المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نحو اسرةٍ سعيـــدة


نور المولى المقدس
01-01-2012, 10:18 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل وسلم على محمد وآل محمد وعجل فرجهم والعن عدوهم

نحو اسرةٍ سعيــــدة : موضوع اقدمه بين يديكم في حلقات يتضمن المباديء الاساسية للأسرة السعيدة ولكيلا يكون الموضوع مملاً سيقدم في حلقات كل يوم حلقة إن شاء الله وهو عبارة عن محاضرات تم تجميعها للشيخ حبيب الكاظمي وفقه الله
الحلقةالاولى

مقدمة حول قدسية العش الزوجي

مقدمة :
لابد لمن يريد أن يصل إلى مستوى من مستويات التكامل والقرب من الله عزوجل، أن يعمل على حقلين: الأول: إيجاد المقتضيات -أي الدوافع-، والثاني: رفع الموانع.. ومن المعلوم أن المقتضيات في حياة الإنسان المؤمن كثيرة، فإن الإنسان المؤمن من الممكن أن يوجد المقتضيات الكافية للسير إلى الله عزوجل، من تهيئة العناصر الضرورية للتقرب إليه، ومن خلق أجواء عبادية تأملية.. ولكن المشكلة تأتي من خلال الموانع التي لا تُتوقع!.. ومن روافد الموانع بالنسبة إلى الحركة التكاملية: مسألة الخلاف الزوجي، والخلاف العائلي، والخلاف الاجتماعي.. إذ نلاحظ أن المؤمن إذا ابتلى بإحدى هذه الصور من الخلاف؛ فإن كثيرا من جهوده في هذا المجال تصادر.. ومن هنا عليه أن ينزع فتيل الانفجار، أو يحاول أن يقضي على كل بؤرة من بؤر الفساد المتوقعة في حياته بشكل عام.

ولا يخفى أن الشيطان اللعين يهمه الإنسان المؤمن، وكلما زاد إيمانه كلما زاد طمعه؛ لأنه مطرود من رحمة الله عزوجل، ويريد الانتقام، وما دام فاته الانتقام من آدم والأنبياء والمرسلين والصلحاء والمخلَصين، فإنه يركز جهوده على الأتباع الموجودين.. ومن أفضل صور السيطرة الشيطانية على الإنسان، هو: الدخول من خلال الحياة الزوجية.. ومما يسهل عليه ذلك، استغلاله لطبيعة المرأة العاطفية.. إن العاطفة والرقة جانب حسن؛ ولكن -مع الأسف- الشيطان يحاول أن يسيء الاستفادة من هذا المجال، فيحاول أن يخلق جواً من المشاكسة والتوتر بين الزوجين.. ومن الأمور التي تحقق له حالة من حالات السرور القصوى، فيرتفع ويباهي أبالسته -كما في مضمون الروايات-، فيما لو فرق بين مؤمن ومؤمنة.

وينبغي أن نلتفت أنه إذا وجد خلاف بين مؤمن ومؤمنة، فإن الخلاف يتحول إلى اختلاف، وبالتالي إلى خصام، وكما ورد في الحديث: (من بالغ في الخصومة ظلم، ومن قصّر ظلم،ولا يستطيع أن يتقي الله من يخاصم).. إن الشهوة والغضب سحابتان داكنتان، وإذا سيطرتا على أرض، فإنها تحجب الإنسان عن النظر إلى الشمس.. هذه حقيقة لا تنكر.. ولهذا نلاحظ بأن المؤمن الصالح عندما يترقى في الإيمان درجة، والشيطان ييأس من الدخول إلى مملكته، فإنه يحاول أن يجد ثغرة من خلال ولده، أو من خلال أبويه...؛ يرى أضعف النقاط في حياته الاجتماعية، والزاوية التي يمكن أن يأتي من خلالها؛ ويحاول أن يقضي على الإنسان من خلال تلك النقطة.. فعلينا أن نراقب هذه الثغرات الضعيفة، أو الزوايا الحساسة الهشة، التي يمكن أن يُؤتى من خلالها الإنسان.

البنية الثقافية :
إن من الأسس القوية التي تعين على تكوين البناء الزوجي: الإلمام بالثقافة الجيدة في مجال الحياة الزوجية والأسرية.. ومن الضروري الاهتمام بهذا الجانب.. فمن الملاحظ أن بعض الناس مستعد أن يتغرب عن وطنه أشهراً أو سنوات، لكي يجتاز دورة ثقافية في عالم من العوالم، ولكن يهمل هذا الجانب المهم في حياته!.. العلاقة مع ربه ألا تحتاج إلى دورة وإلى قراءة مركزة؟.. إذا كانت هذه علاقات فوقية -وهي لأهلها-، فماذا عن العلاقات الأرضية التحتية؟.. إن العلاقة مع الزوجة علاقة معقدة، عبارة عن تزاوج والتقاء نفسين.. إن الزواج ليس عبارة عن ضم نصف تفاحة إلى نصف تفاحة أخرى، وإنما نصف ثمرة مع نصف ثمرة أخرى، لها جيناتها، ولها سابقتها، ولها عالمها ومكوناتها.. هناك شخصان: هذا من بيئة، وهذا من بيئة.. وعندما يتزوج الإنسان من بلد آخر، ومن لغة أخرى، ومن أصول وراثية أخرى.. علينا أن لا نتوقع الالتقاء بشكل كامل، فمن الطبيعي أن يكون هنالك اختلاف في وجهات النظر المختلفة.

تحكيم الشريعة :
بما أن الخلاف أمر طبيعي ومن المستحيل الاتفاق بشكل كامل؛ فإذن، لابد من الاتفاق بينهما على تعيين حكم تكون له كلمة الفصل، وهذا الحكم ليس هو الزوج ولا الزوجة -إذ لا يعقل أن يكون الخصم هو نفسه القاضي!..-، ولا أهل الزوج ولا أهل الزوجة.. لابد من وجود حكم خارج هذه الدائرة، وهو أن يعرض الخلاف على ميزان الشريعة، فما وافق الشريعة فإنه يكون الحد الفاصل لحسم الخلاف وخضوع الطرف الآخر.. والقرآن الكريم في آية صريحة يقسم بأنه من علامات الإيمان هو القبول بهذه الحاكمية، ولا يكتفي بذلك القبول الظاهري فقط، بل أيضاً أن لا يجد الإنسان في نفسه شيئاً ويسلم تسليماً كاملاً: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا}.

فإذا كان الحكم هو الشرع المقدس -الذي لا ينحاز إلى باطل أبداً-، فهل تخاف الزوجة من المستقبل في حياتها الزوجية؟.. فإنه من المعلوم أن من مصادر التوتر في الحياة، هو دائماً الخوف من المستقبل المجهول.. ولهذا عندما تُسأل الفتاة التي تزوجت شاباً مؤمناً، أو يُسأل الشاب المؤمن عندما تزوج فتاة مؤمنة؛ ترى أن الجواب فيه حالة من القلق من المستقبل، لأنه لا يعلم أنه هل ستستمر هذه العلاقة مستقبلاً كما هي الآن أو لا!.. وعليه، فإن الذي يُطمئن الزوجين، هو هذه الحكمية؛ لأنهما يعلمان أن القرار الأخير في الحياة الزوجية وغير الحياة الزوجية، هو رب العالمين من خلال شريعته.

مراجعة أهل الخبرة :
ليس من العيب أبداً أن يذهب الإنسان قبل أن يتزوج إلى أهل التعقل وأهل التدبر وأهل التجربة؛ فإن أخذ العلم من صدور الرجال، اختصار للمراحل.. هناك بعض الناس اكتسبوا معلومات قيّمة في الحياة، لا توجد في بطون الكتب، وإنما اكتسبوها بالممارسة.. عندما نجلس مع بعض الذين نجحوا في حياتهم الزوجية، وبلغوا مبلغاً من العمر، ونسألهم عن سر هذا النجاح؟.. نلاحظ بأنه يضع يده على أمرين، وهما: التعبد الشرعي، وحالة الانسجام وقبول الحاكمية المعقولة للرجل التي فرضها الله عزوجل له، إذ قال تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء}.

التدبر والتأمل :
وخير آية يمكن أن تكون مصدراً تربوياً للحياة الزوجية، هو هذه الآية التي يقرؤها العاقدون قبل عقدهم، ويكتبها الكاتبون في مقدمة بطاقات زواجهم: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.
وقفة تأمل في قوله تعالى : {وجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً}:

- الجعل الإلهي :
إن هذه المودة لم تأت من الغرائز فحسب، ولم تأت جزافاً وتلقائياً، وإنما هي مودة مجعولة.. هذه المودة المجعولة لم تأت من عقد العاقد، ولا من رغبة الزوجين في الحياة الزوجية، وإنما جاءت بجعل من الله عزوجل.. ولهذا -المتزوجون يعرفون هذه الحقيقة جيداً- فإنه لمجرد انتهاء العقد، وإذا به يعيش حالة من الأنس، وكأن له تاريخا قديما معها، فيعيش هذا الأنس تجاه زوجته.. فمن جعل هذه المودة؟.. إنه هو الجاعل!.. هو الذي في آيات أخرى بالنسبة للأمة يقول: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.. كما أنه ألف بين قلوب المسلمين، بعدما كانوا على شفا حفرة من النار، هذه اليد القديرة التي ألفت بين صفوف المسلمين -واجتماع الأمة على كلمة واحدة ليس بالأمر الهين-، هو بطريق أولى يقدر على أن يؤلف بين نفسين وبين فردين.. لنحاول أن ننسق مع هذا الجاعل، لئلا يسلب جعله، ولئلا يبطل مفعول هذا الجعل، بسوء تصرفنا.. فإن الله عزوجل جعل هذه المودة.. ولهذا نلاحظ بأن الزوجين في شهر العسل، يعيشان قمة الانسجام والوئام والمحبة، ولكن -مع الأسف- بمرور الأيام تُهد أو تحطم أو تأخذ شيئاً من هذا البناء، من هذا الجبل الشامخ.

- الفرق بين المودة والرحمة :
إن المودة والرحمة بحسب الظاهر لفظتان قريبتان في المعنى، ولكنهما في الحقيقة متفاوتتان.. فإن الرحمة -والله العالم- حالة أرقى من حالة المودة، إذ أن فيها نفسا إنسانيا، وفيها نفسا تجريديا.. قد تكون المودة مبتنية على بعض المصالح الغريزية وما شابه ذلك، ولكن الرحمة حالة إنسانية راقية.. إن الحياة الزوجية تقوم على أساس المودة، التي تأتي من روافد عديدة، منها: الغريزة، وطلب النسل، والاستقرار في الحياة، وتدبير الأمور المعيشية اليومية؛ ولكن الرحمة تبقى لا تتأثر بالعوامل اليومية.. والدليل على أن هذه الرحمة حالة إنسانية راقية، هو أنها تنقدح في نفس الإنسان حتى تجاه الحيوانات.. ونحن نجل حتى الكافر الذي يرق على الحيوان، فهذه حركة إنسانية، ومن المعلوم أن الله عزوجل قد يثيبه بنوع من الثواب، ولو تخفيفاً للعقاب مثلاً، أو تعجيلاً لبعض المثوبات في الحياة الدنيا.. ولكن هذه الحالة من الشفقة والرحمة، إذا وجدت بالإضافة إلى المودة، وبالإضافة إلى الجهات الغريزية، والحاجة اليومية؛ فإن هذا المعجون بمثابة الصلب أو البناء المحكم الذي لا يمكن أن ينهدم مع تقادم الأيام.

الالتجاء إلى الله تعالى :
إن من المناسب للإنسان أن يكثر من الدعاء في أن يبارك الله عزوجل له في أسرته.. ومن المعلوم أن هذا هو ديدن الأنبياء (ع)، إذ الملاحظ أن الأنبياء (ع) كانوا يفكرون في ثمرة الحياة الزوجية، ويطلبون من الله عزوجل الدرجات العليا لذرياتهم.. فهذا إبراهيم (ع) يُجعل للناس إماماً، فيطلب ذلك لذريته: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}.. وهذا نوح (ع) يهمه أمر ولده الكافر، فيطلب من الله تعالى أن ينجيه من الغرق: {وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ}.

إن المؤمن بعيد النظر، يحاول أن يقطف ثمار هذه الحياة الزوجية، ليحقق السعادة في تلك الليلة الموحشة.. ولهذا فإن المؤمن من ليلة الزفاف -تلك الليلة؛ ليلة فوران الغرائز، ليلة الوصول إلى الطموحات والآمال الغريزية- يعمل بمستحبات ليلة الزفاف: يصلي، ويبتهل إلى الله تعالى، ويدعو أن يبارك له في زواجه، ويطلب الذرية الصالحة.. نعم، أنت في تلك الليلة تغرس بذرة، وهذه البذرة تنمو بمباركة الله عزوجل، وبسقيك أنت لهذه البذرة، إلى أن تعطي الثمرة في تلك الليلة الموحشة: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له).. في تلك الليلة ابتهلت إلى الله عزوجل، برغم الدوافع الغريزية، ولم تحاول أن تنسيك ذكر الله عزوجل، وإذا بك تقطف الثمار في تلك الليلة الموحشة.

ولهذا نقول للذين يدّعون أنه لا حاجة لديهم للزواج -كأن تحب البنت أن تتبتل، ويحب الرجل أن يتخلص من تبعات الحياة الزوجية وتشكيل الأسرة-: ادعُ الله عزوجل بأن يجمع شملكم في حياة زوجية سعيدة!.. لأنه كل البركات الأخرى، لا يمكن أن تعوض بفقدان الذرية.. هب أنك تفرغت لخدمة الدين، وأنت أيتها المؤمنة تفرغت للانقطاع إلى الله عزوجل، ولكن سيأتي ذلك اليوم الذي تعيشين الوحدة في ذلك العالم.. طبعاً، هذا إذا كان التقصير من الإنسان، أما إذا كان قضاءً وقدراً فهذا أمر آخر.. فهذا ليس بالأمر المرغوب فيه، أن يتعمد الإنسان ويرغب ويتمنى هذه الحالة!.. ومن المعلوم أن هذه من سنة النبي (ص)، ولو كان التبتل بهذا المعنى أمراً حسناً، لقامت به فاطمة (ص).. ليس هذه من شعار الإسلام أبداً!.. هنيئاً لمن كان سعيداً في حياته الزوجية، بمباركة الله عزوجل!.. ومن كان سعيداً بعد وفاته، بتلك الذرية الصالحة التي تمده بالعطاء والأجر العظيم، في مرحلةٍ أحوج ما يكون فيها إلى حسنة واحدة ترجح من كفة حسناته!..

شموع الأمل
02-01-2012, 03:23 AM
موضوع رائع جدا
اشكر لكِ جميل اختياركِ
اسعدك الله ووفقكِ

كرارية الولاء
02-01-2012, 01:28 PM
اللهم صل على محمد وال محمد ..

رزقنكم الله حياة سعيدة وذرية صالحة
تسلم اخي الفاضل على الطرح القيم
بارك الله بكم

نور المولى المقدس
02-01-2012, 04:34 PM
جزيل الشكر على مروركم بموضوعي .....

نور المولى المقدس
02-01-2012, 09:23 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل وسلم على محمد وآل محمد وعجل فرجهم والعن عدوهم

الحلقة الثانية

المرأة تطلب لأمور




واقع الحياة الزوجية :


إن واقع الحياة الزوجية عبارة عن تزاوج بين النفوس لا بين الأبدان.. وهذا خلافاً لما هو في ذهن عامة الشباب وعامة الشابات، الذين يرون بأن الحالة الزوجية عبارة عن اقتران بدني، يغلب عليه الجانب الغريزي.. والحال بأنه إذا اعتقد الزوجان بأن هنالك تزاوجا بين النفوس، فمن الطبيعي أن يحاولا تقريب الانسجام النفسي فيما بينهما.. فالجوانب الغريزية من الأمور التابعة للجانب النفسي، أي أنه إذا وجدت المودة والرحمة، فإن الجانب الغريزي أيضاً يصبح له وقع متميز بين الزوجين.. ومن هنا نحن نعتقد أن الأسرة المثالية -الأسرة الإيمانية- تعيش حالة السرور التام، قلباً وقالباً.



فإذن، إن الحل يكمن في الوصول إلى هذه النقطة، وهي: أن التزاوج يحتاج إلى بلوغ نفسي.. أي أنه لابد للزوجين أن يُرّفعا من مستوى التفكير، بحيث يكون العقل هو العنصر الحاكم في الحياة الزوجية.. ومن الملاحظ أن هناك تأكيداً لا نظير له في الروايات على عنصر العقل، كالذي ورد عن الإمام الباقر (ع) إذ قال: (لما خلق الله عزوجل العقل استنطقه، ثم قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، ثم قال له: وعزتي!.. ما خلقت خلقاً هو أحب إلي منك، ولا أكملك إلا فيمن أحب، أما إني إياك آمر، وإياك أنهى، وإياك أعاقب، وإياك أثيب).. إن الله عزوجل لا يكَّمل العقل إلا فيمن يحب، فإذا أحب الله عبداً أكمل فيه الجانب العقلي والجانب التعقلي.. ومن المعلوم أن العقل إجمالاً -كما في تعريف بعض الروايات- هو: (ما عبد به الرحمن، واكتسب به الجنان).



إن هنالك حاكمين متشاكسين في مملكة الوجود، وهما: حاكمية العقل، وفي المقابل هنالك جنود الهوى؛ والحرب سجال فيما بينهما.. ولكن كما نفهم من روايات أهل البيت (ص) أن هذا العقل يعمل في وجود الإنسان على نحو هبة إلهية.. هناك أجهزة إنذار داخل وجود الإنسان، ما يسمى -هذه الأيام- بالوجدان، أو بالضمير، أو بالجهات المؤنبة في وجود الإنسان، ولكن مع مرور الزمن وعدم الإصغاء لنداء الباطن والفطرة والوجدان، نلاحظ بأن هذا الحاكم يُعزل من منصبه.. وبالتالي، فإن جنود الهوى تصبح هي الحاكمة في مملكة العقل.



وإذا اتفق الزوجان في حياتهما الزوجية على هذين الحاكمين: حاكم الدين، وحاكم العقل؛ فإن حياتهما ستكون مستقرة وسعيدة.. نحن لا ننكر بأن العقل لابد من ضمه إلى جانب الدين؛ لأن الإنسان من الممكن أن يعلم المسألة الشرعية، ولكن لا عقل له كي يشخص له الموضوع.. مثلاً: نحن نعلم أن المرأة عليها أن لا تخرج من المنزل إلا بإذن الزوج، وأن لا تعمل بما ينافي حق الزوج؛ ولكن تشخيص ما هو حق الزوج، ومتى تنتهك حرمات الزوج، ومسألة العدالة في التعامل في الحياة الزوجية، وما شابه ذلك، قد يستشكل فهمها وتطبيقها؛ فالمشكلة بين الزوجين هي في تطبيق المصاديق.. هذه الأيام من روافد الخلاف الكبرى بين الزوجين -كما نستقرئ ونسمع- هو تحيز كل واحد منهما إلى أهله، بداعي صلة الرحم.. من قال بأن صلة الرحم بهذه الصيغة التي يراها؟!.. وهنا يأتي دور العقل والفهم والالتفات العرفي، لتشخيص المفاهيم.. فالزوجان متفقان في هذه الناحية: أنه لابد من العمل بهذه المبادئ، ولكن المشكلة في تطبيق المبادئ في حياتهم الزوجية، ولهذا لابد من الاستعانة بالشرع، والاستعانة بالعقل وبالفهم المنطقي للأمور.



ومن هنا يحسن العمل بهذا الاقتراح: في اجتماعاتنا المهمة المصيرية في الحياة، وحتى للأمور المادية، وفي المفاوضات الأسرية، مثلاً: إذا أراد الإنسان أن يجلس إلى ولده لينقل له نصيحة مهمة، قد تغير مجرى حياته، من المناسب أن يلتجئ إلى الله عزوجل بركعتين، بنية طلب التسديد.. وهنالك ركعتان بعنوان صلاة الاستخارة، بعد الانتهاء يقول: (اللهم!.. خر لي واختر لي خِيّرة في عافية) مئة مرة، ثم ينظر إلى قلبه، فما يقع في قلبه يقال بأن هذا هو الذي يريده الرحمن.. لنستعمل هذه الصيغة في أحاديثنا وفي خلافاتنا، بأن نطلب من الله سبحانه وتعالى أن يقذف في قلوبنا ما يريده.



وينبغي أن لا نتعجب من هذه الظاهرة، فإن الأمر كما نلاحظ في القرآن الكريم في آية صريحة، إذ يقول تعالى: {إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا} فمن هو هذا الموفق؟.. هل الله عزوجل يوفق بينهما؟.. هل يبعث لهما ملكاً؟.. هل يوحي إليهما؟.. لله عزوجل أسلوبه الخاص في مسألة الإلقاء في الورع، ليوفق بينهما، ومن صور التوفيق الإلهي أن يرجع المودة المجعولة التي سلبت.. نحن قلنا أنه بمجرد الزواج تقذف حالة المودة، وهذه المودة تتلاشى مع مرور الأيام مع الخلاف، ولكن لا ينبغي اليأس في هذا المجال، ولا بأس أن يطلب الإنسان من الله عزوجل أن يعيد إلى الحياة الزوجية تلك المودة التي سلبت، نتيجة لبعض الممارسات الخاطئة أو ما شابه ذلك.



المرأة تطلب لأمور :


إن المرأة تطلب لأمور، منها :


- الاستمتاع الغريزي :


لا شك أن دافع الغريزة دافع حقيقي، وليس دافعاً تخيلياً.. حيث أن هنالك هرمونات تفرزها غدد تصب في بدن الإنسان، ومركز هذه الغدد في مخ الإنسان.. فالإنسان قد يكابر ويقول: أنه لا شهوة لي، ولا غريزة لي؛ ولكن هنالك واقعا، من قبيل الماء الذي يدخل الحقل، والزارع ينكر وجود الماء في حقله!.. لا يمكن الإنكار، لأن هذا رافد طبيعي، فهنالك أمطار تأتي رغم أنف الزارع وتدخل في أرضه.. إن الحركة الهرمونية في البدن هي هكذا، هنالك سيل من الهرمونات تنزل في دم الإنسان، فيثار، حتى لو كان صاحبه في أعلى درجات النزاهة الأخلاقية أو جهاد النفس.. فإذن، الجانب الغريزي لا يمكن إنكاره في حياة الإنسان المؤمن، فكيف إذا كان الإنسان ممن يثير غريزته عمداً: إثارةً عن طريق الصور، والواقع، والتخيل وما شابه ذلك؟!..



- تدبير شؤون المنزل :


إن هذا الهدف هو أيضا من أهداف الحياة الزوجية، وهذا واقع لا ينكر، بأن الرجال يتحركون؛ لسد هذا الفراغ في حياتهم اليومية.



- الرغبة في التناسل :


كذلك مسألة التناسل.. فالإنسان له الحق أن يتمنى وجود حرث ونسل بعد وفاته، مما يدعوه إلى أن يتناسل.. ولهذا نلاحظ في بعض الحالات من الخلاف الزوجي أن الزوجين يصرحان أمام بعضهما البعض، أنه لولا مسألة الأولاد لما استمرينا في هذه العلاقة.



- الأنس والارتياح النفسي :


إن الإنسان بطبيعته اجتماعي، لا يريد الوحدة.. ولهذا يقال أن الذين يألفون الوحدة والعزلة، هم أحد أمرين: إما أنهم يعيشون حالة الأنس الشديد بالله عزوجل، بحيث يغنيهم عن التعامل مع المخلوقين.. وإما أن يكون منشأ ذلك حالة نفسية، أي أنهم يعيشون حالة من الاكتئاب.. أي إما هي حالة كمالية كبيرة، أو حالة مرضية.. فإذن، إن الحالة الطبيعية لعامة الناس أنه لا يطيق الوحدة، ولا يحب البيت الذي يخلو من أنس بشري.



تجريد :


وبعد أن ناقشنا هذه العوامل الأربع: الغريزة، والتدبير، والتناسل، والأنس النفسي؛ وقلنا بأن هذه الأمور محركات ومرغبات جيدة في تثبيت الحياة الأسرية، ولكن من المعلوم أن مرور الأيام تنحت في هذه العوامل، كعوامل التعرية التي تنحت من هذه الجبال القوية:


بالنسبة إلى الاستمتاع الغريزي، من الطبيعي أن تقدم السن مما يوجب أفول هذه الغريزة، أو على الأقل انخفاض تلك الحالة من الشدة.. وحاجة الإنسان إلى تدبير شؤون المنزل أيضاً ليست من المرغبات الثابتة، فهذه الأيام متعارف في بلادنا الاستعانة بمسألة الخدم.. وأما موضوع التناسل فبعض الناس لهم هدف في هذه الحياة أن يأتي بطفلين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة، فإذا وصل إلى مرحلة الإشباع والاكتفاء، أيضاً هذا العنصر يفقد بريقه..


وكذلك مسألة الارتياح والأنس النفسي.. فإن الله عزوجل جعل هذه الخاصية في الحياة الدنيا، وهي: أن بهجة الحياة الدنيا بهجة مملولة.. ندخل قصراً فخماً -وهذه الأيام ممكن دخول القصور من خلال بعض المتاحف أو ما شابه ذلك-، نلاحظ بأن هذا الجمال المادي بعد فترة قصيرة يتحول إلى جمال مألوف، بل إلى لا جمال.. وعندما نسأل أهل المصائف أو الأماكن الجميلة عن جمال الطبيعة، نرى أنه لا يكاد أحدهم يرى جمالاً في خضرته، ولا في بلاده، ولا في مياهه، حتى تصبح أصوات البلابل وألحانها بالنسبة إليهم صوتاً مألوفاً بل مملولاً.. ولعل هذا من الحكم الإلهية، في أن لا يجعل الإنسان يأنس بهذا الحطام الزائل.. وأيضاً شكل المرأة، وجمال المرأة -هذا الظاهر الذي ينعكس على الجلد- من مصاديق المتاع الدنيوي.. ولهذا نلاحظ أنه في الأشهر الأولى من الزواج -إذا كان الزواج لا يبتني على أسس محكمة- حالة التململ والشبع، وعدم الاعتناء من الطرفين، لأن هذه الحالة تتلاشى مع مرور الأيام.



الإحساس بالمسؤولية، والنظر إلى المرأة بأنها أمانة الله تعالى في الأرض :


إذن، ما الحل؟..


لابد من أن نضع عنصراً جديداً، وهذا العنصر لا يتلاشى مع تقادم الأيام، ما هو ذلك العنصر؟.. هو هذا المبدأ الذي عبر عنه النبي (ص): (كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته).. إذا نظرنا إلى الزوجة على أنها أمانة إلهية، وعلى أنها أسيرة بأيدينا، وعلى أن المرأة لا خيار لها بالزواج بعد الزواج الأول، فالرجل له خياراته، ولكن المرأة بحسب الشريعة لا خيار لها.. بعض الأوقات تضطر المرأة أن تعيش في زاوية محشورة، لا ترضى بأن تبقى متألمة بما هي فيه، من دون أن تفكر في حياة بديلة، فتتحول إلى عصفورة في القفص.. ومن هنا ينبغي أن نقدر هذه الحالة، بأن المرأة لا مفر لها من الحياة الزوجية..



وكم من القبيح أن يستغل الرجل هذا الجانب، عندما يرى أن زوجته مجبرة على العيش معه، وبالتالي تصبح هذه الحالة أداة ابتزاز بيد الرجل، لأنه يعلم بأن هذه المرأة لا خيار لها في الحياة!.. والحال بأن هذه الدنيا تنقضي، ويأتي ذلك اليوم الذي يخاطب رب العالمين عبده قائلاً: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ}، وفي آية أخرى صريحة يقول: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}.. في جوف الليل وخلف الأبواب المغلقة، حيث لا أهل ولا أرحام ولا عشيرة، والرجل يظن بأنه قد استفرد بزوجته، والحال بأن الله عزوجل يسمع التحاور، لا سمعاً مجرداً، بل سمعاً مراقِباً ومنتقِماً أو مثيباً.. ينتقم للمظلوم، ويجازي الذي يرفع الظلامة.. فإذن، إن هذه الآية: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ} من الآيات المخيفة في القرآن الكريم، ولو اعتقدنا بهذا المضمون اعتقاداً حقيقياً، لانقلب نمط الحياة في التعامل الزوجي.



روي عن النبي (ص) أنه قال: (أقربكم مني مجلساً يوم القيامة، أحسنكم أخلاقاً، وخيركم لأهله.. وأنا ألطفكم بأهلي):


(أقربكم مني مجلساً يوم القيامة، أحسنكم أخلاقاً..): نلاحظ هنا أن النبي (ص) لم يذكر عالم الأوراد، ولم يذكر الأدعية، ولم يذكر العبادات المجردة من تطبيق في ساحة الحياة، وإنما قال: (أحسنكم أخلاقاً).. إن هناك معنى ساذجا خاطئا للخلق الحسن بين الناس، وهو أنهم يحصرون الخلق الحسن بالابتسامة، وبالمزاح الكثير، وبحالة التهريج.. ولكن الحقيقة أن المراد بحسن الخلق هنا، هو الحالة الجامعة، بمعنى أن يكون الإنسان مستقيماً في كل حركاته الباطنية.. حيث أن للإنسان حركات في الظاهر، وحركات في الباطن: ميلاً، وحباً وبغضاً، وانجذاباً وابتعاداً؛ فكل هذه الحركات الباطنية لابد وأن تكون منسجمة مع رضا الخالق.



(وأنا ألطفكم بأهلي): من المعلوم بأن رسول الله (ص) لم يتزوج من الطبقة العليا من المسلمات.. فالنبي (ص) لم يتزوج قمة النساء المؤمنات في عصره، ومع ذلك نلاحظ بأن خلق النبي (ص) مع زوجاته على اختلاف مراتبهن، كان هو الخلق المثالي صبراً وتحملاً.. والنبي (ص) هو الذي كان يعيش في ساعات تحليقاً مع الله عزوجل، لا تحليقاً مجرداً، وإنما كان في معراج متكرر، ويرجع من عند رب العالمين ليعاشر الناس على اختلاف أمزجتهم كأعراب البادية، ويتحمل بعض التصرفات الصادرة من الصحابة ومن المقربين للنبي (ص).. لقد كان النبي (ص) يعيش حالة التأقلم مع كل هذه الحالات، رغم أنها ثقيلة على طبعه وعلى مزاجه.



فإذن، إن الذي يريد أن يضفي على حياته الزوجية عنصراً ثابتاً، لا يتغير مع مرور الزمان؛ فلينظر إلى زوجته على أنها أمانة الله بيده، ومخلوقة لله.. وليعلم بأن أشد المدافعين عن المرأة لا هو أبوها ولا أمها، إنما أشد المدافعين عن هذه المخلوقة هو ربها الذي خلقها وأحسن خلقها.. وخاصةً إذا كانت المرأة متفوقة إيمانياً، لها صلتها بربها، ولها حالاتها، ولها عبادتها.. فإن هذه الزوجة قد ينتصر لها الله عزوجل، كما هو دأبه في الانتصار للذين لا ناصر لهم إلا الله.