عابس الصدري
21-11-2009, 03:31 PM
الهدف من نزول القرآن ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات])
المقدّمة: أهمّيّة الموضوع ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات])
القرآن وتشخيص الهدف من نزوله ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات])
أبعاد الهدف الرئيس من نزول القرآن ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات])
أ ـ التغيير الجذري ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات])
الهدف من نزول القرآن ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات])(1)
المقدّمة: أهمّيّة الموضوع: ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات])
يحسن بنا قبل الدخول في بحث أصل الموضوع (الهدف من نزول القرآن) أن نتناول أهمّيّة البحث فيه.
ويمكن أن نشير بهذا الصدد وبشكلٍ مختصرٍ إلى النقاط التالية:
الأُولى:
إنّ فهم القرآن الكريم يتأثّر بمجموعةٍ من القضايا:
كأن تكون الرؤية في تفسيره إسلاميّة، ومن منطلق أنّه وحيٌ إلهي وليس نتاجاً بشريّاً، وأن نعرف الظروف التي نزل فيها القرآن الكريم، وأسباب النزول التي تمثِّل القدر المتيقَن من المصداق في المفهوم القرآني.
ومن أهمّ هذه القضايا التي تؤثر في فهم القرآن الكريم، معرفة الهدف من نزوله، لأنّ الهدف بطبيعة الحال يلقي بظلاله على المعنى القرآني، بحيث يكون إحدى القرائن العامّة المنفصلة التي تكتنف النص.
فعندما يتحدّث القرآن الكريم عن الكتاب أنّه تبيان لكلِّ شيءٍ
(وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)(2)
يمكن أن نفهم (كلّ شيءٍ) هنا على ضوء (الهدف من نزول القرآن)، فالمراد من التبيان هو التبيان الشامل لما يرتبط بهذا الهدف، وهكذا في الموارد الأُخرى.
الثانية:
إنّ معرفة الهدف القرآني سوف تساهم في تفسير مجموعةٍ من الظواهر القرآنيّة؛ حيث قد يختلف تفسير الظاهرة باختلاف تفسير الهدف من القرآن، كما في تكرار القصّة، الذي يتّجه بعضهم إلى تفسيره على أساسٍ بلاغي، بينما قد يكون الأساس التربوي هو التفسير الصحيح.
الثالثة:
إنّ القرآن الكريم يحظى بقدسيّةٍ واهتمام بين المسلمين، باعتباره الوحي الإلهي الذي لا يأتيه الباطل بين يديه ولا من خلفه، وباعتباره الصيغة والنص الإلهيين لهذا الوحي والمضمون.
ولذا لا بُدّ للمسلمين أن يبقوا متفاعلين مع القرآن دائماً، كما كانوا كذلك في مختلف عصور التاريخ الإسلامي وإن كان بمستويات متفاوتة.
ولتشخيص الهدف من نزول (القرآن) أثر كبير على طبيعة هذا الاهتمام والتفاعل ومستواه ومضمونه، إذ إنّ الاهتمام والتفاعل يكوّنان تارةً على مستوى حفظ النص القرآني، وسلامة تركيبه، وأُخرى على مستوى الاهتمام بالمضمون القرآني وفهمه، وثالثةً على مستوى التعرّف على هداية القرآن الكريم والحقائق العلميّة والتأريخية والاجتماعية و... التي احتواها القرآن الكريم، ورابعةً على مستوى طرحه كشعارٍ للإنسان المسلم، يتزيّن به ويردده في الصباح والمساء من خلال الإذاعات أو المناسبات أو المجالس الدينيّة.
يبقى الأهمُّ من ذلك أن يكون التفاعل والاهتمام بالقرآن على مستوى تحقيق الهدف الحقيقي منه، الذي يجسِّد التفاعل والاهتمام الروحي الحقيقيين، ويشمل في الوقت نفسه مختلف المستويات الأُخرى، التي هي بمنزلة المقدّمة أو الطريق للوصول إلى هذا الهدف.
القرآن وتشخيص الهدف من نزوله: ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات])
قد يكون من الأفضل الرجوع إلى القرآن الكريم نفسه لتشخيص الهدف من نزوله، ومن خلال استعراض الآيات القرآنية التي فسرت نزول القرآن.
وفي مراجعةٍ للقرآن الكريم نجد مجموعةً كبيرة من الآيات والظواهر يمكن أن تلقي الضوء على الهدف من نزول القرآن، ولكنّ هذه الآيات قد تبدو وكأنّها تتحدّث عن أهدافٍ متعدّدة أو مختلفة، وسوف نشير إلى نماذج من هذه الآيات والاحتمالات المتعدّدة لها، ثم نستخلص من خلال المقارنة الهدف الرئيسي المركزي من نزول القرآن:
1 ـ ورد في القرآن الكريم بصدد تشخيص الهدف أنّه جاء (للإنذار والتذكرة) مثل قوله تعالى:
(وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ...)(3).
2 ـ وفي آياتٍ أُخرى جاء القرآن لضرب الأمثال والعِبَر والدروس، مثل قوله تعالى:
(وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ...)(4).
(وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ...)(5).
3 ـ وفي مكانٍ آخر يبدو وكأنّ الهدف من القرآن هو إقامة الحجّة والبرهان والمعجزة، كما في قوله تعالى:
وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ* أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا...)(6).
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً)(7).
4 ـ وفي مواضع أُخرى يبدو القرآن وكأنّه كتاب دستورٍ وشريعة وتفصيل للأحكام:
(... وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)(8).
5 ـ وفي مواضع أُخرى من القرآن الكريم أنّه جاء من أجل الحكم وفصل الخلاف والتفريق بين الحقِّ والباطل:
(وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)(9).
6 ـ كما نجد في مواضع أُخرى أنّ الهدف من القرآن هو تصديق الرسالات السابقة وإمضاؤها وتصحيحها والهيمنة عليها، وبذلك يكون له دورٌ تصحيحي وتكميلي:
(وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)(10).
وبالرّغم من أنّ هذه الأهداف التي أشرنا إليها قد تكون متداخلةً يؤثِّر بعضها بالآخر ويرتبط به في وجهٍ من الوجوه، إلاّ أنّها تبدو متعددةً عندما تُطرح في الآيات الكريمة، ونريد أن نفسِّر الظاهرة القرآنيّة ونسعى إلى تشخيص الهدف الأساس لها؛ بحيث يفهم أنّ القرآن الكريم جاء لتحقيق غايات وأهداف عديدة، تتوزع على آيات القرآن وسوره ومضامينه.
ومن أجل أن نكون أكثر وضوحاً في تحديد محور البحث، لا بُدّ لنا أن نطرح السؤال كالتالي:
ما هو الهدف الأساس الذي سعت الظاهرة القرآنيّة الكريمة إلى تحقيقه من خلال وجودها، بحيث يفسِّر لنا هذا الهدف كلَّ آيةٍ في القرآن الكريم مهما كان مضمونها ومحتواها وصيغتها؟
ومن خلال استعراض الأهداف السابقة، والمقارنة بينها، يمكن أنْ نخرج بنتيجةٍ واضحة للجواب عن السؤال السابق، حيث نلاحظ أنّ القرآن الكريم استهدف من نزوله تحقيق هدف واحد رئيس، له أبعاد ثلاثة، وساهمت بقيّة الأهداف الأُخرى بشكلٍ أو بآخر في تحقيق هذا الهدف الرئيس.
بل أشار القرآن الكريم أحياناً إلى هذه المساهمة والترابط بين هذا الهدف الرئيس وبقية الأهداف، كما سنلاحظ ذلك فيما بعد.
وهذا الهدف الرئيس هو إيجاد التغيير الاجتماعي (الجذري) للإنسانيّة، من خلال رسم (الطريق والمنهج) لهذا التغيير، و(خلق القاعدة الثوريّة) التي تميّزت بهذا المنهج والتزمت وتغيّرت على أساسه.
أبعاد الهدف الرئيس من نزول القرآن: ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات])
أ ـ التغيير الجذري: ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات])
(فالبُعد الأوّل) هو (التغيير الجذري) وهو ما يُعبّر عنه بلغة العصر: بالثورة
وعبّر عنه القرآن بعمليّة الإخراج من الظلمات إلى النور:
(... يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ...)(11)
على أساس قاعدة:
(... إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ...)(12).
(ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ...)(13).
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا البعد في آياتٍ عديدة تضمّنت الهدف الأصلي من القرآن، كما تضمّنت أيضاً الهدف الأصلي من مهمّة النبي (صلّى الله عليه وآله) :
(قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ* يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)(14).
(الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ)(15).
(هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)(16).
ففي هذه الآيات يشير القرآن الكريم إلى أنّ عمليّة التغير الجذري التي يعبّر عنها بعمليّة الخروج من أحد القطبين المتناقضين إلى القطب الآخر (النور والظلمات)، ليست فقط من الأهداف التي يحققها ويتّصف بها، كما في الآية الأولى، بل هي الهدف من أصل نزول القرآن، كما في الآية الثانية والثالثة.
ويؤكّد هذا ما جاء في القرآن الكريم من وصف الله سبحانه بأنّه: (نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) الذي يعني أنّ هذا النور هو (الله) سبحانه، فيكون الهدف من القرآن، تغيير هذا الإنسان تغييراً يجعله مرتبطاً بالله تعالى:
(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)(17).
وممّا يُلقي الضوء على أنّ عمليّة التغيير الجذري (الإخراج من الظلمات إلى النور) هي الهدف الرئيس، ما أُشير إليه في القرآن الكريم من ربط هذه العمليّة بشكلٍ متضاد ومتعاكس بتوجّهات علاقات الإنسان المؤمن والكافر بالقطبين (الله) و(الطاغوت) في مختلف مجالات حياته وممارساته ونتائج مسيرته:
(الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً)(18).
(وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ* الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ)(19).
كما جاء في القرآن الكريم أنّ الهدف الرئيس الذي وضع على عاتق الرسل هو تحقيق هذا الهدف:
(وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)(20).
وإنّما كان الأمر كذلك لأنّ ولاء الله يعني الخروج من الظلمات إلى النور، وولاء الطاغوت هو الخروج من النور إلى الظلمات، و(الصيرورة) إلى الجنة والنار، إنّما تكون على أساس هذا الولاء:
وإنّما كان الأمر كذلك لأنّ ولاء الله يعني الخروج من الظلمات إلى النور، وولاء الطاغوت هو الخروج من النور إلى الظلمات، و(الصيرورة) إلى الجنة والنار، إنّما تكون على أساس هذا الولاء:
(اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (21).
ولعلّ التعبير بالمفرد عن النور، وبالجمع عن الظلمات للإشارة إلى أنّ طريق الله واحد، والطريق إلى الطاغوت يأخذ اشكالاً متعدّدة، لأنّ الله واحدٌ والطاغوت متعدّد.
شموليّة عمليّة التغيير الاجتماعي:
وقد أشار القرآن الكريم إلى الأبعاد الشموليّة لعمليّة التغيير هذه، بحيث يكوّن لنا صورةً عن أعماق الجذور التي تتناولها هذه العملية التغييريّة:
(يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ)
وذلك عندما تحدّث عن مهمّة النبي محمّد (صلّى الله عليه وآله) تجاه أهل الكتاب:
(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(22).
وكذلك عندما تحدّث عن مهمّة النبي تجاه (الأُميّين) من الناس:
(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ)(23).
أولو العزم ومهمّة التغيير الاجتماعي:
ولعلّ هذا البُعد هو الذي يميِّز مهمّة الأنبياء أُولي العزم من الرسل عن غيرهم من أنبياء الرسالات، حيث قد يكون المقصود من تلاوة الآيات: (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ) هذا البُعد من العمليّة التغييريّة.
وقد تكون الآية التي وردت في سورة إبراهيم بشأن موسى (عليه السلام) تشير إلى هذه الحقيقة:
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)(24).
خصوصاً إذا أخذنا بنظر الاعتبار أنّها وردت في سياق قوله تعالى:
(الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ)(25).
حيث قد يكون المقصود هو المقارنة بين المهمّة الأصليّة للنبي محمّد (صلّى الله عليه وآله) من خلال القرآن ومهمّة موسى (عليه السلام) التغييرية.
______________________________________
1- لخّصنا هذا الموضوع من كتابنا: الهدف من نزول القرآن (من مؤلفات السيد الحكيم).
2- النحل: 89.
3- الأنعام: 19.
4- الإسراء: 89.
5- الزمر: 27.
6- الأنعام: 155 ـ 156.
7- النساء: 174.
8- النحل: 89.
9- النحل: 64.
10- المائدة: 48.
11- البقرة: 257.
12- الرعد: 11.
13- الأنفال: 53.
14- المائدة: 15 ـ 16.
15- إبراهيم: 1.
16- الحديد: 9.
17- النور: 35.
18- النساء: 76.
19- الزمر: 17 ـ 18.
20- النحل: 36.
21- البقرة: 257.
22- الأعراف: 157.
23- الجمعة: 2.
24- إبراهيم: 5.
25- إبراهيم: 1.
المقدّمة: أهمّيّة الموضوع ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات])
القرآن وتشخيص الهدف من نزوله ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات])
أبعاد الهدف الرئيس من نزول القرآن ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات])
أ ـ التغيير الجذري ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات])
الهدف من نزول القرآن ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات])(1)
المقدّمة: أهمّيّة الموضوع: ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات])
يحسن بنا قبل الدخول في بحث أصل الموضوع (الهدف من نزول القرآن) أن نتناول أهمّيّة البحث فيه.
ويمكن أن نشير بهذا الصدد وبشكلٍ مختصرٍ إلى النقاط التالية:
الأُولى:
إنّ فهم القرآن الكريم يتأثّر بمجموعةٍ من القضايا:
كأن تكون الرؤية في تفسيره إسلاميّة، ومن منطلق أنّه وحيٌ إلهي وليس نتاجاً بشريّاً، وأن نعرف الظروف التي نزل فيها القرآن الكريم، وأسباب النزول التي تمثِّل القدر المتيقَن من المصداق في المفهوم القرآني.
ومن أهمّ هذه القضايا التي تؤثر في فهم القرآن الكريم، معرفة الهدف من نزوله، لأنّ الهدف بطبيعة الحال يلقي بظلاله على المعنى القرآني، بحيث يكون إحدى القرائن العامّة المنفصلة التي تكتنف النص.
فعندما يتحدّث القرآن الكريم عن الكتاب أنّه تبيان لكلِّ شيءٍ
(وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)(2)
يمكن أن نفهم (كلّ شيءٍ) هنا على ضوء (الهدف من نزول القرآن)، فالمراد من التبيان هو التبيان الشامل لما يرتبط بهذا الهدف، وهكذا في الموارد الأُخرى.
الثانية:
إنّ معرفة الهدف القرآني سوف تساهم في تفسير مجموعةٍ من الظواهر القرآنيّة؛ حيث قد يختلف تفسير الظاهرة باختلاف تفسير الهدف من القرآن، كما في تكرار القصّة، الذي يتّجه بعضهم إلى تفسيره على أساسٍ بلاغي، بينما قد يكون الأساس التربوي هو التفسير الصحيح.
الثالثة:
إنّ القرآن الكريم يحظى بقدسيّةٍ واهتمام بين المسلمين، باعتباره الوحي الإلهي الذي لا يأتيه الباطل بين يديه ولا من خلفه، وباعتباره الصيغة والنص الإلهيين لهذا الوحي والمضمون.
ولذا لا بُدّ للمسلمين أن يبقوا متفاعلين مع القرآن دائماً، كما كانوا كذلك في مختلف عصور التاريخ الإسلامي وإن كان بمستويات متفاوتة.
ولتشخيص الهدف من نزول (القرآن) أثر كبير على طبيعة هذا الاهتمام والتفاعل ومستواه ومضمونه، إذ إنّ الاهتمام والتفاعل يكوّنان تارةً على مستوى حفظ النص القرآني، وسلامة تركيبه، وأُخرى على مستوى الاهتمام بالمضمون القرآني وفهمه، وثالثةً على مستوى التعرّف على هداية القرآن الكريم والحقائق العلميّة والتأريخية والاجتماعية و... التي احتواها القرآن الكريم، ورابعةً على مستوى طرحه كشعارٍ للإنسان المسلم، يتزيّن به ويردده في الصباح والمساء من خلال الإذاعات أو المناسبات أو المجالس الدينيّة.
يبقى الأهمُّ من ذلك أن يكون التفاعل والاهتمام بالقرآن على مستوى تحقيق الهدف الحقيقي منه، الذي يجسِّد التفاعل والاهتمام الروحي الحقيقيين، ويشمل في الوقت نفسه مختلف المستويات الأُخرى، التي هي بمنزلة المقدّمة أو الطريق للوصول إلى هذا الهدف.
القرآن وتشخيص الهدف من نزوله: ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات])
قد يكون من الأفضل الرجوع إلى القرآن الكريم نفسه لتشخيص الهدف من نزوله، ومن خلال استعراض الآيات القرآنية التي فسرت نزول القرآن.
وفي مراجعةٍ للقرآن الكريم نجد مجموعةً كبيرة من الآيات والظواهر يمكن أن تلقي الضوء على الهدف من نزول القرآن، ولكنّ هذه الآيات قد تبدو وكأنّها تتحدّث عن أهدافٍ متعدّدة أو مختلفة، وسوف نشير إلى نماذج من هذه الآيات والاحتمالات المتعدّدة لها، ثم نستخلص من خلال المقارنة الهدف الرئيسي المركزي من نزول القرآن:
1 ـ ورد في القرآن الكريم بصدد تشخيص الهدف أنّه جاء (للإنذار والتذكرة) مثل قوله تعالى:
(وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ...)(3).
2 ـ وفي آياتٍ أُخرى جاء القرآن لضرب الأمثال والعِبَر والدروس، مثل قوله تعالى:
(وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ...)(4).
(وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ...)(5).
3 ـ وفي مكانٍ آخر يبدو وكأنّ الهدف من القرآن هو إقامة الحجّة والبرهان والمعجزة، كما في قوله تعالى:
وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ* أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا...)(6).
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً)(7).
4 ـ وفي مواضع أُخرى يبدو القرآن وكأنّه كتاب دستورٍ وشريعة وتفصيل للأحكام:
(... وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)(8).
5 ـ وفي مواضع أُخرى من القرآن الكريم أنّه جاء من أجل الحكم وفصل الخلاف والتفريق بين الحقِّ والباطل:
(وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)(9).
6 ـ كما نجد في مواضع أُخرى أنّ الهدف من القرآن هو تصديق الرسالات السابقة وإمضاؤها وتصحيحها والهيمنة عليها، وبذلك يكون له دورٌ تصحيحي وتكميلي:
(وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)(10).
وبالرّغم من أنّ هذه الأهداف التي أشرنا إليها قد تكون متداخلةً يؤثِّر بعضها بالآخر ويرتبط به في وجهٍ من الوجوه، إلاّ أنّها تبدو متعددةً عندما تُطرح في الآيات الكريمة، ونريد أن نفسِّر الظاهرة القرآنيّة ونسعى إلى تشخيص الهدف الأساس لها؛ بحيث يفهم أنّ القرآن الكريم جاء لتحقيق غايات وأهداف عديدة، تتوزع على آيات القرآن وسوره ومضامينه.
ومن أجل أن نكون أكثر وضوحاً في تحديد محور البحث، لا بُدّ لنا أن نطرح السؤال كالتالي:
ما هو الهدف الأساس الذي سعت الظاهرة القرآنيّة الكريمة إلى تحقيقه من خلال وجودها، بحيث يفسِّر لنا هذا الهدف كلَّ آيةٍ في القرآن الكريم مهما كان مضمونها ومحتواها وصيغتها؟
ومن خلال استعراض الأهداف السابقة، والمقارنة بينها، يمكن أنْ نخرج بنتيجةٍ واضحة للجواب عن السؤال السابق، حيث نلاحظ أنّ القرآن الكريم استهدف من نزوله تحقيق هدف واحد رئيس، له أبعاد ثلاثة، وساهمت بقيّة الأهداف الأُخرى بشكلٍ أو بآخر في تحقيق هذا الهدف الرئيس.
بل أشار القرآن الكريم أحياناً إلى هذه المساهمة والترابط بين هذا الهدف الرئيس وبقية الأهداف، كما سنلاحظ ذلك فيما بعد.
وهذا الهدف الرئيس هو إيجاد التغيير الاجتماعي (الجذري) للإنسانيّة، من خلال رسم (الطريق والمنهج) لهذا التغيير، و(خلق القاعدة الثوريّة) التي تميّزت بهذا المنهج والتزمت وتغيّرت على أساسه.
أبعاد الهدف الرئيس من نزول القرآن: ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات])
أ ـ التغيير الجذري: ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات])
(فالبُعد الأوّل) هو (التغيير الجذري) وهو ما يُعبّر عنه بلغة العصر: بالثورة
وعبّر عنه القرآن بعمليّة الإخراج من الظلمات إلى النور:
(... يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ...)(11)
على أساس قاعدة:
(... إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ...)(12).
(ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ...)(13).
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا البعد في آياتٍ عديدة تضمّنت الهدف الأصلي من القرآن، كما تضمّنت أيضاً الهدف الأصلي من مهمّة النبي (صلّى الله عليه وآله) :
(قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ* يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)(14).
(الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ)(15).
(هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)(16).
ففي هذه الآيات يشير القرآن الكريم إلى أنّ عمليّة التغير الجذري التي يعبّر عنها بعمليّة الخروج من أحد القطبين المتناقضين إلى القطب الآخر (النور والظلمات)، ليست فقط من الأهداف التي يحققها ويتّصف بها، كما في الآية الأولى، بل هي الهدف من أصل نزول القرآن، كما في الآية الثانية والثالثة.
ويؤكّد هذا ما جاء في القرآن الكريم من وصف الله سبحانه بأنّه: (نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) الذي يعني أنّ هذا النور هو (الله) سبحانه، فيكون الهدف من القرآن، تغيير هذا الإنسان تغييراً يجعله مرتبطاً بالله تعالى:
(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)(17).
وممّا يُلقي الضوء على أنّ عمليّة التغيير الجذري (الإخراج من الظلمات إلى النور) هي الهدف الرئيس، ما أُشير إليه في القرآن الكريم من ربط هذه العمليّة بشكلٍ متضاد ومتعاكس بتوجّهات علاقات الإنسان المؤمن والكافر بالقطبين (الله) و(الطاغوت) في مختلف مجالات حياته وممارساته ونتائج مسيرته:
(الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً)(18).
(وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ* الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ)(19).
كما جاء في القرآن الكريم أنّ الهدف الرئيس الذي وضع على عاتق الرسل هو تحقيق هذا الهدف:
(وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)(20).
وإنّما كان الأمر كذلك لأنّ ولاء الله يعني الخروج من الظلمات إلى النور، وولاء الطاغوت هو الخروج من النور إلى الظلمات، و(الصيرورة) إلى الجنة والنار، إنّما تكون على أساس هذا الولاء:
وإنّما كان الأمر كذلك لأنّ ولاء الله يعني الخروج من الظلمات إلى النور، وولاء الطاغوت هو الخروج من النور إلى الظلمات، و(الصيرورة) إلى الجنة والنار، إنّما تكون على أساس هذا الولاء:
(اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (21).
ولعلّ التعبير بالمفرد عن النور، وبالجمع عن الظلمات للإشارة إلى أنّ طريق الله واحد، والطريق إلى الطاغوت يأخذ اشكالاً متعدّدة، لأنّ الله واحدٌ والطاغوت متعدّد.
شموليّة عمليّة التغيير الاجتماعي:
وقد أشار القرآن الكريم إلى الأبعاد الشموليّة لعمليّة التغيير هذه، بحيث يكوّن لنا صورةً عن أعماق الجذور التي تتناولها هذه العملية التغييريّة:
(يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ)
وذلك عندما تحدّث عن مهمّة النبي محمّد (صلّى الله عليه وآله) تجاه أهل الكتاب:
(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(22).
وكذلك عندما تحدّث عن مهمّة النبي تجاه (الأُميّين) من الناس:
(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ)(23).
أولو العزم ومهمّة التغيير الاجتماعي:
ولعلّ هذا البُعد هو الذي يميِّز مهمّة الأنبياء أُولي العزم من الرسل عن غيرهم من أنبياء الرسالات، حيث قد يكون المقصود من تلاوة الآيات: (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ) هذا البُعد من العمليّة التغييريّة.
وقد تكون الآية التي وردت في سورة إبراهيم بشأن موسى (عليه السلام) تشير إلى هذه الحقيقة:
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)(24).
خصوصاً إذا أخذنا بنظر الاعتبار أنّها وردت في سياق قوله تعالى:
(الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ)(25).
حيث قد يكون المقصود هو المقارنة بين المهمّة الأصليّة للنبي محمّد (صلّى الله عليه وآله) من خلال القرآن ومهمّة موسى (عليه السلام) التغييرية.
______________________________________
1- لخّصنا هذا الموضوع من كتابنا: الهدف من نزول القرآن (من مؤلفات السيد الحكيم).
2- النحل: 89.
3- الأنعام: 19.
4- الإسراء: 89.
5- الزمر: 27.
6- الأنعام: 155 ـ 156.
7- النساء: 174.
8- النحل: 89.
9- النحل: 64.
10- المائدة: 48.
11- البقرة: 257.
12- الرعد: 11.
13- الأنفال: 53.
14- المائدة: 15 ـ 16.
15- إبراهيم: 1.
16- الحديد: 9.
17- النور: 35.
18- النساء: 76.
19- الزمر: 17 ـ 18.
20- النحل: 36.
21- البقرة: 257.
22- الأعراف: 157.
23- الجمعة: 2.
24- إبراهيم: 5.
25- إبراهيم: 1.