المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أهل البيت من منظور الإمام الأعظم زيد بن علي (ع)__2


زيدى و افتخر
08-07-2010, 03:05 AM
ثانياً : أهل بيت لقيادة الأمة :

بما تقدم ثبت أن لأهل البيت في نظر الإمام زيد (ع) منزلة عالية رفيعة أكثَرَ من ذكرها والاحتجاج لها ، وتجلى لنا أنهم عنده صمام أمانٍ لهذه الأمة ، وأن بغيابهم ستظهر فجوة كبيرة في الواقع الإسلامي – بل قد وقعت وظهرت – فلا بد من وجودهم ، وحضورهم .

لكن أي وجود هذا ! ترى أي ماهية لوجود وحضور أهل البيت (ع) يريد الإمام زيد (ع) ؟!

طبعاً لا يمكننا معرفة إجابة هذا السؤال إلا بتتبع كلامه والتمعن في أطروحاته (ع) .

لكن دعونا نستبق ما ستحمله لنا الأسطر القريبة لنجزم بالقول بأنه إنما أراد بحضورهم تسلم زمام قيادة الأمة الإسلامية ؛ القيادة الدينية ( المرجعية ) ، والقيادة في الحكم ( الإمامة ) ، فإلى كلامه عليه السلام ؛

يقول جواباً لرجل من أهل الشام :

(( وذكرت أن قوماً ذكروا أن اللّه سبحانه وتعالى جعل رعاية عباده إلى الملوك، وجعل ذرية الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم كسائر رَعِيَّةِ الملوك، وأنه ليس لأحد من ذرية الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم إزالة ما جعله اللّه سبحانه وتعالى للملوك، لأن اللّه تعالى قد قال: ﴿قُلْ الَّلهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِيْ المُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِ شَيْءٍ قَدِيْرٍ﴾[آل عمران:26] فقد كَذَبَ القائلون هذا على اللّه عز وجل، وأحالوا جميع الحق وأزالوه عن مَعْدِنِه.
فنحن الذين مَلَّكَنا اللّه تعالى الملك وآتاناه، واسترعانا رِعَاية عباده، وذلك حين يقول سبحانه: ﴿أَمْ يَحْسُدُوْنَ النَّاسَ عَلَى مَاآتَاهُمُ اللّه مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيْمَ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيْماً﴾[النساء:54]، ونحن الذين أعَزَّ اللّه تعالى، وَعَدونا من أذَلَّ اللّه تعالى، وإن كان عَدُوُنا غالباً بسلطان الجور، فالله برئ منه وممن زعم أنَّ أمره من اللّه تعالى.
))

ومن كلام له في الإمامة :

(( قبض رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، فكان أولى الناس بالناس أمير المؤمنين علي صلى اللّه عليه، ثم قبض أمير المؤمنين علي صلى اللّه عليه فكان أولى الناس بالناس أمير المؤمنين الحسن بن علي عليهما السلام، ثم قبض أمير المؤمنين الحسن بن علي عليهما السلام، فكان أولى الناس بالناس أمير المؤمنين الحسين بن علي عليهما السلام، ثم سكت.
وقال: الرد إلينا، نحن والكتاب الثقلان.
وقال: نحن ولاة أمر اللّه، وخزان علم اللّه، وورثة وحي اللّه، وعترة نبي اللّه صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم، وشيعتنا رعاة الشمس والقمر، والله لاتقبل التوبة إلا منهم، ولا يخص بالرحمة سواهم )) .

وقال (ع) – في كتاب تثبيت الوصية بعد إثبات الوصية من حيث هي ، وإثبات كونها في أمير المؤمنين (ع) خاصة ، ثم إثبات أن أحق الناس بالناس وأولاهم بهم الحسن والحسين على الترتيب لأنهما ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - :

(( فإن قالوا: فَمَنْ أولى الناس بعد الحسين؟
فقولوا: آل محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم أولادُهما أفضلهم أعلمهم بالدِّين، الدَّاعي إلى كتاب اللّه، الشَّاهر سيفه في سبيل اللّه.
فإن لم يَدْعُ منهم دَاعٍ. فهم أئمَّة للمسلمين في أمرهم وحلالهم وحرامهم، أبرارهم وأتقياؤهم )) .

مما سبق يتضح صحة ما قدمناه من أن حضور أهل البيت (ع) في نظر الإمام زيد إنما هو القيادة الإسلامية ؛ المرجعية والإمامة ، بل إنه عليه السلام لا يشك في فريضة اتباع أهل البيت أبداً بل إنه يحلف بالله ويقول : (( وشيعتنا رعاة الشمس والقمر، والله لاتقبل التوبة إلا منهم، ولا يخص بالرحمة سواهم )) .

وهذا اليمين في غاية الأهمية ؛ إذ فيه دلالة واضحة على أن وجوب اتباع أهل البيت و ( مشايعتهم ) أمر متقرر في فكر الإمام ، بل هو أمر بالنسبة له ضروري كما هو واضح مما يدل على أن هذا الفكر ليس فكراً جديداً عليه ، إنه هو الفكر الذي لُقَّنه منذ نعومة أظافره ولم يتلقَ سواه ؛ إنه فكر أهل البيت (ع) ولا شك ؛ زين العابدين ، والحسين ، وأمير المؤمنين ، مأخوذٌ من عين صافية عبر تلك المجاري الطاهرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم !

لماذا أهل البيت ؟!!

سؤال قد يتردد على الأذهان ، لكن إمامنا (ع) كونه يطرح قضية أهل البيت ويجعلها قضيته الأهم لا بد أن يجيب عليه ، فما إجابته عنده (ع) ؟

يقول (ع) في كتاب تثبيت الوصية :

(( وقال: ﴿إِنَّمَا يُريدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيْراً﴾ [الأحزاب: 33].
ثم فرض مودتهم فقال: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إِلا المَوَدَّةَ فِيْ القُربىْ﴾ [الشورى: 23] يقول: أن تودوني في قرابتي.
ثم فرض لهم الخُمُس فيما غَنِم المسلمون من شيء: سهمه تعالى، وسهم رسوله دون المؤمنين، فقال: ﴿ وَاعْلَمُوْا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُوْلِ وَلِذِيْ القُربىْ﴾[الأنفال: 41].
فعرفنا أن الفضل والخِيْرة لأهل هذا البيت، الذي فضَّله اللّه على جميع البيوت، لأنهم جمعوا السَّبْق والتَّطهير، فينبغي أن يكون رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم خيرهم، لأنه خير الناس، وأفضلهم عند اللّه، وينبغي أن يكونوا قادة الناس إلى يوم القيامة؛ لأن اللّه عز وجل يقول: ﴿أفَمَنْ يَهْدِيْ إِلَىْ الحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعْ أَمَّنْ لا يَهِدِّيْ إِلا أنْ يُهْدَىْ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُوْنْ﴾[يونس: 35]. وقال:﴿ إِنَّمَا أنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾[الرعد: 7].
فلا ينبغي أن يكون الهادي إلا أعلمهم؛ لأن اللّه عزَّ وجل اصطفى محمداً صلى اللّه عليه وآله وسلم وطَهَّره وعَلَّمه، وجعله القائد المعَلِّم، ومِنْ بَعْدِه عليٌ عليه السلام على منهاجه، يحتاج إليه الناس ولا يحتاج إليهم، فإن اللّه عزوجل قد فضلهم على الخلق بالهدى والطاعة، وأعلمَ الناسَ عصمَتَهم، فلايضلون عن الحق أبداً، والدليل على ذلك ماقد بَيَّنْتُ لكم من قوله: ﴿قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِيْ القُربى﴾ [الشورى: 23]. وقال: ﴿لاَتَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُوْنَ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّوْنَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوْا آبَاءَهُمْ أوْ أبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيْرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كُتِبَ فِيْ قُلُوْبِهِمُ الإِيْمَانُ وَأيَّدَهُمْ بِرُوْحٍ منْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِيْ مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِيْنَ فِيْهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهمُ وَرَضُوْا عَنْهُ أوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُوْنَ﴾[المجادلة: 22].
فلو كانوا ممن يَحَادَّ اللّه ورسوله، لم يفرض مودتهم.
وقد قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا - ولن تذلوا - كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض)).
وقال: ﴿وَاْعلَمُوْا أنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُوْلِ وَلِذِيْ القُربىْ وَاليَتَامَىْ وَالمَسَاكِيْنِ وَابْنَ السَبِيْلِ﴾ [الأنفال: 41].
فإن قالوا: فإن اللّه قد جعل لليتامى والمساكين وابن السَّبيل، فقولوا: ألا ترون أنَّ اللّه تعالى قد فَرَض الخُمُسَ لنفسه، وفرضه من بعده لرسوله، وإنَّما صار لرسوله لفضله عند اللّه، ولو كان أحد أفضل منهم لكان أحق به منهم. فَجَرَوْا في ذلك مجرى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم.
وإنما فرض اللّه لليتامى نصيب فإن قالوا: فإن اللّه قد جعل لليتامى والمساكين وابن السَّبيل، فقولوا: ألا ترون أنَّ اللّه تعالى قد فَرَض الخُمُسَ لنفسه، وفرضه من بعده لرسوله، وإنَّما صار لرسوله لفضله عند اللّه، ولو كان أحد أفضل منهم لكان أحق به منهم. فَجَرَوْا في ذلك مجرى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم.
وإنما فرض اللّه لليتامى نصيبهم من الخُمُس لِيُتْمِهم، فإذا ذهب يُتْمُهُم فلا حَقَّ لهم. وإنما فرض للمساكين نصيبهم من الخمس بَدَلَ مَسْكَنَتهمْ، فإذا ذهبت عنهم المَسْكَنَةُ فلا حق لهم فيه، وإنما فرض لابن السَّبيل نصيبهم بدلا من الغُرْبة، فإذا بلغوا بلادهم فلا حق لهم فيه، وكان لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم على كل حال في الغِنَى والفَقْر، وهو لذوي القربى على كل حال بمنزلة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، لأن اللّه عز وجل جعل لهم ذلك لِمَا حَرَّم عليهم من الصَّدقة إذ لم يرضها لهم.
)) .

ويمكن تلخيص جميع ما تقدم في قوله (ع) : (( لأنهم جمعوا السبق والتطهير ! ))

نعم ؛ أليسوا ذرية نبي هذه الأمة البشير النذير ، أوليسوا السابقين في دين الله ؟!

(( وأحَقُّ الناس بالناس وأولاهم بهم الحسنُ والحسينُ؛ لأنهما ذرية رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وعَقِبُه )) . [ كتاب تثبيت الوصية ]

(( فقد نَظرنا لكم وأردنا صلاحكم، ونحن أولى الناس بكم، رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم جَدُّنا، والسابقُ إليه المؤمن به أبونا، وبنته سيدة النِّسوان أمُّنا، فمن نَزَل منكم منزلتنا؟ )) [ رسالة الإمام زيد إلى علماء الأمة ]

(( عباد الله فأسرعوا بالإنابة وابذلوا النصيحة، فنحن أعلم الأمة بالله، وأوعى الخلق للحكمة، وعلينا نزل القرآن ، وفينا كان يهبط جبريل عليه السلام، ومِنْ عندنا اقتبس الخير، فَمَنْ عَلِمَ خيراً فمنا اقتبسه، ومن قال خيراً فنحن أصله، ونحن أهل المعروف، ونحن النَّاهون عن المنكر، ونحن الحافظون لحدود الله )). [ رسالة الإمام زيد إلى علماء الأمة ]

القيادة الدينية ( المرجعية ) :

(( الرد إلينا، نحن والكتاب الثقلان …. نحن ولاة أمر اللّه، وخزان علم اللّه، وورثة وحي اللّه، وعترة نبي اللّه صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم، وشيعتنا رعاة الشمس والقمر، والله لاتقبل التوبة إلا منهم، ولا يخص بالرحمة سواهم )) . [ من كلام له في الإمامة ]

فإن لم يَدْعُ منهم دَاعٍ. فهم أئمَّة للمسلمين في أمرهم وحلالهم وحرامهم، أبرارهم وأتقياؤهم. [ تثبيت الوصية ]

من هاتين الفقرتين يتضح عمق المكانة الدينية لأهل البيت (ع) في نظر الإمام زيد بن علي (ع) ؛ فهم والكتاب الثقلان ، ومعروف مكانة القرآن في هذه الأمة … فأهل البيت هم قرناء الكتاب في نظره وهم الثقل الثاني ، وهذا الموضوع يذكرنا بالحديث الشهير المتواتر المشهور بـ( حديث الثقلين ) الذي استدل به الإمام (ع) في كتاب تثبيت الوصية على ( عصمتهم ) وأنهم ( لا يضلون عن الحق أبداً ) ؛ إنه قول الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم : (( إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا - ولن تذلوا - كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض )).

إلا أن قول الإمام زيد (ع) في أهل البيت : لا يضلون عن الحق أبداً . يوحي بأنهم عنده معصومون أفراداً ، يقوي هذا ما جاء قبل هذه الجملة من قوله : وأعلم [ أي الله تعالى ] الناسَ عصمتَهم . لكنه يردّ على هذا المفهوم وينكره ولا يقبله ، فيعلن قائلاً :

(( إنما نحن مثل الناس ، منا المخطئ ومنا المصيب، فسائلونا ولا تقبلوا منا إلا ما وافق كتاب اللّه وسنة نبيئه صلى اللّه عليه وآله وسلم )) . [ من كلام له عن أهل البيت ]

وكأن هذا المفهوم – أعني مفهوم عصمة الأفراد – كان قد بدأ يسري في عقول عامة الشيعة ، فأعلن الإمام (ع) إنكاره ، فنظرة الإمام زيد (ع) لأهل البيت نظرة وسطية ؛ فهو ينظر إليهم على أنهم هداة الأمة ، وأنهم معصومون على سبيل الجملة ، لكن هذه الكلية لا تبرر خطأ المخطئ فيكون صواباً ، ولا ترفع من دخل في دائرتها إلى درجة لم يبلغها .

ولعل التساؤل عن وجوب اتباع أهل البيت مع اختلافهم كان موجوداً آنذاك ، ولذلك وجّه أحد أبناء المدينة سؤالاً في هذا إلى الإمام زيد (ع) ، فأجابه الإمام إجابةً شافية لنا بكل وضوح نظريته في هذه المسألة ؛ فقال :

(( وكتبتَ تسألني عن أهل بيتي وعن إختلافهم. فاعلم يرحمك اللّه تعالى أن أهل بيتي فيهم المصيب وفيهم المخطيء، غير أنه لا تكون هداة الأمة إلا منهم، فلا يصرفك عنهم الجاهلون، ولا يزهدك فيهم الذي لا يعلمون، وإذا رأيت الرجل منصرفاً عن هدينا، زاهداً في علمنا، راغباً عن مودتنا، فقد ضل ولا شك عن الحق، وهو من المبطلين الضالين، وإذا ضل الناس عن الحق، لم تكن الهداة إلا منا، فهذا قولي يرحمك اللّه تعالى في أهل بيتي )) .

نعم ؛ ونظرية الإمام زيد (ع) في وجوب اتباع أهل البيت هي ذات أفق واسع وأهداف في غاية الأهمية ، لأنه يرى أن سبب تشتت الأمة وتفرقها وتشرذمها إنما هو عدم احتكامهم ورجوعهم إلى خط أهل البيت (ع) ، فلذلك نشأت المذاهب والفرق وتعددت الأهواء ، وتبرأ كل من الآخر ونبزه بأسوأ الألقاب ، ومنذ ذلك الحين البعيد ! وكلٌّ أراد أن يكون متبوعاً لا تابعاً وأن يؤخذ بتأويله للقرآن وإن كان لا يؤوله إلا وفق هواه ، وإلا فوصمة الضلال قد نزلت على من أبى اتباعه ، هكذا دون دليل جعل فلاناً هو المتبوع دون فلان .

يقول (ع) في مقدمة كتاب الصفوة : (( وقد رأيتَ ما وقع الناس فيه من الاختلاف، تبرأوا [من بعضهم] وتأولوا القرآن برأيهم على أهوائهم،[و] اعتنقت كل فرقة منهم هوى، ثم تولوا عليه، وتأولوا القرآن على رأيهم ذلك ، بخلاف ما تأوله عليه غيرهم، ثم برئ بعضهم من بعض، وكلهم يزعم فيما يُزَيَّنُ له أن على هدى في رأيه وتأوله، وأن مَنْ خالفه على ضلالة أو كفر أو شرك، لابُدَّ لكل أهل هوى منهم أن يقولوا بعض ذلك.
وكل أهل هوى من أهل هذه القبلة يزعمون أنهم أولى الناس بالنبي صلى اللّه عليه وآله، وأعلمهم بالكتاب الذي جاء به، وأنهم أحق الناس بكل آية ذكر اللّه فيها صَفْوَةً أو حَبْوَةً أو هدى لأمة محمد صلى اللّه عليه وآله، وكلهم يزعم أن من خالفهم - في رأيهم وتأويلهم - من أهل بيت نبيهم برؤا منه، وأن أهل بيت نبيهم صلى اللّه عليه وآله لن يهتدوا إلا بمتابعتهم إياهم )) .

ثم أخذ (ع) يذم التفرق والاختلاف ، بل إنه – لِمَا رآه وعاينه – لم يعد مقتنعاً بأن ما أمامه أمة واحدة ، بل هم أمم وأديان ؛ إذ ليس الأخوان في الدين بالذين يتبرأ بعضهم من بعض ويقتل بعضهم بعضاً ؛ يقول (ع) في نفس المقدمة :

(( فإن قلتَ: هم أمة محمد صلى اللّه عليه وآله لأنهم كانوا مجتمعين في عهده، كما أمرهم اللّه عز وجل. قلنا : هم أمة محمد صلى اللّه عليه وآله لأنهم كانوا مجتمعين في عهده، كما أمرهم اللّه عز وجل. قلنا: نعم، فلما تفرقوا كما تفرق من كان قبلهم وقد نهوا عن التفرق صاروا أمماً كما كان من قبلهم حين تفرقوا بعد أن كانوا أمة واحدة، قال اللّه تبارك وتعالى: ﴿ وَاعْتَصِمُوْا بِحَبْلِ اللّه جَمِيْعاً وَلاَ تَفَرَّقُوْا وَاذْكُرُوْا نِعْمَةَ اللّه عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْن قُلُوْبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانَاً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُوْنَ﴾ [آل عمران: 103]. وليس الإخوان في الدين بالذين يتبرأ بعضهم من بعض، ويقتل بعضهم بعضاً، قال اللّه تبارك وتعالى: ﴿وَلاَ تَكُوْنُوْا كَالَّذِيْنَ تَفَرَّقُوْا وَاخْتَلَفُوْا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ البَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيْمٌ﴾[آل عمران: 105].
وقد بيَّن اللّه لكم أمر من كان قبلَ أمةِ محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم، بني إسرائيل كانوا أمَّة في عهد موسى صلى اللّه عليه، فَلمَّا تَفَرَّقوا سمَّاهم اللّه أمَماً، فقال: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِيْ الأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَالِحُوْنَ وَمِنْهُمْ دُوْنَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُوْنَ﴾[الأعراف: 168]. بلوا لأنَّهم تفرقوا بعد موسى، يزعُمُون كُلُّهم أنهم مُتَّبِعون لموسى مصدقون بالتَّوراة ويَستقبلون قِبْلَة واحدة، قال اللّه تبارك وتعالى: ﴿لَيْسُوْا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ أُمَّةً قَائِمَةً﴾[آل عمران: 113] فَسمَّاهم اللّه أهلَ الكتاب، ثم سمى أهلَ الحقِّ منهم أمةً قائمة، ثم وصَفَها، فقال: ﴿يَتْلُوْنَ آيَاتِ اللّهِ آنَاءَ اللَّيْل وَهُمْ يَسْجُدُوْنَ يُؤْمِنُوْنَ بَاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُوْنَ بِالمَعْرُوْفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَيُسَارِعُوْنَ فِيْ الخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِيْنَ﴾[آل عمران: 113 - 114].
فكُل فرقة من أهل هذه القِبْلة نصبوا أدياناً يَتَأوَّلون عليها ويتبرأون ممن خالفهم، فهم أمَّةٌ على هُدًى كانوا أم على ضَلالة، قال اللّه جَلَّ جلاله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيْمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً للَّهِ حَنِيْفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِيْنَ﴾[النحل:120]. فسمَّاه اللّه حين كان على دين لم يكن عليه أحَدٌ غيره: أمَّةً. قال اللّه جل ثناؤه لقوم اتَّبَعوا ضلالة آبائهم: ﴿إَنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُوْنَ﴾[الزخرف: 23].
وكذلك تفرَّقت هذه الأمَّةُ بَعْدَ نبيها صلى اللّه عليه وآله وسلم، أمَماً، كما تَفرقت بنو إسرائيل بعد مُوسى أمماً، وقد قال اللّه جل ثناؤه: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوْسَى أُمَّةٌ يَهْدُوْنَ بِالحَقِ وَبِهِ يَعْدِلُوْنَ﴾[الأعراف: 159].
)) .
أين الحل ؟!

الحل في نظر الإمام ليس إلا التزام منهج أهل البيت ، يواصل الإمام حديثه ويقول :

(( واعلم أنَّما أصاب الناسَ من الفتَن والاختلاف وشَبَّهت عليهم الأمور إلا من قِبَل ما أذكر لك، فأحسن النَّظر في كتابي هذا، واعلم أنك لن تستشفيَ بأوَّل قولي حتى تَبْلغ آخره إن شاء اللّه.

وذلك أنَّهم لم يروا لأهل بَيْت نبيِّهم صلى اللّه عليه فضلا عليهم - يَعْتَرفون لهم به - في قرَابَتِهم من النَّبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، ولا علماً بالكتاب ينتهون إلى شيء من قولهم فيه، فلما جاز لهم إنكار فضلهم، جاز ذلك لبعضهم على بعض.

وَسُمِّيَ كلُّ من استقبل القبلة وقرأ القرآن - من مؤمن أو مُنافق، أو أعْرَابيّ أو مهَاجِر، أو أعجمي أو عربي - من أمة محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم، وجاز لهم - فيما بينهم إذْ لم يروا لأهل بَيْت نبيهم فضلاً عليهم - أن يتأولَ كلُّ مَنْ قرأ القرآن برأيه، ثمَّ يقول هو ومن تابعه على رأيه: نحن أعلم الناس بالقرآن وأهداهم فيه. فخالفهم ضرباؤهم - من الناس في رأيهم وتأولهم - وأكفاؤهم في السنة. وقد قرأوا القرآن مثل قراءتهم، وأقروا من تصديق النبي صلى اللّه عليه وآله بمثل ما أقروا به، فمن هنالك اختلفوا ولا يرجع بعضهم إلى بعض، فانظر فيما أصف لك.

فلعمري إنا لنعلم أن أعلم الناس أعلمهم بالقرآن، وأن أهدى الناس لَمَن عمل به الْمُتَّبِع لما فيه، ولقد قال اللّه جل ثناؤه: ﴿إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِيْ للَّتِيْ هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِيْنَ الَّذِيْنَ يَعْمَلُوْنَ الصَالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيْراً﴾[الإسراء: 9].
ولكن انظر - إذا تفرق الناس وكلهم يُقِرُّ بالكتاب وبالنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، وبعضهم ينتحل الهدى دون بعض - هل في كتاب اللّه عز وجل تفضيل لبعض أهل هذه القبلة على بعض؟ فينبغي أن تعرف أهل ذلك التفضيل في كتاب اللّه جل ثناؤه، وتُفَضِّلهم بما فضلهم اللّه عز وجل، وتكون بهم مقتدياً. )) .

القيادة في الحكم ( الإمامة ) :

مسألة الإمامة في نظر الإمام (ع) مسألة لا بد منها ، فلا بد للناس من والٍ يقيم أمورهم ويدبر شئونهم ، لكنها مع ذلك تخضع للموازين الشرعية ، فليس للناس اختيار الإمام – الذي لا بد منه – إلا وفق موازين الشارع ، وبعد النظر في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله ؛ يقول الإمام [ كتاب تثبيت الإمامة ] :

(( ثم سَألنَا الفريقين جميعاً هل للناس بُدّ من والٍ يصلي بهم، ويقيم أعيادهم، ويَجْبِي زكاتهم، ويعطيها فقراءهم، ويأخذ غنائمهم ويقسمها، ويقضي بينهم، ويأخذ لضعيفهم من قويهم، ويقيم حدودهم؟ فاجتمع الفريقان على أنه لابد من والٍ يقوم فيهم بالحق، ويعمل فيهم بالسُّنّة. فقبلنا منهم، وشهدنا أنه الحق، وأنه لابد للناس من والٍ يقوم فيهم بالحق، ويعمل فيهم بالسُّنن.

ثم سَألنَا الفريقين هل للناس أن يتبرعوا بتولية رجل يجعلونه إماماً وخليفة عليهم قَبْلَ أن ينظروا في كتاب اللّه عز وجل والسُّنَّة؟ فإن وجدوا الكتاب والسنة يدلان على تولية رجل باسمه وبفضله يولونه عليهم، لفضله عليهم في الكتاب والسنة. فاجتمع الفريقان على أن ليس للأمة أن يَتَبَرَّعوا بولاية رجل يختارونه ويجعلونه عليهم والياً، يحكم بينهم، دون أن ينظروا في كتاب اللّه عز وجل والسُّنة، فإن وجدوا الكتاب والسنة يدلان على تولية رجل باسمه وفضله ولَّوه عليهم، وإن لم يجدوا الكتاب والسنة يدلان على تولية رجل باسمه وفضله كانت لهم الشورى بعد ذلك بما وافق الكتاب والسنة. فلما أجمعوا على ذلك قَبِلْنَا منهم، وشهدنا أنه ليس للأمة أن يتبرعوا بتولية والٍ على أن يجعلوه الخليفة والإمام دون أن ينظروا في الكتاب والسنة )) .

ثم جعل عليه السلام يتتبع صفات الإمام أخذاً وردّاً وفق الموازين الشرعية ليصل في النهاية إلى استحقاق أمير المؤمنين (ع) لها ، وذلك حيث الميزان الشرع لا الرأي .

إلا أن لنا تنبيهاً هنا بخصوص كتاب ( تثبيت الإمامة ) وهو أن الإمام زيداً بنى كلامه فيه على إثبات المذهب بما يلتزمه الخصم أصلاً ، وعلى ذلك فربما أتى بأدلة توهم في ظاهرها أن لا منصب معين للإمامة ، وهذا خلاف ما صرح به أكثر من مرة وأسلفنا ذكره عنه ، يوضح هذا قوله (ع) :

(( ثم سَألنَا الذين زعموا أن النبي صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم استخلف علي بن أبي طالب - صلوات اللّه عليه وسلامه - ومضى: هل لكم بينة عُدُولٌ من غيركم على ما ادَّعيتم فنصدقكم ونقضي لكم؟
قالوا: لا نجد بينةً عدولاً من غيرنا .
ثم سَألنَا الذين زعموا أن النبي صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم مضى ولم يستخلف أحداً - وأنه جعل ذلك إليهم ليختاروا لأنفسهم، فاختاروا أبا بكر-: هل لكم بَيِّنة عُدُولٌ من غيركم فَنُصَدِّقَكُم ونقضي لكم؟
قالوا: لا نجد بينة عدولاً من غيرنا.
فَلَمَّا لم يجد الفريقان البينةَ العدول من غيرهم على ما ادعوا أوقفناهم حتى نعلم المُحِقَّ من المُبْطِل )) .

وبالطبع هذا لا يعني عدم قيام الحجة على المخالف بالآيات والأحاديث القطعية ، إذ المخالف لا يلتزم مدلولها ، والله أعلم .

نعم ؛ ثم اختتم الإمام (ع) كتابه تثبيت الإمامة بخاتمة هامة استدل فيها على ثبوت الإمامة من حيث هي ، وهي في نفس الوقت تحمل إشارة واضحة على كون الإمامة شرعية ، فقال (ع) :

(( واجتمعت الأمة على: أن اللّه تبارك وتعالى بعث محمداً صلى اللّه عليه وآله وسلم بالنبوة، فأقام في قومه عشر سنين كما حكم اللّه عليه، وجادلهم بالتي هي أحسن، فسموه: مجنوناً، وكذاباً، وكاهناً، وساحراً، فأقام مع المشركين وهم في شركهم حتى انقضت الأيام والسنون، ثم أمره اللّه عز وجل أن ينصر هجرته وأن يشهر سيفه، وأن يصير إلى حيث يقاتل من خالفه، حتى يدخل في طاعته، وأن يقيم الحدود،واجتمعت الأمة على: أن اللّه تبارك وتعالى بعث محمداً صلى اللّه عليه وآله وسلم بالنبوة، فأقام في قومه عشر سنين كما حكم اللّه عليه، وجادلهم بالتي هي أحسن، فسموه: مجنوناً، وكذاباً، وكاهناً، وساحراً، فأقام مع المشركين وهم في شركهم حتى انقضت الأيام والسنون، ثم أمره اللّه عز وجل أن ينصر هجرته وأن يشهر سيفه، وأن يصير إلى حيث يقاتل من خالفه، حتى يدخل في طاعته، وأن يقيم الحدود، وأن يأخذ للضعيف من القوي، فلم يزل ناصراً هجرته، وشاهراً سيفه، يقاتل من خالفه، ويقيم الحدود حتى لحق بالله عز وجل.

واجتمعت الأمة على: أن النبوة لا تورث، فقبلنا منهم وشهدنا أن النبوءة لا تورث.

وسَألنَا الأمة: إنفاذُ الذي جاء من عند الله بالسنن، وإقامة الحدود، ودفع إلى كل ذي حق حقه ونبوةٌ؟ فكان من عمل بها فهو نبي؟ فقالوا: لا، ولكن النبوة: الإخبار عن اللّه والسبيل بالكتاب والسنة . فهذا بيان لمن تفكر فيه ولم يعطف الحق إلى هواه، ورضي بالحياة الدنيا واطمأن إليها. والسلام )) .

والواجبات التي ذكرها الإمام (ع) ماهي معلومة إلا من قبل الشرع ، وبها أشار إلى ضرورة مَن يقوم بها بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم !

وجوب طاعة الإمام ! :

لا بد من طاعة الإمام لينفذ أحكامه ، وإلا فما فائدته فإنما جعل الإمام ليؤتم به ، وهذا الأمر بالتأكيد لم يغفل الإمام ذكره ، وكيف يغفل ذكره وإنما تقوم الإمامة به !

يقول الإمام في رسالة الحقوق : (( وحق اللّه على عبده في أئمة الهدى أن ينصح لهم في السِّر والعلانية، وأن يجاهد معهم، وأن يبذل نفسه وماله دُوْنَهم، إن كان قادراً على ذلك من أهل السلامة )) .

لكن .. وكيف يطاع الإمام ؟! ما الموجب لطاعة فرد من أهل البيت والنص عليه غير موجود كما قدمنا ؟! وباختصار : كيف نعرف الإمام ؟!!

سؤال قد يتبادر إلى الأذهان ، وإمامنا الأعظم أبو الحسين (ع) يجيب لنا عنه أيضاً عندما نتأمل كلماته في رسالته العظيمة إلى علماء الأمة ، فهو فيها ( يدعوهم ) إلى كتاب الله ، و ( يدعوهم ) إلى الإجابة .. والإنابة .. والإعانة ، إنها الدعوة وإظهار الأمر التي من خلالها تقوم الحجة على العباد .

يقول الإمام (ع) في رسالته إلى العلماء : (( اللهم قد طلبنا المعذرة إليك، وقد عَرَّفْتَنَا أنك لا تُصلح عَمَلَ المفسدين، فأنت اللهم ولينا، والحاكم فيما بيننا وبين قومنا بالحق. .

هذا مانقول وهذا ما ندعوا إليه، فمن أجابنا إلى الحق فأنت تُثِيْبه وتجازيه، ومن أبى إلا عُتواً وعناداً فأنت تعاقبه على عتوه وعناده

فالله اللّه عباد اللّه أجيبوا إلى كتاب الله وسارعوا إليه، واتخذوه حَكَماً فيما شَجَر بينكم، وعدلا فيما فيه اختلفنا، وإماماً فيما فيه تنازعنا، فإنا به راضون، وإليه منتهون، ولما فيه مُسْلِمون لنا وعلينا، لانريد بذلك سلطاناً في الدنيا، إلا سلطانك، ولا نلتمس بذلك أثرة على مؤمن، ولا مؤمنة، ولا حُرٍّ، ولا عبد.

عباد اللّه فأجيبونا إجابة حَسَنة تكن لكم البشرى بقول اللّه عز وجل في كتابه: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِيْنَ يَسْتَمِعُوْنَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُوْنَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: 18]، ويقول: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِيْ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ﴾[فصلت: 33].
عباد اللّه فاسرعوا بالإنابة وابذلوا النصيحة، فنحن أعلم الأمة بالله، وأوعى الخلق للحكمة، وعلينا نزل القرآن ، وفينا كان يهبط جبريل عليه السلام، ومِنْ عندنا اقتبس الخير، فَمَنْ عَلِمَ خيراً فمنا اقتبسه، ومن قال خيراً فنحن أصله، ونحن أهل المعروف، ونحن النَّاهون عن المنكر، ونحن الحافظون لحدود اللّه.

عباد اللّه فأعينونا على من استعبد أمتنا، وأخرب أمانتنا، وعَطَّل كتابنا، وتَشَرَّف بفضل شرفنا، وقد وثقنا من نفوسنا بالمضي على أمورنا، والجهاد في سبيل خالقنا، وشريعة نبينا صلى اللّه عليه وآله وسلم، صابرين على الحق، لا نجزع من نائبة مَنْ ظَلَمَنا، ولا نَرْهَبُ الموتَ إذا سَلِمَ لنا دِيْنُنَا، فتعاونوا تنصروا يقول اللّه عز وجل في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا إَنْ تَنْصُرُوْا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]، ويقول اللّه عز وجل: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌ عَزِيْزٌ الَّذِيْنَ إِنْ مَكَنَّاهُمْ فِيْ الأَرْضِ أَقَامُوْا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوْا بِالْمَعْرُوْفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُوْرِ﴾ [الحج: 40 - 41].
)) .

ثم ها هو يقرر هذه القضية ؛ قضية ( الدعوة ) ووجوب نصرة ( الداعي ) و ( القائم ) من أهل البيت (ع) فيقول :

(( فيا علماء السوء مَحَوتُم كتاب اللّه محواً، وضربتم وجه الدين ضرباً، فَنَدَّ والله نَدِيْدَ البَعِيْرِ الشارد، هرباً منكم، فبسوء صنيعكم سُفِكَت دماء القائمين بدعوة الحق من ذرية النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، ورُفِعَت رؤوسهم فوق الأسنة، وصُفِّدوا في الحديد، وخَلَصَ إليهم الذُّل، واستشعروا الكَرْب وتَسَرْبَلوا الأحزان، يتنفسون الصُّعَداء، ويتشاكون الجهد؛ فهذا ما قدمتم لأنفسكم، وهذا ما حملتموه على ظهوركم، فالله المستعان، وهو الحكم بيننا وبينكم، يقضي بالحق وهو خير الفاصلين)) .

ويواصل عليه السلام موضحاً دعوته قائلاً : (( وقد كتبتُ إليكم كتاباً بالذي أريد من القيام به فيكم، وهو: العمل بكتاب اللّه، وإحياء سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، فبالكتاب قَوَام الإيمان، وبالسُّنَّة يثبت الدين، وإنما البدع أكاذيب تُخْتَرَع، وأهواء تُتَّبَع، يتولى فيها وعليها رجالٌ رجالاً صدُّوهم عن دين اللّه، وذادوهم عن صراطه، فإذا غَيَّرها المؤمن، ونهى عنها

سجاد البغدادي
16-07-2010, 10:20 AM
مشكووورين اخويه على المضووع المبارك جزاك الله خير الجزاء ...

تحياتي ....سجاد البغدادي ...