السفير 89
19-11-2009, 01:23 PM
لأن الله تعالى خلق الحياة متنوعة في كل شيء، بما فيها الإنسان،عاداته، تقاليده، معتقداته،طريقة تفكيره،حبه وبغضه،وفي كل شيء، لذلك فان أمامنا احد طريقين، فأما ان نتعايش، وطريقه الحوار، أو ان نتقاطع، وطريقه الخصام. العاقل، هو من يختار الحوار للعلاقة بينه وبين الآخرين، أما غيره فيختار الخصام والتقاطع، خيار الاول بسبب انه يمتلك المنطق، وخيار الثاني لأنه لا يمتلك ما يتحاور فيه، فعقله خال، وروحه خالية، ولذلك يرفض الحوار، وبالتالي لا يقبل بالآخر أبدا
العراق، بلد متنوع في كل شيء،لا يمكن تحقيق التعايش بين أبنائه إلا بالحوار، فهو الطريق الوحيد الذي يمكن ان نحقق فيه التعايش والسلم الأهلي، أما الأفكار الشوفينية التي تعتمد إقصاء الآخر وإلغائه، والاستئثار والاعتداد بالنفس، والكفر بكل شيء إلا بما أؤمن به أنا، فذلك طريق الدمار الذي لا نهاية له، ولقد جربه كثيرون فلم يحققوا شيئا للعراق سوى الخراب والدمار، ولنا جميعا في نظام الطاغية المقبور والذليل خير دليل وبرهان وتجربة وعبرة، طبعا لمن يعتبر.
أما شروط الحوار الذي يمكن ان يكون جسرا للتعايش
والوئام والتوافق بين العراقيين جميعا، فهي كما يلي:
أولا: ان يكون الحوار من اجل التكامل، فلا يكن من اجل ذاته، فالحوار من اجل الحوار، إنما هو بين (الطرشان) فقط، الذين يخوضون فيه معتمدين على حكم مسبق يرفض التنازل او الاعتراف بالآخر، او الاقتناع بما يتعارض وما أؤمن به
ثانيا: ان يكون الحوار عن علم ومعرفة، وليس عن جهل، ليؤتي ثماره الطيبة، فالذي يحاورعن جهل لا يمكن ان يقتنع بشيء مهما كان صائبا، والعكس هو الصحيح، فمن يحاور عن علم ومعرفة، تراه يطلب الحق والحكمة بغض النظر عن مصدرها، ولذلك ورد في الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه و اله) قوله {الحكمة ضالة المؤمن} وفي حديث آخر {خذ الحكمة ولو من فم كلب عقور} لماذا؟ لأن المؤمن هدفه ان يتعلم وليس هدفه ان يجادل جدالا عقيماً
ثالثاً: ومن أجل ان نتصف بذلك، يلزمنا ان نتحلى بمجموعة الصفات و الأخلاق التي نتهيأ بها لقبول الآخر وقبول الحكمة عند الحوار، بغض النظر عن المصدر، على طريقة {لا تنظر إلى من قال، وانظر إلى ما قال}، وان من ابرز هذه المناقبيات:
أ ) سعة الصدر.
ب) التواضع.
ج) الاعتراف بالخطأ.
د ) الاعتراف بالفضل.
هـ) اللين في القول.
وليكن شعارنا عند الحوار (الدقة في النقل، والصحة في الخبر، والحكمة في الطرح) فلا نتقول إذا ما حشرنا الآخر في الزاوية، ولا نكذب إذا ما كدنا ان نخسر جولة، ولا نتهور إذا ما أحرجنا المتحاور في معلومة او معرفة او دليل وبرهان.
رابعاً: تعلم فن الإصغاء، فالمحاور الذي لا يصغي للآخر وهو يتحدث او يدلي بادلته وبراهينه، لا يمكن ان يصل إلى نتيجة حسنة من أي حوار.ان كل واحد منا يتمنى لو يصغي له الآخرون وهو يتحدث، فلماذا لا يصغي هو عندما يتحدث الآخرون ؟
هذا من جانب، ومن جانب آخر، فان من العادات السيئة لدى الكثيرين منا، هي مقاطعة الآخر أثناء الحوار وعدم تركه يكمل الفكرة، وكأننا دوما نقرأ أفكار الآخرين حتى قبل ان يدلوا بها او يتكلموا عنها، وهذا خطأ كبير في أي حوار.علينا ان ندع الآخر ينهي حديثه قبل ان نقاطعه لندلي بما نعتقد به، وان من الخطأ التصور بان الكلام العام يوضح الفكرة، ففي أحيان كثيرة تتضح الأفكار في تفاصيل الحديث، من دون ان يعني ذلك إننا نميل إلى الثرثرة في الكلام أبداً، فالاختصار في الحديث يساعد على ديمومة الحوار، ولكن ليس كل الناس لهم القدرة على توضيح أفكارهم بمختصر الكلام، ولذلك يجب ان نمنحهم الفرصة اللازمة لتوضيح أفكارهم، من دون مقاطعتهم عند الحديث او عند طرحهم للفكرة.كذلك، فان هناك عادة سيئة أخرى، نتميز بها، نحن العراقيون، عند الحوار، ألا وهي استعمال مفردات النفي كثيرا، فترانا نبدأ كل حديث بالنفي كقولنا (لا) وان كنا سنكرر ما قاله الآخر قبل قليل، وكأننا لا نريد ان نسمع رأياً صائباً من الآخر، مهما علا شانه، فنحاول ان نوحي له وكان الفكرة خاطئة إذا وردت على لسانه، وصائبة إذا ذكرت على لساني. يجب ان نمحو من صدر أحاديثنا عبارة ( لا، ولكن) التي تدل على محاولة إلغاء الآخر، حتى قبل مناقشته ومحاورته، وهي دليل عدم الاحترام والتقدير للأفكار التي يتقدم بها الآخر عند الحوار.هذه الصفة من العادات السيئة التي يجب ان نقلع عنها في الحوارات، لتأتي مثمرة وناضجة وذات منفعة، فإذا ذكر الآخر رأياً صائباً نحاول ان نسمعه كلاما طيبا كأن نثني على الفكرة مثلاً، أو نقول له بأن ما قاله صحيح، ثم نحاول ان نطور الفكرة أو نصحح بعض ما جاء فيها من خطا او عدم صوابية. إلى جانب كل ذلك، علينا ان نتعلم فن السؤال، الذي يحتاج إلى الكثير من التواضع للعلم والمعرفة. ان الكثير منا يخجل ان يسال، خاصة عند الحوار، ويعد ذلك منقصة او مثلبة ترجح كفة الآخر في جلسة الحوار، وهذا فهم خاطئ، فالسؤال باب للمعرفة وللحوار في آن واحد، ولقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه و اله) قوله {العلم خزائن، ومفاتحه السؤال، فاسألوا رحمكم الله، فانه تؤجر بها أربعة، السائل والمتكلم والمستمع والمحب إليهم} كما ورد عن الامام محمد الباقر عليه السلام قوله {مفتاح العلم السؤال}. فاذا كان الحوار للعلم والمعرفة، حضر السؤال، أما إذا كان الحوار للمباهاة والتخاصم وعرض (العضلات)، فلن يحضر السؤال، بل سيكون الغائب الأكبر، ولذلك، تقل الفائدة، وتنعدم النتيجة المنطقية للحوار.
خامسا: الهدوء عند الحوار، والابتعاد عن الصراخ او استعمال الكلمات النابية والبذيئة، فعن الامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام انه قال {عود لسانك لين الكلام}. كما ان من المهم ان نتماسك أعصابنا عند الحوار، حتى لا ينفلت لساننا فيما لا يرضي الله والطرف الآخر، وليكن الهدف هو كلمة الحق في كل الأحوال، ولذلك كان رسول الله (صلى الله عليه و اله) يدعو فيقول { واسألك كلمة الحق في الرضا والغضب}. ولنتذكر دائما، بأنه كما ان الفكرة التي اعتقد بها محترمة بالنسبة لي ولا يمكن ان تتغير إلا بشق الأنفس، كذلك، بالنسبة للآخرين، فان أفكارهم محترمة في قرارة أنفسهم، ولا يقبلون بان يستخف بها احد او يستهزئ بها الآخرون. علينا ان نحترم مشاعر الآخرين، كما نحب ان يحترم الآخرون مشاعرنا، مهما اختلفنا في الآراء والأفكار، ولتكن الآية الكريمة {وجادلهم بالتي هي أحسن} شعار كل جلسات الحوار
سادسا: اعتماد مبدأ الاحترام المتبادل، والابتعاد عن لغة التكفير والتخوين والاستهزاء والاستخفاف والانفعال، فعن سيد الشهداء الامام الحسين بن علي عليهما السلام انه قال {قولوا للناس أحسن ما تحبون ان يقال لكم، فان الله يبغض اللعان السباب الطعان على المؤمنين الفاحش المتفحش السائل الملحف، ويحب الحي الحليم العفيف المتعفف}. علينا ان نقبل من الآخر ما نقبله من أنفسنا، ونرفض من أنفسنا ما نرفض من الآخر، فليس من الإنصاف في شيء ان نتناقض مع أنفسنا، فعن الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب سبط رسول الله (صلى الله عليه و اله) انه قال {كفى بالمرء غشا لنفسه ان يبصر من الناس ما يعمى عليه من أمر نفسه، او يعيب غيره بما لا يستطيع تركه، او يؤذي جليسه بما لا يعنيه}
سابعا: لندع لغة العنف والتصفيات الجسدية والسياسية (اغتيال الشخصية) جانبا، ولنحكم لغة الحوار والمنطق فيما بيننا، وعلينا ان نقرر جازمين، كنس العراق من آثار الماضي الأسود الذي خلفه لنا النظام المقبور، فنتسلح بقوة المنطق، وننبذ منطق القوة، فنعشق لغة الدليل والبرهان، ونكره لغة التشفي والانتقام واتخاذ الأرباب من دون الله تعالى، حتى لا نكن مثالا سيئاً لمن وصفتهم الآية الكريمة {الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله}
ثامنا: لنقرر دائما بان الخلاف لا يفسد للود قضية.
يجب ان لا ندع الخلاف كنتيجة نهائية لأي حوار، يتحول إلى سبب للخصام والقطيعة، مهما كبر. ليكن منهجنا قائم على اساس الاستمرار في الحوار مهما اختلفنا، فقد نصطدم في المرة الأولى، فنختلف في المرة الثانية، إلا إننا سنتفق في المرة الثالثة، وهذا هو المطلوب من الحوار، أي حوار. لنعتمد مبدأ الحوار في إيجاد الحلول لمشاكلنا، ليس السياسية والأمنية فحسب، وإنما حتى العائلية والتعليمية وغيرها، فليحاور الأب ابنه بدلا من ان يشهر العصا في وجهه،ولتحاورالام بنتها بدلا من ان تصرخ في وجهها ، وليحاور المعلم تلميذه بدلاً من ان يعاقبه جسديا، وهكذا. كذلك، فليكن الحوار هو السلاح الذي نعتمده في الإقناع والتطوير، وعلى مختلف الأصعدة، فنستبدل به كل الوسائل غير الحضارية وغير الإنسانية الاخرى
تاسعا: اختيار مواضيع الحوار بما ينفع الناس، وعدم الخوض فيما لا يغني ولا يسمن من جوع.
مشكلتنا، إننا نخوض، في اغلب الأحيان، في حوارات عقيمة لا تنفع في شيء، فنضيع بسببها الوقت والجهد وفي أحيان كثيرة صداقة الآخرين، ولذلك يجب ان ننتبه إلى مادة الحوار قبل الدخول فيه، لنكون على علم بها قبل ان نقرر المشاركة فيه، فلقد دخل رسول الله (صلى الله عليه واله) ذات يوم المسجد، فإذا جماعة طافوا برجل فقال ما هذا؟ فقيل علامة، فقال، وما العلامة؟ فقالوا اعلم الناس بأنساب العرب ووقائعها وأيام الجاهلية وأشعار العرب. فقال (صلى الله عليه واله) ذلك علم لا يضر من جهله ولا ينفع من علمه
عاشرا، وأخيراً: يلزم ان يدور الحوار في أجواء من الحرية بعيدا عن القهر والإذلال والكبت وتكميم الأفواه، فالرأي الحر لا ينتجه المرء إذا كان مقموعاً، والفكرة الصواب لا ينطق بها من لم يشعر بالحرية والأمان.لذلك، يلزمنا كعراقيين ان نعمل ونتعاون على إشاعة جو الحرية والسلام والاستقرار، لنهيء الأجواء المناسبة لكل حوار، بغض النظر عن نتائجه او طرفيه او مادته وموضوعه، المهم ان نخلق الجو المناسب، لغيرنا قبل ان يكون لنا، فهو اليوم لغيرنا وغدا لنا، وبذلك تكون الأجواء المناسبة للحوار، أي حوار، هي المصلحة المشتركة بيننا جميعا، كما إنها القاسم المشترك الذي نحتاجه جميعا، ان لم يكن اليوم لنا، فغدا
العراق، بلد متنوع في كل شيء،لا يمكن تحقيق التعايش بين أبنائه إلا بالحوار، فهو الطريق الوحيد الذي يمكن ان نحقق فيه التعايش والسلم الأهلي، أما الأفكار الشوفينية التي تعتمد إقصاء الآخر وإلغائه، والاستئثار والاعتداد بالنفس، والكفر بكل شيء إلا بما أؤمن به أنا، فذلك طريق الدمار الذي لا نهاية له، ولقد جربه كثيرون فلم يحققوا شيئا للعراق سوى الخراب والدمار، ولنا جميعا في نظام الطاغية المقبور والذليل خير دليل وبرهان وتجربة وعبرة، طبعا لمن يعتبر.
أما شروط الحوار الذي يمكن ان يكون جسرا للتعايش
والوئام والتوافق بين العراقيين جميعا، فهي كما يلي:
أولا: ان يكون الحوار من اجل التكامل، فلا يكن من اجل ذاته، فالحوار من اجل الحوار، إنما هو بين (الطرشان) فقط، الذين يخوضون فيه معتمدين على حكم مسبق يرفض التنازل او الاعتراف بالآخر، او الاقتناع بما يتعارض وما أؤمن به
ثانيا: ان يكون الحوار عن علم ومعرفة، وليس عن جهل، ليؤتي ثماره الطيبة، فالذي يحاورعن جهل لا يمكن ان يقتنع بشيء مهما كان صائبا، والعكس هو الصحيح، فمن يحاور عن علم ومعرفة، تراه يطلب الحق والحكمة بغض النظر عن مصدرها، ولذلك ورد في الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه و اله) قوله {الحكمة ضالة المؤمن} وفي حديث آخر {خذ الحكمة ولو من فم كلب عقور} لماذا؟ لأن المؤمن هدفه ان يتعلم وليس هدفه ان يجادل جدالا عقيماً
ثالثاً: ومن أجل ان نتصف بذلك، يلزمنا ان نتحلى بمجموعة الصفات و الأخلاق التي نتهيأ بها لقبول الآخر وقبول الحكمة عند الحوار، بغض النظر عن المصدر، على طريقة {لا تنظر إلى من قال، وانظر إلى ما قال}، وان من ابرز هذه المناقبيات:
أ ) سعة الصدر.
ب) التواضع.
ج) الاعتراف بالخطأ.
د ) الاعتراف بالفضل.
هـ) اللين في القول.
وليكن شعارنا عند الحوار (الدقة في النقل، والصحة في الخبر، والحكمة في الطرح) فلا نتقول إذا ما حشرنا الآخر في الزاوية، ولا نكذب إذا ما كدنا ان نخسر جولة، ولا نتهور إذا ما أحرجنا المتحاور في معلومة او معرفة او دليل وبرهان.
رابعاً: تعلم فن الإصغاء، فالمحاور الذي لا يصغي للآخر وهو يتحدث او يدلي بادلته وبراهينه، لا يمكن ان يصل إلى نتيجة حسنة من أي حوار.ان كل واحد منا يتمنى لو يصغي له الآخرون وهو يتحدث، فلماذا لا يصغي هو عندما يتحدث الآخرون ؟
هذا من جانب، ومن جانب آخر، فان من العادات السيئة لدى الكثيرين منا، هي مقاطعة الآخر أثناء الحوار وعدم تركه يكمل الفكرة، وكأننا دوما نقرأ أفكار الآخرين حتى قبل ان يدلوا بها او يتكلموا عنها، وهذا خطأ كبير في أي حوار.علينا ان ندع الآخر ينهي حديثه قبل ان نقاطعه لندلي بما نعتقد به، وان من الخطأ التصور بان الكلام العام يوضح الفكرة، ففي أحيان كثيرة تتضح الأفكار في تفاصيل الحديث، من دون ان يعني ذلك إننا نميل إلى الثرثرة في الكلام أبداً، فالاختصار في الحديث يساعد على ديمومة الحوار، ولكن ليس كل الناس لهم القدرة على توضيح أفكارهم بمختصر الكلام، ولذلك يجب ان نمنحهم الفرصة اللازمة لتوضيح أفكارهم، من دون مقاطعتهم عند الحديث او عند طرحهم للفكرة.كذلك، فان هناك عادة سيئة أخرى، نتميز بها، نحن العراقيون، عند الحوار، ألا وهي استعمال مفردات النفي كثيرا، فترانا نبدأ كل حديث بالنفي كقولنا (لا) وان كنا سنكرر ما قاله الآخر قبل قليل، وكأننا لا نريد ان نسمع رأياً صائباً من الآخر، مهما علا شانه، فنحاول ان نوحي له وكان الفكرة خاطئة إذا وردت على لسانه، وصائبة إذا ذكرت على لساني. يجب ان نمحو من صدر أحاديثنا عبارة ( لا، ولكن) التي تدل على محاولة إلغاء الآخر، حتى قبل مناقشته ومحاورته، وهي دليل عدم الاحترام والتقدير للأفكار التي يتقدم بها الآخر عند الحوار.هذه الصفة من العادات السيئة التي يجب ان نقلع عنها في الحوارات، لتأتي مثمرة وناضجة وذات منفعة، فإذا ذكر الآخر رأياً صائباً نحاول ان نسمعه كلاما طيبا كأن نثني على الفكرة مثلاً، أو نقول له بأن ما قاله صحيح، ثم نحاول ان نطور الفكرة أو نصحح بعض ما جاء فيها من خطا او عدم صوابية. إلى جانب كل ذلك، علينا ان نتعلم فن السؤال، الذي يحتاج إلى الكثير من التواضع للعلم والمعرفة. ان الكثير منا يخجل ان يسال، خاصة عند الحوار، ويعد ذلك منقصة او مثلبة ترجح كفة الآخر في جلسة الحوار، وهذا فهم خاطئ، فالسؤال باب للمعرفة وللحوار في آن واحد، ولقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه و اله) قوله {العلم خزائن، ومفاتحه السؤال، فاسألوا رحمكم الله، فانه تؤجر بها أربعة، السائل والمتكلم والمستمع والمحب إليهم} كما ورد عن الامام محمد الباقر عليه السلام قوله {مفتاح العلم السؤال}. فاذا كان الحوار للعلم والمعرفة، حضر السؤال، أما إذا كان الحوار للمباهاة والتخاصم وعرض (العضلات)، فلن يحضر السؤال، بل سيكون الغائب الأكبر، ولذلك، تقل الفائدة، وتنعدم النتيجة المنطقية للحوار.
خامسا: الهدوء عند الحوار، والابتعاد عن الصراخ او استعمال الكلمات النابية والبذيئة، فعن الامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام انه قال {عود لسانك لين الكلام}. كما ان من المهم ان نتماسك أعصابنا عند الحوار، حتى لا ينفلت لساننا فيما لا يرضي الله والطرف الآخر، وليكن الهدف هو كلمة الحق في كل الأحوال، ولذلك كان رسول الله (صلى الله عليه و اله) يدعو فيقول { واسألك كلمة الحق في الرضا والغضب}. ولنتذكر دائما، بأنه كما ان الفكرة التي اعتقد بها محترمة بالنسبة لي ولا يمكن ان تتغير إلا بشق الأنفس، كذلك، بالنسبة للآخرين، فان أفكارهم محترمة في قرارة أنفسهم، ولا يقبلون بان يستخف بها احد او يستهزئ بها الآخرون. علينا ان نحترم مشاعر الآخرين، كما نحب ان يحترم الآخرون مشاعرنا، مهما اختلفنا في الآراء والأفكار، ولتكن الآية الكريمة {وجادلهم بالتي هي أحسن} شعار كل جلسات الحوار
سادسا: اعتماد مبدأ الاحترام المتبادل، والابتعاد عن لغة التكفير والتخوين والاستهزاء والاستخفاف والانفعال، فعن سيد الشهداء الامام الحسين بن علي عليهما السلام انه قال {قولوا للناس أحسن ما تحبون ان يقال لكم، فان الله يبغض اللعان السباب الطعان على المؤمنين الفاحش المتفحش السائل الملحف، ويحب الحي الحليم العفيف المتعفف}. علينا ان نقبل من الآخر ما نقبله من أنفسنا، ونرفض من أنفسنا ما نرفض من الآخر، فليس من الإنصاف في شيء ان نتناقض مع أنفسنا، فعن الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب سبط رسول الله (صلى الله عليه و اله) انه قال {كفى بالمرء غشا لنفسه ان يبصر من الناس ما يعمى عليه من أمر نفسه، او يعيب غيره بما لا يستطيع تركه، او يؤذي جليسه بما لا يعنيه}
سابعا: لندع لغة العنف والتصفيات الجسدية والسياسية (اغتيال الشخصية) جانبا، ولنحكم لغة الحوار والمنطق فيما بيننا، وعلينا ان نقرر جازمين، كنس العراق من آثار الماضي الأسود الذي خلفه لنا النظام المقبور، فنتسلح بقوة المنطق، وننبذ منطق القوة، فنعشق لغة الدليل والبرهان، ونكره لغة التشفي والانتقام واتخاذ الأرباب من دون الله تعالى، حتى لا نكن مثالا سيئاً لمن وصفتهم الآية الكريمة {الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله}
ثامنا: لنقرر دائما بان الخلاف لا يفسد للود قضية.
يجب ان لا ندع الخلاف كنتيجة نهائية لأي حوار، يتحول إلى سبب للخصام والقطيعة، مهما كبر. ليكن منهجنا قائم على اساس الاستمرار في الحوار مهما اختلفنا، فقد نصطدم في المرة الأولى، فنختلف في المرة الثانية، إلا إننا سنتفق في المرة الثالثة، وهذا هو المطلوب من الحوار، أي حوار. لنعتمد مبدأ الحوار في إيجاد الحلول لمشاكلنا، ليس السياسية والأمنية فحسب، وإنما حتى العائلية والتعليمية وغيرها، فليحاور الأب ابنه بدلا من ان يشهر العصا في وجهه،ولتحاورالام بنتها بدلا من ان تصرخ في وجهها ، وليحاور المعلم تلميذه بدلاً من ان يعاقبه جسديا، وهكذا. كذلك، فليكن الحوار هو السلاح الذي نعتمده في الإقناع والتطوير، وعلى مختلف الأصعدة، فنستبدل به كل الوسائل غير الحضارية وغير الإنسانية الاخرى
تاسعا: اختيار مواضيع الحوار بما ينفع الناس، وعدم الخوض فيما لا يغني ولا يسمن من جوع.
مشكلتنا، إننا نخوض، في اغلب الأحيان، في حوارات عقيمة لا تنفع في شيء، فنضيع بسببها الوقت والجهد وفي أحيان كثيرة صداقة الآخرين، ولذلك يجب ان ننتبه إلى مادة الحوار قبل الدخول فيه، لنكون على علم بها قبل ان نقرر المشاركة فيه، فلقد دخل رسول الله (صلى الله عليه واله) ذات يوم المسجد، فإذا جماعة طافوا برجل فقال ما هذا؟ فقيل علامة، فقال، وما العلامة؟ فقالوا اعلم الناس بأنساب العرب ووقائعها وأيام الجاهلية وأشعار العرب. فقال (صلى الله عليه واله) ذلك علم لا يضر من جهله ولا ينفع من علمه
عاشرا، وأخيراً: يلزم ان يدور الحوار في أجواء من الحرية بعيدا عن القهر والإذلال والكبت وتكميم الأفواه، فالرأي الحر لا ينتجه المرء إذا كان مقموعاً، والفكرة الصواب لا ينطق بها من لم يشعر بالحرية والأمان.لذلك، يلزمنا كعراقيين ان نعمل ونتعاون على إشاعة جو الحرية والسلام والاستقرار، لنهيء الأجواء المناسبة لكل حوار، بغض النظر عن نتائجه او طرفيه او مادته وموضوعه، المهم ان نخلق الجو المناسب، لغيرنا قبل ان يكون لنا، فهو اليوم لغيرنا وغدا لنا، وبذلك تكون الأجواء المناسبة للحوار، أي حوار، هي المصلحة المشتركة بيننا جميعا، كما إنها القاسم المشترك الذي نحتاجه جميعا، ان لم يكن اليوم لنا، فغدا