفه في الأرض كما استخلفتَ الذين من قبله، مَكِّن له دينه الذي ارتضيتَه له، أبدله مِنْ بعد خَوفه أمناً يعبدُك لا يُشرك بك شيئاً، أللهمّ أعِزَّه وأعزِزْ به، وانصُره وانتصر به، وانصُره نَصراً عزيزاً وافتَح له فتحاً يسيراً، واجعلْ له من لدُنْك سُلطاناً نصيراً، أللهم أظهر به دِينك وسُنّة نبيك، حتى لا يَستخفِي بشيء مِن الحق مَخافة أحَد مِن الخَلق، أللهم إنّا نَرغَب إليك في دَولة كريمة، تُعِزُّبها الاسلام وأهله، (قولوا معي رجاءاً) ( أللهم إنّا نرغبُ إليك في دولة كريمة، تُعِزُّ بها الاسلام وأهله، وتُذِلُّ بها النِّفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدُّعاة إلى طاعتك، والقادة الى سبيلك، وتَرزُقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة) .
لا بُدَّ لنا في هذه الجمعة أنْ نَأخُذَ أهمَّ المواضيع وأكثرها شُيوعاً بين المجتمع العراقي، بل في العالم كُله، فإنّ لكلّ شيء عِبرة ولكلّ شيء فائدة قال تعالى: (( لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)) (الأعراف: من الآية176)، (( لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ)) (الانبياء: من الآية31) وغيرها كثير، والأهم في الساحة العالمية وكما يصطلحون عليه في اللغة الحديثة (حديث الساعة ) هو مَقتل واستشهاد وليِّ أمرنا ومَرجعنا السيد الصدر (قدس سره)، ففي هذا الحدث أكثر من جانب واحد ولا أقل من جانبين:
الجانب الاول: الجانب الاُخروي، وهذا الجانب على مُستويين :
المستوى الاول: مستوى شخصي، ويُمكن تَسميته بالجانب الباطني أيضاً كما هو واضح حيث إنّ استشهاده لم يَكنْ فيه سلبية قَط بل قد رُفِعَ في أعلى درجات الجنان، في حظيرة مُقدَّسة لا يَنالها إلاّ ذو حظٍ عظيم، بين أجدادِه الكِرام البَرَرة وبها أذهب الله عنهُ الرِّجس وطهَّره تطهيراً، فإنّ مامن شهيد إلاّ وطهُرَتْ نفسه ورُفِعَت رُوحُه بالاستشهاد وذاق طعمَ حلاوة القُرب وبَردَ اليقين وحصلَ على كأس شرب منها شُربة لا يظمأ بعدها أبداً كأس جدِّه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وحصل على اُمور قد تطرُق بالنا نحن القاصرون، الغارقون بالذنوب، فلذا لا أريد أن اُطيل الحديث بهذا المستوى في الذات، إنّه ولي التوفيق .
المستوى الثاني: المستوى العام، أو مستوى المجتمع، حيث إنّه كان استشهاده (قدس سره) ذا فائدة لجميع الناس عُموماً وللمجتمع خُصوصاً كما وَرد (أللهمّّّ تقبّّل مِنّا هذا القُربان) .
فإنّ المجتمع كان بحاجة الى التضحية، ولم يكنْ يريد أنْ يُضحِّي بمُخلصيه وأتباعِه ومُقلديه ومُحبيه فلذا ضحَّى بنفسه وَوُلـْدِه، جزاه الله عن الاسلام والمسلمين خير جزاء المحسنين، ومِن ضِمن الجانب الاُخروي، إنّ الشهادة هي الرِّفعة فيُمكِن القول ((وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً)) (مريم:57)، وقال تعالى ((وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)) (آل عمران:169).
فإذن هوحيٌّ بيننا، نحسُّ به ويحسُّّّ بنا، يسَعُنا بأنفاسه الطيّبة ونسَعُه بقلوبنا المُفعَمَة بالحُبِِِّ والوفاء والولاء، نسأل الله حُسن العاقبة، وصدق الشاعر عندما قال :
الموت حقٌ ولكن ِالفِراق عَسيرُ
وهو (قدس سره) حصل على مُراده، حيث قال في إحدى أبياته الشعرية :
إنّني لا أهوى قصوراً ومُروراً في حياتي إنّني أهوى مُرادي ومُرادي لا يَصيرُ
ومُراده هو الرفعة الإلهية والتكامل في الدنيا والآخرة، حيث قال أحد الشعراء الذين قرأوا قصائدهم أمامه :
أمّا حياة في ذرى الاسلام أو تحت الثرى إذ تلتقي رَحمانها
وقال الشاعر : لنا الصدرُ من دون العالمين أو القبر.
وكما قال إمامنا الحسين (ع): ( خُيّرتُ مابين السّلة والذلة وهيهات مِنّا الذلة .(
ويمكن القول بأنّه وكما ورد (كُتِبَت علينا الشهادة) والضمير بطبيعة الحال راجعٌ الى المعصومين (عليهم السلام) بطبيعة الحال ولكن أرجو الالتفات الى أنّ السيد الوالد (قدس سره) قد قسَّمَ المعصوم الى قسمين :
الاول: المعصوم بالعصمة الأوّلية، وهم يبدؤون مِن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) وينتهون بالمهدي (عج) وهذا مِمّا لا يخفى، حيث إنّ الله ما خلق سماء ولا أرض ولا بينهما إلاّ مِن أجلهم (عليهم السلام).
الثاني: المعصوم بالعصمة الثانوية، وهو مَنْ وصَلَ الى العصمة عن طريق الكَسب، وهم غير مُعينين لوصح التعبير، وقد يُصطلح على هذا القِسم بالعصمة المُكتسبة، إذاً فالضمير في (كُتبتْ علينا الشهادة) راجعٌ الى كِلا القسمين وذلك لعدة اُمور منها :
أولاً: رُجوعها الى أحد القسمين دون الآخر ترجيح بلامُرجّح وهو قبيح عَقلاً ونَقلاً كما لايَخفى على كثيرين، فإنّ تخصيصه بأحدهم يَحتاج الى دليل، ولا دليل، إذاً فهو يعمُّ كِلا القسمين .
ثانياً: التجريد عن الخصوصية وهو إنّه لا خصوصية في المعصوم بالعصمة الأولية وإنّما كُتبتْ عليه الشهادة لأنّه مَعصوم فإنّ كلّ مَعصوم يُمكن أنْ يكون كذلك حتى ولو كان في العصمة الثانوية .
وإذا قيل إنّ الخصوصية هي ليست بالعصمة بل هي ذاتية العِصمة، أو قـُلْ لأنّها أولية، والقسم الثاني ليس كذلك أي ليستْ بعصمة أولية ولا ذاتية بل هي ثانوية أو مكتسبة، إذاً لا يمكن التجريد عن الخصوصية فنقول في الجواب يمكن بهذه الصورة إنّ الخصوصية بعد هذا الكلام تكون مشكوكة ما بين الذاتية ومابين المكتسبة وغير معلومة بالذات أو قُلْ مَردودة بطبيعة الحال لا تحتاج الى حالة الإحتياط حيث لا عليها حُكم شرعي وغيرها من الامور، إذاً فالتمسك بالقدَر المُتيقن وهو العصمة دون تحديدها بوصفٍ سواء كانت ذاتية ام مكتسبة ام غيرها من الاوصاف، ولا زال كلامنا لحد الآن في الجانب الاُخروي فنقول إنّه وَرَد أنّه: (لك مَقامات لاتنالها إلا بالشهادة) وهو ( قدس سره) قد حصل إنْ شاء الله على هذه المَقامات بعد إستشهاده( قدس سره) ولا اُريد أن اُطيل هذا الكلام وفي هذه العُجالة في المَقامات او بعضها وذلك لعدم مَعرفتها بواسطة العقل القاصر بطبيعة الحال، فإنّ هذه المَقامات لا يَعرفها إلاّ مَنْ يَستحقها كما هو واضح، ولعلّ آخر ما نقول في هذا المستوى هو أنْ نتذكرَ في هذه الآية: ((وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَق ّعَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً)) (الاسراء:16).
وهذا ما حدث فعلاً، حيث أرسل الله لنا محمدَ الصدر فأمرَنا بطاعته وكيفية الأمر هو إثبات أعلميته فيجب طاعته وولايته بطبيعة الحال مع ثبوت الأعلمية، فلم يُطِعْ الكثيرون مع شديد الاسف، بل فَسقوا عن اَمر ربِّهم ومَرجعهم كما هو الحال واضح لكل ذي نظر، حيث قالوا الجمعة (مو واجبة) وغيرها من الاُمور الكثيرة، كما قد قِيل للأنبياء والأولياء ((وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا)) (آل عمران:194) أو ((لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ)) (ألأعراف: من الآية66) او (( فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا )) (المائدة: من الآية24) والى غير ذلك كثير، وعموماً فلا يُقال إنّ المرجع لا يشبه النبي او الوصيّ، فإنّ المرجع نائب المعصوم في البلاد، قُلنا (( بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ )) (التوبة: من الآية67) فان المرجع نائب الامام (عج)، والامام نائب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والى غير ذلك .
ثم إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما كان يجلس مع أصحابه او إنّ الامام عندما كان يجلس مع أصحابه لا يُمَيَّز حيث إذا دخل أحدُهم سأل مَنْ منكم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) او مَنْ مِنكم عليّ والى غير ذلك من الأمثلة .
وفي نهاية المَطاف أقول ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)) (آل عمران:144).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
))قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، اللَّهُ الصَّمَدُ ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ )) صدق الله العلي العظيم
(الاخلاص)
الخطبة الثانيـــة
أعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم
توكلت على الله رب العالمين
وصلى الله على خير خلقه محمد وآله أجمعين
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
) اللهم إنّي أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء، وبقوّتك التي قهرت بها كل شيء، وخضع لها كل شيء، وذلَّ لها كل شيء، وبجبروتك التي غلبْتَ بها كل شيء، وبعزتك التي لا يقومُ لها شيء، وبعظمتك التي ملأتْ كل شيء، وبسُلطانك الذي عَلا كل شيء، وبوجهك الباقي بعد فناء كل شيء، وبأسمائك التي ملأتْ أركان كلّ شيء، وبعلمِك الذي أحاط بكل شيء، وبنور وجهك الذي أضاء له كل شيء، يانور يا قدوس، يا أول الأولين، ويا آخر الاخرين، اللهم اغفر لي الذنوب التي تَهتِك العِصَم، أللهم اغفرلي الذنوبَ التي تُنـزل النِّقم، أللهم اغفر لي الذنوبَ التي تُغيّر النِعم، أللهم اغفر لي الذنوبَ التي تَحبِس الدّعاء، أللهم اغفر لي الذنوبَ التي تُنـزل البلاء، أللهم اغفر لي كلَّ ذنب أذنبته، وكلّ خَطيئة أخطأتها، أللهم إنّي أتقرَّبُ إليك بذكرك وأستشفِعُ بك الى نفسك، وأسألك بجُودك أنْ تُدنيني مِنْ قُربك وأنْ توزعني شُكرك وأنْ تُلهمني ذكرك، أللهم إنّي أسألك سُؤال خاضع مُتذلل خاشع، أنْ تُسامِحني وترحمني وتجعلني بقِسمِك راضياً قانعاً، وفي جميع الاحوال مُتواضعاً، أللهم وأسألك سؤال مَن ِاشتدَّتْ فاقته، وأنزل بك عند الشدائد حاجته، وعَظُمَ فيما عندك رغبته، أللهم عَظُمَ سلطانك وعلا مكانك وخَفِي مكرك وظهر أمرُك وغَلب قَهرك وجرتْ قُدرتك، ولا يُمكن الفِرار من حكومتك، أللهم لا أجد لِذُنوبي غافراً ولا لقبائحي ساتراً، ولا لشيء من عَملي القبيح بالحسن مبدلاً غيرك، لا إله إلاّ أنت، سبحانك وبحمدك ظلمتُ نفسي وتجرّأت بجهلي وسكنتُ الى قديم ذِكرك لي ومَنّكَ عليّّ، أللهم مولاي كم مِن قبيح سترته، و كم فادح من البلاء أقلته، وكم مِن عِثار وَقيته، وكم من مكروه دَفعته، وكم من ثناء جميل لستُ أهلاً له نشرتَه، أللهم عَظُمَ بلائي وأفرط بي سوء حالي، وقَصُرَتْ بي أعمالي، وقَعَدَتْ بي أغلالي، وحَبَسَني عن نفعي بعد آمالي وخدعتني الدنيا بغرورها، ونفسي بخيانتها، ومِطالي يا سيدي فأسألك بعزتك أنْ لا يحجبَ عنك دُعائي سوء عَملي وفِعالي، ولا تَفضحني بخفيِّ ما اطلعتَ عليه من سرِّي، ولا تُعاجلني بالعقوبة على ما فعلتُه في خَلواتي مِن سُوء فِعلي وإسائتي، ودَوام تفريطي وجهالتي، وكثرة شهواتي وغفلتي، وكُن ِاللهمّ بعزتك لي في كل الأحوال رؤوفاً و عليَّ في جميع الامور عطوفاً، إلهي وربي مَنْ لي غيرك أسأله كَشفَ ضُرِّي والنَّظر في أمري، إلهي ومولاي، أجريتَ عليَّ حُكماً اتبعتُ فيه هَوى نفسي، ولم أحترس فيه مِن تزيين عَدوي، فغرَّني بما أهوى، وأسعدَه على ذلك القضاء، فتجاوزتُ بماجرَى عليَّ من ذلك بعض حدودك، وخالفتُ بعض أوامرك، فلك الحُجّة عليَّ في جميع ذلك، ولا حُجّة لي فيما جرى عليَّ فيه قضاؤك، وألزمني حكمك وبلاؤك، اللهم صل على محمد وال محمد).
نُكمل ما بدأنا به في الخطبة الاولى، حيث وصلنا الى الجانب الثاني (الجانب الدنيوي) واقصد به منجزاته في عالم الدنيا بطبيعة الحال، ولعل تسميتها بالدنيوي مَجازي، حيث إنّ جميعها يُراد منها الآخرة، كما هو واضح لكل ذي نظر، وإنّ سماحته أراد بها تكامل المجتمع المسلم وتهيئته وتعبئته للظهور، ولأيّ طاريء يطرأ على المذهب، ومن أهم هذه المنجزات هي :
اولاً: صلاة الجمعة، هذا الفرض المُقدَّس والشعيرة الواجبة التي هزّتْ العالم بأسره ونَصرَتْ المذهب وأعزّتْ المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها وذلتْ الكفرة وحطمَتْ عروش الظلمة، والتي عاداها كثير من الناس الذين لا ورع لهم ولا دين ووقف ضدَّها الكثيرون من العلماء والفقهاء الذين لا يريدون إلاّ المصالح الشخصية بطبيعة الحال .
إلاّ إنّ سماحته (قدس سره) قد بيَّن في خطبته مِقدار فائدتها وما أوصلتْ المجتمع المؤمن اليه، ولولاها لما كنا هنا مجتمعين، حيث ما كنا لنعرف هذا لولا أنْ هدانا الله كما قال سماحته (إنّ الجمعة مؤيدة بتأييد من الله) وقال تعالى: (( وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ )) (الأعراف: من الآية43)، هذا وعلى الرغم من البلاء الجليّ، الواضح، والذي لا يَخفى، والذي اُحيط َبصلاة الجمعة، إلاّ إنّ بمشيئة من الله تعالى وفضله بقيتْ صامدة تُقام في بعض المناطق القليلة المتفرقة، لم تنقطع أبداً، المتفرقة بين حين وحين، وما دلتْ إلاّ دليل على قوّتها وأنّها مؤيدة بتأييد من الله عزّ وجلّ. ومن هنا أتوجّه بالشُكر الجزيل الى كل إمام جمعة إستمرّ بصلاته لأجل رفعة الدين وبقاء المَذهب وإعلاء لهذه الشعيرة المُقدسة وأتوجّه الى الله بالدعاء لهم ولباقي الأئمة أعزّهم الله بعزّه، الذين صَلوا الجمعة فيما مضى والآن وأدعوهم الى إقامتها وإدامتها تحت لواء الحق فإنّهم فِتية آمنوا بربّهم وزدناهم هُدى .
ثانياً: القضاء الحوزوي الشرعي، أو المحكمة الشرعية التي أراد بها سَماحته (قدس سره) أنْ يُطبَّق الحُكم الشرعي وأنْ يُنبَذ حُكم الطاغوت لعنه الله، وحتى لا نكون مصداقاً لهذه الآية: (( يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ )) (النساء: من الآية60)، وفعلاً قد طبَّق الحكم الشرعي الصحيح الذي يرتضيه الله سبحانه وتعالى وايضاًً حالها حال كل منجزاته (قدس سره) قد لاقتْ الصعوبات والضغوطات مِن كثير من الأطراف كما هو معلوم، لا وفّقهم الله الى مالا يرتضيه .
وهذا، وقد كان مِن المُؤمّل توسِعة هذه المَحكمة وتعيين بعض القُضاة ومَسؤولاً عنهم ايضاً .
وعلى كل حال. فمِن هنا أدعو القضاة الى إقامة الحكم الشرعي الصحيح أيّاً كان في كلّ زمان ومكان .
ثالثاً : فتح القبول للحوزة العلمية الشريفة والاعتناء بها علمياً وإقتصادياً وإجتماعياً وفتح المدارس وبنائها وتسكين الطلاب بها لأجل بناءالحوزة العلمية وإتساعها ونصرة الحق بها بعونه تعالى ، حيث قال الشاعر:
لولاه ما جئنا الغريّ ولا هذه العِمامة نرتدي
وحال الحوزة قبل تصديه لهذا الامر، حال يُرثى له، وطبعاً أتكلم عن تجربة لاعن سماع، حيث كانت الحوزة تفتقر الى أهم الاُمور الأساسية كالمرجع الذي يُرجَع اليه في المُهمات والى الطلبة المُتورّعين الذين يخافون على مذهبهم والى مؤلفي الكتب التي تنفع الناس والمجتمع وتفتقر الى أهم شيء وهو ما يُسمّى بالروحانية والقدسية، حيث كانت بئر معطلة وقصر مشيد، أي ظاهرها الصلاح إلاّ أنّ لا باطنَ لها أصلاً .
ومنجزاته كثيرة لا يمكن عَدّها وإحصائهافي خطبة واحدة بطبيعة الحال، فإنْ شاء الله نكمل منجزاته (قدس سره) في خُطب اُخرى ولكنْ قبل الإنتهاء أودّ أنْ اُنَوِّه الى عِدة اُمور تُفيد المجتمع، وخصوصاً في ظروفنا هذه، وهذه الاُمور جميعها من وصايا السيد الوالد (قدس سره) .
الامر الاول: أنْ يبقى الصحن الشريف مطلقاً تحت إشراف الحوزة العلمية الشريفة وذلك لأنّ المراقد المُقدسة للأئمة (عليهم السلام) وغيرها مِن المَساجد أمراً لا يَمُتْ للسياسة ولا الى غيرها من الاُمور بل هي أمر ديني بحت، وهذا يدخل تحت سيطرة الحوزة العلمية الناطقة بطبيعة الحال .
ومن هنا نُطالب بدعم الحوزة الناطقة لإحكام سيطرتها على المراقد المقدسة، فجزاكم الله خير جزاء المحسنين .
الامر الثاني: ستأتي مناسبة كبيرة عزيزة على كل قلب مؤمن يحب أهل البيت عامة (سلام الله عليهم أجمعين) والإمام الحسين خاصة (سلام الله عليه)، ألا و هي أربعين الحسين، فمِن هنا نرجو من جميع المؤمنين، أعزّهم الله بعِزّه، إقامة هذه الشعيرة المُقدسة، وخصوصاًً بعد إرتفاع كل الصعوبات بعون الله وفضله ولنجعل ذلك بمثابة شُكر لله عزّ وجلّ على ما أنعم علينا من نِعَم كثيرة، ولله الحمد .
الامر الثالث : اُطالب جميع فئات المجتمع وجميع الفئات التي وجّه سماحة السيد الوالد (قدس سره) لهم الامر بالتوبة، اُطالبهم بالرجوع الى الحوزة العلمية الشريفة الناطقة بالتعاون بينهم لإقامة حدود الله وأحكامه ونحن في فرصة وفي سعة من أمرنا لو صحَّ التعبير، سواء السَّدنة أو السالكين أو الموظفين أو غيرهم فإنّ في ذلك مَصلحة كبيرة، ألا وهي وحدة كلمة المسلمين، فجزاكم الله خير جزاء المحسنين .
الامر الرابع: إنّ نَبذَ العناوين والإتجاهات المُعيّنة، سواء الطائفية او المذهبية او الإجتماعية او غيرها، فنقوم بتوحيد جميع طبقات المجتمع وجميع المذاهب والأديان لو صح التعبير، فإنّ ذلك له الأثر الكبير بتوحيد صفّ المسلمين .
فجزاكم الله خير جزاء المحسنين .
الامر الخامس : أوصى سماحته ببقاء المكتب أو ما يُسمّى (البرّاني) مَفتوحاً كما كان في حياته وعليه فلا بُدّ علينا وعلى جميع مُحبيه مُساندة هذه الوصيّة وذلك بأنْ يَبقوا يداً واحدة مع المكتب حتى نكون قد طبّقنا وصيته. فجزاكم الله خير جزاء المحسنين .
الامر السادس: قال السيد الوالد (قدس سره) لا تقولوا قولاً ولا تفعلوا فعلاً إلاّبعد مراجعة الحوزة العلمية الناطقة، فإنّ الحوزة العلمية الناطقة أعرَفُ بمصالحكم ومصالح المؤمنين عامة .
فجزاكم الله خير جزاء المحسنين .
فأرجو مستقبلاً عدم تكرار أعمال تخريبية من دون إذن الحوزة الناطقة كما حدث سابقاً، والحمد لله رب العالمين .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
))إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ، إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ)) .
صدق الله العلي العظيم
(الكوثر)
حبيبي صلاة الجمعة مؤيدة بتأييد الله .
ــــــــ
الجمعة الاولى لسماحة القائد أعزه الله .
مسجد الكوفة المعظم 9صفر الخير 1424 هجرية
ــــــــ
أعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم
توكلت على الله رب العالمين
وصلى الله على خير خلقه محمد واله اجمعين
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مرَّت علينا قبل أيّام ذكرى استشهاد المَرجع الديني والمُفكّر الإسلامي الكبير السيّد الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر، فلنقرأ سورة الفاتحة على أرواح شهداء الحوزة الناطقة وبالخصوص إلى روح السيد الشهيد ونجليه مسبوقة بالصلاة على محمد وال محمد .
(اللهم صل على محمد وال محمد) .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
))الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِم غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ)) صدق الله العلي العظيم (الفاتحة)
كما ادى السيد الوالد الطاعة لولي الامر (عج) ، فنقول وقولوا معي :
نعم نعم للمهدي
نعم نعم للحجة
لبيك لبيك يامهدي
ونقول ايضاً :
نعم نعم للجمعة
ونقولها ثانياً لمنكري صلاة الجمعة .
نعم نعم للجمعة
كما مدَّ السيد الوالد (قدس سره ) يده الى بعض الاطراف، فأنا أمدّ يَدي الى كلّ مَن خرج عنْ خَطه وحَوزته ومَكتبه، واُطالبه بالرُّجوع اليه خدمة للمذهب وللحوزة الشريفة .
وقبل البدء بالخطبة، اُريد أنْ أقول إنّني أستنكِر من هنا وبشِدّة ومِن هذا المِنبر المُقدَّس ماحَصل في الأمس في مَرقد الإمام أمير المؤمنين (ع) مِن هَتكٍ لحُرمَتِه، فيجبُ أنْ لا يتكرَّر ذلك .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أبتدء الخطبة بدعاء الافتتاح كما فعل السيّد الوالد (قدس سره)
بسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
) أللهم إنّي أفتتح الثناء بحمدك، وأنت مُسددٌ للصواب بمَنِّك، وأيقنتُ أنّك أنت أرحم الراحمين في مَوضع العَفو والرحمة، وأشدّ المُعاقبين في مَوضع النَّكال والنَّقمة، وأعظمُ المُتجبِّرين في مَوضع الكبرياء والعَظمة، أللهم أذِنتَ لي في دُعائك ومَسألتِك، فاسمعْ ياسميع مِدحَتي، وأجبْ يا رحيم دعوتي، وأقِلْ ياغفور عثرتي، فكم يا إلهي من كُربة قد فرَّجتها، وهُموم قد كشفتها وعَثرة قد أقَلتَها، ورَحمةٍ قد نَشرتَها، وحَلقةِ بلاءٍ قد فَككتها، الحمد لله الذي لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً و لم يكنْ له شريكٌ في المُلك ولم يكنْ له وليٌّ من الذلِّ وكبِّرْه تكبيراً، الحمد لله بجميع مَحامده كُلها على جميع نِعمِه كلها، الحمد لله الذي لا مُضادّ له في مُلكه ولا مُنازع له في أمره، الحمد لله الذي لا شريك له في خلقه، ولا شبيه له في عظمته، الحمد لله الفاشي في الخلق أمرُه وحمدُه، الظاهر في الكرم مَجدُه، الباسط في الجُود يدَه، الذي لاتَنقصُ خزائنُه ولا تزيده كثرةُ العطاء إلاّ جُودأ وكَرماً، إنّه هو العزيز الوهاب، أللهم إنّي أسألك قليلاً من كثير مع حاجة بي إليه عظيمة، وغِناك عنه قديم، وهو عِندي كثير، وهو عليك سَهلٌ يسير، أللهمّ إنّ عَفوك عن ذنبي، وتجاوزك عن خطيئتي، وصَفحَك عَن ظلمي، وسترَك على قبيح عَملي، وحِلمَك عن كثير جُرمي، عندما كان من خَطأي وعَمدي، أطمعني في أنْ أسألك مالا أستوجبُه مِنك، الذي رَزقتني في رحمتك، وأريتَني من قُدرتك، وعرَّفتني مِن إجابتك، فصِرتُ أدعوك آمناً، وأسألكَ مُستأنِساً لاخائفاً ولا وَجِلاً، مُدِلاً عليك فيما قصدتُ فيه إليك، فإنْ أبطأ عَني عتبتُ بجَهلي عليك، ولعلّ الذي أبطأ عني هو خير لي لعِلمِك بعاقبة الاُمور، فلم أرَ مَولىً كريماً أصبر على عبد لئيم مِنك عليّ يارب، إنّك تدعوني فاُولي عنك، وتتحبَّب إليَّ فاتبغّضُ إليك، وتتودَّدُ إليّ فلا أقبلُ مِنْك، كأنّ ليَ التطوُّلَ عليك، فلم يَمنَعك ذلك مِن الرحمة لي، والإحسان إليّ، والتفضّلَ عليّ، بجُودك وكَرمِك، فارحمْ عَبدَك الجاهل، وجُدْ عليه بفضل إحسانك، إنّك جوادٌ كريم، أللهمّ صلِّ على محمد عبدك ورسولك وأمينك وصَفيِّك وحَبيبك وخِيرتِك مِن خلقِك وحافظ سِرِّك ومُبلغ رسالاتِك، أفضل وأحسن وأجمل وأكمل وأزكى وأنمى وأطيب وأطهروأسمى وأكثر ما صليتَ وباركتَ وترحّمتَ وتحنّنتَ وسَلمتَ على أحدٍ من عبادك وأنبيائك ورُسلك وصَفوتِك وأهل الكرامة عليك مِن خلقك، أللهم وصَلِّ على علي أمير المؤمنين ووَصيّ رسول ربِّ العالمين عبدِك ووليِّك وأخي رسولك وحُجَّتك على خلقك وآيتك الكُبرى والنَّبأ العظيم، وصَلِّ على الصديقة الطاهرة، فاطمة سيدة نساء العالمين، وصلِّ على سِبطيّ الرحمة، وإمامي الهُدى، الحسن والحسين، سَيدَيّ شباب أهل الجنّة، وصلّ على أئمة المسلمين، علي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي والخلف الهادي المهدي، حُجَجك على عبادك، واُمنائك في بلادك، صلاة كثيرة دائمة، أللهم وصَلِّ على وليِّ أمرك القائم المُؤمَّل والعَدل المُنتظر، وحُفّه بملائكتك المُقربين، وأيّدهُ برُوح القُدُس ياربّ العالمين، أللهم اجعله الدَّاعي الى كتابك والقائِم بدينك، إستخلفه في الأرض كما استخلفتَ الذين من قبله، مَكِّن له دينه الذي ارتضيتَه له، أبدله مِنْ بعد خَوفه أمناً يعبدُك لا يُشرك بك شيئاً، أللهمّ أعِزَّه وأعزِزْ به، وانصُره وانتصر به، وانصُره نَصراً عزيزاً وافتَح له فتحاً يسيراً، واجعلْ له من لدُنْك سُلطاناً نصيراً، أللهم أظهر به دِينك وسُنّة نبيك، حتى لا يَستخفِي بشيء مِن الحق مَخافة أحَد مِن الخَلق، أللهم إنّا نَرغَب إليك في دَولة كريمة، تُعِزُّبها الاسلام وأهله، (قولوا معي رجاءاً) ( أللهم إنّا نرغبُ إليك في دولة كريمة، تُعِزُّ بها الاسلام وأهله، وتُذِلُّ بها النِّفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدُّعاة إلى طاعتك، والقادة الى سبيلك، وتَرزُقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة) .
لا بُدَّ لنا في هذه الجمعة أنْ نَأخُذَ أهمَّ المواضيع وأكثرها شُيوعاً بين المجتمع العراقي، بل في العالم كُله، فإنّ لكلّ شيء عِبرة ولكلّ شيء فائدة قال تعالى: (( لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)) (الأعراف: من الآية176)، (( لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ)) (الانبياء: من الآية31) وغيرها كثير، والأهم في الساحة العالمية وكما يصطلحون عليه في اللغة الحديثة (حديث الساعة ) هو مَقتل واستشهاد وليِّ أمرنا ومَرجعنا السيد الصدر (قدس سره)، ففي هذا الحدث أكثر من جانب واحد ولا أقل من جانبين:
الجانب الاول: الجانب الاُخروي، وهذا الجانب على مُستويين :
المستوى الاول: مستوى شخصي، ويُمكن تَسميته بالجانب الباطني أيضاً كما هو واضح حيث إنّ استشهاده لم يَكنْ فيه سلبية قَط بل قد رُفِعَ في أعلى درجات الجنان، في حظيرة مُقدَّسة لا يَنالها إلاّ ذو حظٍ عظيم، بين أجدادِه الكِرام البَرَرة وبها أذهب الله عنهُ الرِّجس وطهَّره تطهيراً، فإنّ مامن شهيد إلاّ وطهُرَتْ نفسه ورُفِعَت رُوحُه بالاستشهاد وذاق طعمَ حلاوة القُرب وبَردَ اليقين وحصلَ على كأس شرب منها شُربة لا يظمأ بعدها أبداً كأس جدِّه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وحصل على اُمور قد تطرُق بالنا نحن القاصرون، الغارقون بالذنوب، فلذا لا أريد أن اُطيل الحديث بهذا المستوى في الذات، إنّه ولي التوفيق .
المستوى الثاني: المستوى العام، أو مستوى المجتمع، حيث إنّه كان استشهاده (قدس سره) ذا فائدة لجميع الناس عُموماً وللمجتمع خُصوصاً كما وَرد (أللهمّّّ تقبّّل مِنّا هذا القُربان) .
فإنّ المجتمع كان بحاجة الى التضحية، ولم يكنْ يريد أنْ يُضحِّي بمُخلصيه وأتباعِه ومُقلديه ومُحبيه فلذا ضحَّى بنفسه وَوُلـْدِه، جزاه الله عن الاسلام والمسلمين خير جزاء المحسنين، ومِن ضِمن الجانب الاُخروي، إنّ الشهادة هي الرِّفعة فيُمكِن القول ((وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً)) (مريم:57)، وقال تعالى ((وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)) (آل عمران:169).
فإذن هوحيٌّ بيننا، نحسُّ به ويحسُّّّ بنا، يسَعُنا بأنفاسه الطيّبة ونسَعُه بقلوبنا المُفعَمَة بالحُبِِِّ والوفاء والولاء، نسأل الله حُسن العاقبة، وصدق الشاعر عندما قال :
الموت حقٌ ولكن ِالفِراق عَسيرُ
وهو (قدس سره) حصل على مُراده، حيث قال في إحدى أبياته الشعرية :
إنّني لا أهوى قصوراً ومُروراً في حياتي إنّني أهوى مُرادي ومُرادي لا يَصيرُ
ومُراده هو الرفعة الإلهية والتكامل في الدنيا والآخرة، حيث قال أحد الشعراء الذين قرأوا قصائدهم أمامه :
أمّا حياة في ذرى الاسلام أو تحت الثرى إذ تلتقي رَحمانها
وقال الشاعر : لنا الصدرُ من دون العالمين أو القبر.
وكما قال إمامنا الحسين (ع): ( خُيّرتُ مابين السّلة والذلة وهيهات مِنّا الذلة .(
ويمكن القول بأنّه وكما ورد (كُتِبَت علينا الشهادة) والضمير بطبيعة الحال راجعٌ الى المعصومين (عليهم السلام) بطبيعة الحال ولكن أرجو الالتفات الى أنّ السيد الوالد (قدس سره) قد قسَّمَ المعصوم الى قسمين :
الاول: المعصوم بالعصمة الأوّلية، وهم يبدؤون مِن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) وينتهون بالمهدي (عج) وهذا مِمّا لا يخفى، حيث إنّ الله ما خلق سماء ولا أرض ولا بينهما إلاّ مِن أجلهم (عليهم السلام).
الثاني: المعصوم بالعصمة الثانوية، وهو مَنْ وصَلَ الى العصمة عن طريق الكَسب، وهم غير مُعينين لوصح التعبير، وقد يُصطلح على هذا القِسم بالعصمة المُكتسبة، إذاً فالضمير في (كُتبتْ علينا الشهادة) راجعٌ الى كِلا القسمين وذلك لعدة اُمور منها :
أولاً: رُجوعها الى أحد القسمين دون الآخر ترجيح بلامُرجّح وهو قبيح عَقلاً ونَقلاً كما لايَخفى على كثيرين، فإنّ تخصيصه بأحدهم يَحتاج الى دليل، ولا دليل، إذاً فهو يعمُّ كِلا القسمين .
ثانياً: التجريد عن الخصوصية وهو إنّه لا خصوصية في المعصوم بالعصمة الأولية وإنّما كُتبتْ عليه الشهادة لأنّه مَعصوم فإنّ كلّ مَعصوم يُمكن أنْ يكون كذلك حتى ولو كان في العصمة الثانوية .
وإذا قيل إنّ الخصوصية هي ليست بالعصمة بل هي ذاتية العِصمة، أو قـُلْ لأنّها أولية، والقسم الثاني ليس كذلك أي ليستْ بعصمة أولية ولا ذاتية بل هي ثانوية أو مكتسبة، إذاً لا يمكن التجريد عن الخصوصية فنقول في الجواب يمكن بهذه الصورة إنّ الخصوصية بعد هذا الكلام تكون مشكوكة ما بين الذاتية ومابين المكتسبة وغير معلومة بالذات أو قُلْ مَردودة بطبيعة الحال لا تحتاج الى حالة الإحتياط حيث لا عليها حُكم شرعي وغيرها من الامور، إذاً فالتمسك بالقدَر المُتيقن وهو العصمة دون تحديدها بوصفٍ سواء كانت ذاتية ام مكتسبة ام غيرها من الاوصاف، ولا زال كلامنا لحد الآن في الجانب الاُخروي فنقول إنّه وَرَد أنّه: (لك مَقامات لاتنالها إلا بالشهادة) وهو ( قدس سره) قد حصل إنْ شاء الله على هذه المَقامات بعد إستشهاده( قدس سره) ولا اُريد أن اُطيل هذا الكلام وفي هذه العُجالة في المَقامات او بعضها وذلك لعدم مَعرفتها بواسطة العقل القاصر بطبيعة الحال، فإنّ هذه المَقامات لا يَعرفها إلاّ مَنْ يَستحقها كما هو واضح، ولعلّ آخر ما نقول في هذا المستوى هو أنْ نتذكرَ في هذه الآية: ((وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَق ّعَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً)) (الاسراء:16).
وهذا ما حدث فعلاً، حيث أرسل الله لنا محمدَ الصدر فأمرَنا بطاعته وكيفية الأمر هو إثبات أعلميته فيجب طاعته وولايته بطبيعة الحال مع ثبوت الأعلمية، فلم يُطِعْ الكثيرون مع شديد الاسف، بل فَسقوا عن اَمر ربِّهم ومَرجعهم كما هو الحال واضح لكل ذي نظر، حيث قالوا الجمعة (مو واجبة) وغيرها من الاُمور الكثيرة، كما قد قِيل للأنبياء والأولياء ((وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا)) (آل عمران:194) أو ((لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ)) (ألأعراف: من الآية66) او (( فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا )) (المائدة: من الآية24) والى غير ذلك كثير، وعموماً فلا يُقال إنّ المرجع لا يشبه النبي او الوصيّ، فإنّ المرجع نائب المعصوم في البلاد، قُلنا (( بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ )) (التوبة: من الآية67) فان المرجع نائب الامام (عج)، والامام نائب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والى غير ذلك .
ثم إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما كان يجلس مع أصحابه او إنّ الامام عندما كان يجلس مع أصحابه لا يُمَيَّز حيث إذا دخل أحدُهم سأل مَنْ منكم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) او مَنْ مِنكم عليّ والى غير ذلك من الأمثلة .
وفي نهاية المَطاف أقول ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)) (آل عمران:144).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
))قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، اللَّهُ الصَّمَدُ ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ )) صدق الله العلي العظيم
(الاخلاص)
الخطبة الثانيـــة
أعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم
توكلت على الله رب العالمين
وصلى الله على خير خلقه محمد وآله أجمعين
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
) اللهم إنّي أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء، وبقوّتك التي قهرت بها كل شيء، وخضع لها كل شيء، وذلَّ لها كل شيء، وبجبروتك التي غلبْتَ بها كل شيء، وبعزتك التي لا يقومُ لها شيء، وبعظمتك التي ملأتْ كل شيء، وبسُلطانك الذي عَلا كل شيء، وبوجهك الباقي بعد فناء كل شيء، وبأسمائك التي ملأتْ أركان كلّ شيء، وبعلمِك الذي أحاط بكل شيء، وبنور وجهك الذي أضاء له كل شيء، يانور يا قدوس، يا أول الأولين، ويا آخر الاخرين، اللهم اغفر لي الذنوب التي تَهتِك العِصَم، أللهم اغفرلي الذنوبَ التي تُنـزل النِّقم، أللهم اغفر لي الذنوبَ التي تُغيّر النِعم، أللهم اغفر لي الذنوبَ التي تَحبِس الدّعاء، أللهم اغفر لي الذنوبَ التي تُنـزل البلاء، أللهم اغفر لي كلَّ ذنب أذنبته، وكلّ خَطيئة أخطأتها، أللهم إنّي أتقرَّبُ إليك بذكرك وأستشفِعُ بك الى نفسك، وأسألك بجُودك أنْ تُدنيني مِنْ قُربك وأنْ توزعني شُكرك وأنْ تُلهمني ذكرك، أللهم إنّي أسألك سُؤال خاضع مُتذلل خاشع، أنْ تُسامِحني وترحمني وتجعلني بقِسمِك راضياً قانعاً، وفي جميع الاحوال مُتواضعاً، أللهم وأسألك سؤال مَن ِاشتدَّتْ فاقته، وأنزل بك عند الشدائد حاجته، وعَظُمَ فيما عندك رغبته، أللهم عَظُمَ سلطانك وعلا مكانك وخَفِي مكرك وظهر أمرُك وغَلب قَهرك وجرتْ قُدرتك، ولا يُمكن الفِرار من حكومتك، أللهم لا أجد لِذُنوبي غافراً ولا لقبائحي ساتراً، ولا لشيء من عَملي القبيح بالحسن مبدلاً غيرك، لا إله إلاّ أنت، سبحانك وبحمدك ظلمتُ نفسي وتجرّأت بجهلي وسكنتُ الى قديم ذِكرك لي ومَنّكَ عليّّ، أللهم مولاي كم مِن قبيح سترته، و كم فادح من البلاء أقلته، وكم مِن عِثار وَقيته، وكم من مكروه دَفعته، وكم من ثناء جميل لستُ أهلاً له نشرتَه، أللهم عَظُمَ بلائي وأفرط بي سوء حالي، وقَصُرَتْ بي أعمالي، وقَعَدَتْ بي أغلالي، وحَبَسَني عن نفعي بعد آمالي وخدعتني الدنيا بغرورها، ونفسي بخيانتها، ومِطالي يا سيدي فأسألك بعزتك أنْ لا يحجبَ عنك دُعائي سوء عَملي وفِعالي، ولا تَفضحني بخفيِّ ما اطلعتَ عليه من سرِّي، ولا تُعاجلني بالعقوبة على ما فعلتُه في خَلواتي مِن سُوء فِعلي وإسائتي، ودَوام تفريطي وجهالتي، وكثرة شهواتي وغفلتي، وكُن ِاللهمّ بعزتك لي في كل الأحوال رؤوفاً و عليَّ في جميع الامور عطوفاً، إلهي وربي مَنْ لي غيرك أسأله كَشفَ ضُرِّي والنَّظر في أمري، إلهي ومولاي، أجريتَ عليَّ حُكماً اتبعتُ فيه هَوى نفسي، ولم أحترس فيه مِن تزيين عَدوي، فغرَّني بما أهوى، وأسعدَه على ذلك القضاء، فتجاوزتُ بماجرَى عليَّ من ذلك بعض حدودك، وخالفتُ بعض أوامرك، فلك الحُجّة عليَّ في جميع ذلك، ولا حُجّة لي فيما جرى عليَّ فيه قضاؤك، وألزمني حكمك وبلاؤك، اللهم صل على محمد وال محمد).
نُكمل ما بدأنا به في الخطبة الاولى، حيث وصلنا الى الجانب الثاني (الجانب الدنيوي) واقصد به منجزاته في عالم الدنيا بطبيعة الحال، ولعل تسميتها بالدنيوي مَجازي، حيث إنّ جميعها يُراد منها الآخرة، كما هو واضح لكل ذي نظر، وإنّ سماحته أراد بها تكامل المجتمع المسلم وتهيئته وتعبئته للظهور، ولأيّ طاريء يطرأ على المذهب، ومن أهم هذه المنجزات هي :
اولاً: صلاة الجمعة، هذا الفرض المُقدَّس والشعيرة الواجبة التي هزّتْ العالم بأسره ونَصرَتْ المذهب وأعزّتْ المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها وذلتْ الكفرة وحطمَتْ عروش الظلمة، والتي عاداها كثير من الناس الذين لا ورع لهم ولا دين ووقف ضدَّها الكثيرون من العلماء والفقهاء الذين لا يريدون إلاّ المصالح الشخصية بطبيعة الحال .
إلاّ إنّ سماحته (قدس سره) قد بيَّن في خطبته مِقدار فائدتها وما أوصلتْ المجتمع المؤمن اليه، ولولاها لما كنا هنا مجتمعين، حيث ما كنا لنعرف هذا لولا أنْ هدانا الله كما قال سماحته (إنّ الجمعة مؤيدة بتأييد من الله) وقال تعالى: (( وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ )) (الأعراف: من الآية43)، هذا وعلى الرغم من البلاء الجليّ، الواضح، والذي لا يَخفى، والذي اُحيط َبصلاة الجمعة، إلاّ إنّ بمشيئة من الله تعالى وفضله بقيتْ صامدة تُقام في بعض المناطق القليلة المتفرقة، لم تنقطع أبداً، المتفرقة بين حين وحين، وما دلتْ إلاّ دليل على قوّتها وأنّها مؤيدة بتأييد من الله عزّ وجلّ. ومن هنا أتوجّه بالشُكر الجزيل الى كل إمام جمعة إستمرّ بصلاته لأجل رفعة الدين وبقاء المَذهب وإعلاء لهذه الشعيرة المُقدسة وأتوجّه الى الله بالدعاء لهم ولباقي الأئمة أعزّهم الله بعزّه، الذين صَلوا الجمعة فيما مضى والآن وأدعوهم الى إقامتها وإدامتها تحت لواء الحق فإنّهم فِتية آمنوا بربّهم وزدناهم هُدى .
ثانياً: القضاء الحوزوي الشرعي، أو المحكمة الشرعية التي أراد بها سَماحته (قدس سره) أنْ يُطبَّق الحُكم الشرعي وأنْ يُنبَذ حُكم الطاغوت لعنه الله، وحتى لا نكون مصداقاً لهذه الآية: (( يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ )) (النساء: من الآية60)، وفعلاً قد طبَّق الحكم الشرعي الصحيح الذي يرتضيه الله سبحانه وتعالى وايضاًً حالها حال كل منجزاته (قدس سره) قد لاقتْ الصعوبات والضغوطات مِن كثير من الأطراف كما هو معلوم، لا وفّقهم الله الى مالا يرتضيه .
وهذا، وقد كان مِن المُؤمّل توسِعة هذه المَحكمة وتعيين بعض القُضاة ومَسؤولاً عنهم ايضاً .
وعلى كل حال. فمِن هنا أدعو القضاة الى إقامة الحكم الشرعي الصحيح أيّاً كان في كلّ زمان ومكان .
ثالثاً : فتح القبول للحوزة العلمية الشريفة والاعتناء بها علمياً وإقتصادياً وإجتماعياً وفتح المدارس وبنائها وتسكين الطلاب بها لأجل بناءالحوزة العلمية وإتساعها ونصرة الحق بها بعونه تعالى ، حيث قال الشاعر:
لولاه ما جئنا الغريّ ولا هذه العِمامة نرتدي
وحال الحوزة قبل تصديه لهذا الامر، حال يُرثى له، وطبعاً أتكلم عن تجربة لاعن سماع، حيث كانت الحوزة تفتقر الى أهم الاُمور الأساسية كالمرجع الذي يُرجَع اليه في المُهمات والى الطلبة المُتورّعين الذين يخافون على مذهبهم والى مؤلفي الكتب التي تنفع الناس والمجتمع وتفتقر الى أهم شيء وهو ما يُسمّى بالروحانية والقدسية، حيث كانت بئر معطلة وقصر مشيد، أي ظاهرها الصلاح إلاّ أنّ لا باطنَ لها أصلاً .
ومنجزاته كثيرة لا يمكن عَدّها وإحصائهافي خطبة واحدة بطبيعة الحال، فإنْ شاء الله نكمل منجزاته (قدس سره) في خُطب اُخرى ولكنْ قبل الإنتهاء أودّ أنْ اُنَوِّه الى عِدة اُمور تُفيد المجتمع، وخصوصاً في ظروفنا هذه، وهذه الاُمور جميعها من وصايا السيد الوالد (قدس سره) .
الامر الاول: أنْ يبقى الصحن الشريف مطلقاً تحت إشراف الحوزة العلمية الشريفة وذلك لأنّ المراقد المُقدسة للأئمة (عليهم السلام) وغيرها مِن المَساجد أمراً لا يَمُتْ للسياسة ولا الى غيرها من الاُمور بل هي أمر ديني بحت، وهذا يدخل تحت سيطرة الحوزة العلمية الناطقة بطبيعة الحال .
ومن هنا نُطالب بدعم الحوزة الناطقة لإحكام سيطرتها على المراقد المقدسة، فجزاكم الله خير جزاء المحسنين .
الامر الثاني: ستأتي مناسبة كبيرة عزيزة على كل قلب مؤمن يحب أهل البيت عامة (سلام الله عليهم أجمعين) والإمام الحسين خاصة (سلام الله عليه)، ألا و هي أربعين الحسين، فمِن هنا نرجو من جميع المؤمنين، أعزّهم الله بعِزّه، إقامة هذه الشعيرة المُقدسة، وخصوصاًً بعد إرتفاع كل الصعوبات بعون الله وفضله ولنجعل ذلك بمثابة شُكر لله عزّ وجلّ على ما أنعم علينا من نِعَم كثيرة، ولله الحمد .
الامر الثالث : اُطالب جميع فئات المجتمع وجميع الفئات التي وجّه سماحة السيد الوالد (قدس سره) لهم الامر بالتوبة، اُطالبهم بالرجوع الى الحوزة العلمية الشريفة الناطقة بالتعاون بينهم لإقامة حدود الله وأحكامه ونحن في فرصة وفي سعة من أمرنا لو صحَّ التعبير، سواء السَّدنة أو السالكين أو الموظفين أو غيرهم فإنّ في ذلك مَصلحة كبيرة، ألا وهي وحدة كلمة المسلمين، فجزاكم الله خير جزاء المحسنين .
الامر الرابع: إنّ نَبذَ العناوين والإتجاهات المُعيّنة، سواء الطائفية او المذهبية او الإجتماعية او غيرها، فنقوم بتوحيد جميع طبقات المجتمع وجميع المذاهب والأديان لو صح التعبير، فإنّ ذلك له الأثر الكبير بتوحيد صفّ المسلمين .
فجزاكم الله خير جزاء المحسنين .
الامر الخامس : أوصى سماحته ببقاء المكتب أو ما يُسمّى (البرّاني) مَفتوحاً كما كان في حياته وعليه فلا بُدّ علينا وعلى جميع مُحبيه مُساندة هذه الوصيّة وذلك بأنْ يَبقوا يداً واحدة مع المكتب حتى نكون قد طبّقنا وصيته. فجزاكم الله خير جزاء المحسنين .
الامر السادس: قال السيد الوالد (قدس سره) لا تقولوا قولاً ولا تفعلوا فعلاً إلاّبعد مراجعة الحوزة العلمية الناطقة، فإنّ الحوزة العلمية الناطقة أعرَفُ بمصالحكم ومصالح المؤمنين عامة .
فجزاكم الله خير جزاء المحسنين .
فأرجو مستقبلاً عدم تكرار أعمال تخريبية من دون إذن الحوزة الناطقة كما حدث سابقاً، والحمد لله رب العالمين .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
))إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ، إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ)) .
صدق الله العلي العظيم
(الكوثر)