الفريجي
08-12-2009, 11:41 AM
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، نحمده في السراء والضراء وحين البأس، والصلاة والسلام على القادة الميامين محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين.
قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز:
(إنّ الذين آمنواوعملواالصالحات سيجعل لهم الرحمن ودّاً)
في محور السيرة الذاتية هناك مفردات بارزة: النشأة، الدراسة،الأساتذة، العطاء الفكري، والمؤلفات، مفردات ذكرت في منهاج الندوة، لا نستطيع أننغفل ـ ونحن نتحدث عن السيرة الذاتية لهذا العلم المجاهد الكبير ـ دورعاملين:
عامل الوراثة وعامل البيئة، فهذان العاملان يؤثران تأثيرات بليغة في حياة كل واحد منا ولاسيما في حياة القادة الاستثنائيين، الشهيد المظلوم السيد محمدالصدر، هو غصن من الدوحة الصدرية، هذه الدوحة التي اتصل عطاؤها وموّنت الأمة بالزعماء والقادة الدينيين والسياسيين، يقول جدنا الأعلى الإمام السيد حسن الصدررضوان الله تعالى عليه: «ليس بيني وبين جدي موسى بن جعفر إلاّ مجتهد عادل أو ورعفاضل» وحين تفتش في المواريث يندر أن تجد خطاً بيانياً متصاعداً متواصل الحلقات والأمجاد كهذا الخط الذي يربط الشهيد الصدر بأجداده الطاهرين من الأئمّة الهداة منأهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم:
من هاشم في ذراها وهي صاعدة***الى السماءتميت الناس بالحسد
قوم أبى الله إلاّ أن تكون لهم***مكارم الدين والدنيا بلاأمد
هو تحديداً نجل آية الله السيد محمد صادق الصدر، الذي هو النجل الثاني للمرحوم آية الله العظمى السيد محمد مهدي الصدر الإبن الاكبر لمرجع عصره الإمام آية الله العظمى السيد اسماعيل الصدر، وكانت إطلالته قصة استثنائية، لقد كان أبواه قدوصلا الى ما يشبه مرحلة اليأس من الإنجاب، فكان أن تشرّفا بأداء فريضة الحج، وحينماعرجا على المدينة المنورة للتشرف بزيارة الرسول «ص» اكثرا من التوسّل برسول الله «ص» في أن يرزقهما الله ولداً صالحاً، بعد هذا المخاض الصعب وبعد هذه المعاناة المرة التي عاشاها، وكانت النتيجة أن رجعا من الحج وفي يوم المولد النبوي الشريف فيالسابع عشر من ربيع الأول سنة 1362 للهجرة ولد هذا الطاهر ابن الطاهرين، ولذلك اختار له أبوه هذا الإسم، أسماه محمداً، وفي تقديري إنّ الاحاطة بمثل هذه الخلفياتكفيلة بإيجاد الحصانة والضمانة للكثيرين ممن لم يعرفوا حقيقة هذا العملاق، من يتمثل هذه الحقائق ويدركها منذ أن أطلّ على سطح هذا الكوكب يدرك أنّ هناك عناية ربانية رافقت هذا الإنسان العظيم منذ لحظاته الأولى، منذ ولادته رضوان الله تعالىعليه.
فهو إذن يتصاعد في ضمن عمود فريد من الأنساب، وأنا أطلقت عليه هذا الوصف قلت «الشهيد الصدر الثاني وريث الأمجاد وجامع الأضداد»، هذا عن الجانب الوراثي وأمّا عن الجانب البيئي فقد ولد وعاش في كنف جده لأمه شيخ الفقهاء في عصره الإمام آية الله العظمى الشيخ محمد رضا آل ياسين، الذي يعد بحق واحداً من رموز مدرسة أهلالبيت لا في جانب الفقاهة والتحقيق فحسب بل في كل الجوانب العرفانية والأخلاقية،الشهيد ولد سنة 1362 هـ، وقد توفي جده سنة 1370 هـ، معنى ذلك أنّه عاش ثمانية أعوام في كنف جده الشيخ آل ياسين.
وعاش في هذا البيت الطاهر وفي كنف ذلك الأب الطاهر الذي ورث منه خصائصه الأخلاقية، العادة في النجف أنه حينما يدخل عالم منالعلماء الى اي مجلس من مجالس الفاتحة التي تقام إن كان مجتهداً أو كان إمام جماعة،قارئ القرآن يقول رحم الله من قرأ الفاتحة، في إشارة الى الموجودين في المجلس بأنّ عالماً كبيراً قد دخل المجلس أو أنّ إماماً من أئمة الجماعة قد حلّ بين ظهرانيهم،ويحاول بعض المتنطعين ان يقدموا من الهبات والعطايا لقراء القرآن في النجف مايحملهم على أن ينوهوا بدخولهم الى المجالس وإن كانوا ليسوا ممن يستحقون ذلك، أمّاآية الله المرحوم السيد محمد صادق الصدر فإنّه كان ينهى وكان يوصي قرّاء القرآن ويقول لهم «أنا لا أريد أحدكم أن ينطق بهذه الكلمات حينما أدخل الى مجلس منالمجالس، إنّ ذلك يؤلمني وأنا أكره هذه الحالة، وأنا اتوسل اليكم بأن تتركوا ذلك»،في اشارة واضحة الى طهره وزهده في هذه البهارج، والى أنّه بعيد عن مسرح الأضواء،لذلك مثلاً تجدون أنّ هناك اصراراً شديداً مورس عليه لكي يقبل أن يكون إمام جامعةالنجف الدينية، ولعلكم تسمعون هذا لأول مرة أنّ السيد الخوئي رحمه الله حينما اشترى ارضاً وأراد أن يبنيها مدرسة دينية لابدّ له أن يسجل العقار باسم رجل عراقي، سجّل قطعة الارض التي اشتراها وأوقفها فيما بعد لتكون مدرسة دينية باسم آية الله المرحوم السيد محمد صادق الصدر، يعني اختاره من بين كل الموجودين في الحوزة ليسجل هذاالعقار الثمين باسمه، هذه مسألة لها دلالتها.
وأذكر أنّي زرت المرحوم السيدالخوئي مرة وكان السيد محمد صادق الصدر حاضراً فبدأ السيد الخوئي بنقل قصة عجيبة ترتبط بمسألة الوراثة والبيئة التي نتحدث عنها الآن، قال: حدّثني المرحوم السيدحيدر الصدر، والسيد حيدر الصدر هو واحد من كبار علمائنا المحققين وهو والد آية اللهالسيد اسماعيل الصدر ووالد الإمام الشهيد آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر،يقول السيد الخوئي قال لي السيد حيدر الصدر رحمة الله عليهم جميعاً، أنا لا أطردبعوضة إن جاءت تريد ان تمتص دمي مخافة أن تنتقل وتذهب لتمتص دم ولد من أولادي،فالتفت اليه المرحوم السيد محمد صادق الصدر رضوان الله تعالى عليه وقال وأنا كذلك،رغم أنه لا يملك إلاّ ولداً واحداً وهو الشهيد السيد محمد الصدر، لا يطرد بعوضة عن جسمه خشية أن تذهب وتمتص دم ولده فهو يفضل أن يتحمل هذا الأذى ويبعده عن ابنه، فيمثل هذا الجو فتح الشهيد المظلوم آية الله السيد محمد الصدر عينيه، يعني في جو مضمخ بالعلم والتقوى وأشذاء العرفان والطهر والقداسة.
مسألة البعد عن البهرجةوالأضواء ومسألة كراهية المزايدة الاجتماعية أمر موروث بشكل واضح في أوساط الأسرة،وسجلت أنا هذا في كتابي «أخلاق العلماء» لأنّها قضية ذات دلالة بليغة، جده الأعلىجد الشهيد محمد الصدر الأعلى الإمام السيد اسماعيل الصدر كبير المراجع في عصره سكن فترة من الزمن في كربلاء، وأنتم تعلمون أنّ كربلاء هي مقصد للملايين من المؤمنين منكل انحاء العالم، خاصة فيما يطلق عليه بالزيارات المخصوصة كزيارة عرفة مثلاً أوليلة النصف من شعبان، وحينما يأتي الزائرون من أماكن عديدة من داخل العراق وخارجالعراق، يجدون في أنفسهم شوقاً ورغبة لأن يصلوا على الأقل فرضاً أو فرضين وراء هذاالمرجع العظيم الذي يقلدونه، وكان الصحن الحسيني مطوقاً بالمصلين، وكانت الصلاةصلاة المغرب والعشاء، والناس بانتظار السيد اسماعيل الصدر لكي يصلي بهم، لم يأتالسيد حتى دبّ الخوف والوجل في نفوس الناس، لاحتمال أن يكون هناك حادث معين تعرض له السيد، فما كان من نجله الأكبر المرحوم السيد محمد مهدي الصدر إلاّ أن ذهب الى دارأبيه وهي قريبة من الصحن الحسيني الشريف ليرى جلية الأمر، حينما ذهب وجد أنّ السيد بكمال الصحة والسلامة والعافية، إذن ما الذي منعك يا سيدنا من المجيء للصلاة بالناس إماماً؟ قال: صعدت الى سطح الدار وحانت مني التفاتة فوجدت أنّ الصحن الحسيني قد امتلأ بالرؤوس وأنا إنسان، خشيت على نفسي أنّي اذا جئت والناس بهذا الحجم وبهذه الكثافة وبهذه الجموع الموجودة في الصحن الشريف خشيت على نفسي أن يتسرب شيء من الغرور أو شيء من العجب الى نفسي فآثرت البقاء هذه الليلة في داري على أن اصليمنفرداً وأترك الصلاة إماماً خشية على هذه الذات من ذرة من ذرات التلوث بعجب أوكبرياء أو غرور أو أنانية، عجيب.
هذه القصة من يقف عليها يعلم لماذا كان يرفض الشهيد السيد محمد الصدر أن يعطي يده لأحد لكي يقبلها، لماذا؟ اقرأوا التعليل،يقول: من يعطي يده للتقبيل، ويرغب بهذا المعنى، ربما يفتح باباً لتضخيم الذات والأنانية والكبرياء في نفسه وبالتالي فإنّ هذا المنفذ الشيطاني سيعرضه الى كثير من الويلات، فكان لا يسمح لأحد بهذا الأمر، ويقول: «اليوم قد ترون أنّ هذا أمر شاذ ـيعني مرجع من المراجع لا يسمح للمؤمنين الذين يحبونه بتقبيل يده ـ ولكنه يقول: أأملأنّ هذه النظرة ستكون في قابل الأيام هي القاعدة العامة، يعني يأمل أنّه يصلحالحوزة ويربيها الى الدرجة التي تصل الى هذه القفزة النوعية التي يريدها للحوزة،طبعاً على ذكر تقبيل اليد، الإمام الشهيد الصدر الأول له فتوى متميزة في هذا الباب،يقول: (تقبيل اليد حرام، يستثنى من ذلك إستثناءان، الإستثناء الأول تقبيل يديالوالدين، والإستثناء الثاني اليد التي يراد بها يد رسول الله «ص»)، حتى هذا السماحالفقهي رفضه الشهيد العظيم السيد الصدر خشية أن يتسرب الى ذاته شيء من أشياء العجبأو الغرور، هذه صفات يندر أن نجدها في الرجال، بالعكس تشهد بعض الحوزات وبعض الأماكن المقدسة أنّ عبيد الدنيا قد يجندون جنوداً يصطفون وراءهم لتقبيل أيديهم أولرفع عقائرهم بالصلاة على محمّد وآل محمّد إذا دخلوا المجالس، الى كثير من المؤامرات والمواضعات التي يحيط الكثير منكم بها علماً.
وفي سنّ مبكرة تحديداًفي الحادية عشرة من عمره أصر ابوه قدس الله نفسه على أن ينخرط في الحوزة العلميةويضع العمامة فوق مفرقه ويتزيى بزي آبائه وأجداده، إحدى عشرة سنة فقط، وهو من أوائلمن جمع بين الدراستين الدراسة الحوزوية والدراسة المنهجية، لأنّه هذه الدورةالشهيرة من دورات كلية الفقه التي أسسها العلم المجاهد آية الله المرحوم الشيخ محمدرضا المظفر أعلى الله مقامه، هذه الدورة لعلها كانت الدورة الاولى التي تخرج فيهاالشيخ الوائلي والمرحوم السيد مصطفى جمال الدين في هذه الدورة نفسها تخرج الشهيدالمرحوم السيد محمد الصدر، فجمع بين لونين من الدراسة، الدراسة التي أقرب ما تكونالى الدراسة الأكاديمية المنهجية، ودراسة الحوزة العلمية بمراحلها الثلاث، مرحلةالمقدمات ومرحلة السطوح ومرحلة البحث الخارج.
والظاهرة الملفتة أنّ الكثير منالعلماء بعد أن يعلو شأنه ويحتل مرتبة مرموقة في العلم وفي المكانة الاجتماعية يأنفأو يرفض أن يسمي اساتذته لأن الفارق بينه وبينهم كبير حينئذ، هذه الظاهرة نجدهابشكل معكوس في شخصية هذا العظيم، نجده يذكر إنساناً ليس من أهل العلم أصلاً، ليس منالعلماء أصلاً، يقول: «تأثرت ببعض نظراته العرفانية» عبدالزهراء القرعاوي، ثم يذكرمن درّسه الإنجليزية في كلية الفقه ويسمي أبسط اساتذته يعني حتى الذي درسه علم النفس مثلاً أو علم الاجتماع يذكره وجميع الاساتذة الذين درسوه في كلية الفقه ينصعليهم واحداً واحداً، يذكر أنه درس البلاغة عند السيد طالب الرفاعي مثلاً، يعني هذهالمسألة بالذات اذا دلت على شيء فانما تدل على الواقعية والموضوعية بدرجة عالية،وتدل على أنه حقيقة زاهد بالرتوش وزاهد بكل هذه العناوين وإلاّ لما ذكرهم، ذكرأشخاصاً هو أشمخ منهم مكانة وأكثر منهم علماً.
قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز:
(إنّ الذين آمنواوعملواالصالحات سيجعل لهم الرحمن ودّاً)
في محور السيرة الذاتية هناك مفردات بارزة: النشأة، الدراسة،الأساتذة، العطاء الفكري، والمؤلفات، مفردات ذكرت في منهاج الندوة، لا نستطيع أننغفل ـ ونحن نتحدث عن السيرة الذاتية لهذا العلم المجاهد الكبير ـ دورعاملين:
عامل الوراثة وعامل البيئة، فهذان العاملان يؤثران تأثيرات بليغة في حياة كل واحد منا ولاسيما في حياة القادة الاستثنائيين، الشهيد المظلوم السيد محمدالصدر، هو غصن من الدوحة الصدرية، هذه الدوحة التي اتصل عطاؤها وموّنت الأمة بالزعماء والقادة الدينيين والسياسيين، يقول جدنا الأعلى الإمام السيد حسن الصدررضوان الله تعالى عليه: «ليس بيني وبين جدي موسى بن جعفر إلاّ مجتهد عادل أو ورعفاضل» وحين تفتش في المواريث يندر أن تجد خطاً بيانياً متصاعداً متواصل الحلقات والأمجاد كهذا الخط الذي يربط الشهيد الصدر بأجداده الطاهرين من الأئمّة الهداة منأهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم:
من هاشم في ذراها وهي صاعدة***الى السماءتميت الناس بالحسد
قوم أبى الله إلاّ أن تكون لهم***مكارم الدين والدنيا بلاأمد
هو تحديداً نجل آية الله السيد محمد صادق الصدر، الذي هو النجل الثاني للمرحوم آية الله العظمى السيد محمد مهدي الصدر الإبن الاكبر لمرجع عصره الإمام آية الله العظمى السيد اسماعيل الصدر، وكانت إطلالته قصة استثنائية، لقد كان أبواه قدوصلا الى ما يشبه مرحلة اليأس من الإنجاب، فكان أن تشرّفا بأداء فريضة الحج، وحينماعرجا على المدينة المنورة للتشرف بزيارة الرسول «ص» اكثرا من التوسّل برسول الله «ص» في أن يرزقهما الله ولداً صالحاً، بعد هذا المخاض الصعب وبعد هذه المعاناة المرة التي عاشاها، وكانت النتيجة أن رجعا من الحج وفي يوم المولد النبوي الشريف فيالسابع عشر من ربيع الأول سنة 1362 للهجرة ولد هذا الطاهر ابن الطاهرين، ولذلك اختار له أبوه هذا الإسم، أسماه محمداً، وفي تقديري إنّ الاحاطة بمثل هذه الخلفياتكفيلة بإيجاد الحصانة والضمانة للكثيرين ممن لم يعرفوا حقيقة هذا العملاق، من يتمثل هذه الحقائق ويدركها منذ أن أطلّ على سطح هذا الكوكب يدرك أنّ هناك عناية ربانية رافقت هذا الإنسان العظيم منذ لحظاته الأولى، منذ ولادته رضوان الله تعالىعليه.
فهو إذن يتصاعد في ضمن عمود فريد من الأنساب، وأنا أطلقت عليه هذا الوصف قلت «الشهيد الصدر الثاني وريث الأمجاد وجامع الأضداد»، هذا عن الجانب الوراثي وأمّا عن الجانب البيئي فقد ولد وعاش في كنف جده لأمه شيخ الفقهاء في عصره الإمام آية الله العظمى الشيخ محمد رضا آل ياسين، الذي يعد بحق واحداً من رموز مدرسة أهلالبيت لا في جانب الفقاهة والتحقيق فحسب بل في كل الجوانب العرفانية والأخلاقية،الشهيد ولد سنة 1362 هـ، وقد توفي جده سنة 1370 هـ، معنى ذلك أنّه عاش ثمانية أعوام في كنف جده الشيخ آل ياسين.
وعاش في هذا البيت الطاهر وفي كنف ذلك الأب الطاهر الذي ورث منه خصائصه الأخلاقية، العادة في النجف أنه حينما يدخل عالم منالعلماء الى اي مجلس من مجالس الفاتحة التي تقام إن كان مجتهداً أو كان إمام جماعة،قارئ القرآن يقول رحم الله من قرأ الفاتحة، في إشارة الى الموجودين في المجلس بأنّ عالماً كبيراً قد دخل المجلس أو أنّ إماماً من أئمة الجماعة قد حلّ بين ظهرانيهم،ويحاول بعض المتنطعين ان يقدموا من الهبات والعطايا لقراء القرآن في النجف مايحملهم على أن ينوهوا بدخولهم الى المجالس وإن كانوا ليسوا ممن يستحقون ذلك، أمّاآية الله المرحوم السيد محمد صادق الصدر فإنّه كان ينهى وكان يوصي قرّاء القرآن ويقول لهم «أنا لا أريد أحدكم أن ينطق بهذه الكلمات حينما أدخل الى مجلس منالمجالس، إنّ ذلك يؤلمني وأنا أكره هذه الحالة، وأنا اتوسل اليكم بأن تتركوا ذلك»،في اشارة واضحة الى طهره وزهده في هذه البهارج، والى أنّه بعيد عن مسرح الأضواء،لذلك مثلاً تجدون أنّ هناك اصراراً شديداً مورس عليه لكي يقبل أن يكون إمام جامعةالنجف الدينية، ولعلكم تسمعون هذا لأول مرة أنّ السيد الخوئي رحمه الله حينما اشترى ارضاً وأراد أن يبنيها مدرسة دينية لابدّ له أن يسجل العقار باسم رجل عراقي، سجّل قطعة الارض التي اشتراها وأوقفها فيما بعد لتكون مدرسة دينية باسم آية الله المرحوم السيد محمد صادق الصدر، يعني اختاره من بين كل الموجودين في الحوزة ليسجل هذاالعقار الثمين باسمه، هذه مسألة لها دلالتها.
وأذكر أنّي زرت المرحوم السيدالخوئي مرة وكان السيد محمد صادق الصدر حاضراً فبدأ السيد الخوئي بنقل قصة عجيبة ترتبط بمسألة الوراثة والبيئة التي نتحدث عنها الآن، قال: حدّثني المرحوم السيدحيدر الصدر، والسيد حيدر الصدر هو واحد من كبار علمائنا المحققين وهو والد آية اللهالسيد اسماعيل الصدر ووالد الإمام الشهيد آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر،يقول السيد الخوئي قال لي السيد حيدر الصدر رحمة الله عليهم جميعاً، أنا لا أطردبعوضة إن جاءت تريد ان تمتص دمي مخافة أن تنتقل وتذهب لتمتص دم ولد من أولادي،فالتفت اليه المرحوم السيد محمد صادق الصدر رضوان الله تعالى عليه وقال وأنا كذلك،رغم أنه لا يملك إلاّ ولداً واحداً وهو الشهيد السيد محمد الصدر، لا يطرد بعوضة عن جسمه خشية أن تذهب وتمتص دم ولده فهو يفضل أن يتحمل هذا الأذى ويبعده عن ابنه، فيمثل هذا الجو فتح الشهيد المظلوم آية الله السيد محمد الصدر عينيه، يعني في جو مضمخ بالعلم والتقوى وأشذاء العرفان والطهر والقداسة.
مسألة البعد عن البهرجةوالأضواء ومسألة كراهية المزايدة الاجتماعية أمر موروث بشكل واضح في أوساط الأسرة،وسجلت أنا هذا في كتابي «أخلاق العلماء» لأنّها قضية ذات دلالة بليغة، جده الأعلىجد الشهيد محمد الصدر الأعلى الإمام السيد اسماعيل الصدر كبير المراجع في عصره سكن فترة من الزمن في كربلاء، وأنتم تعلمون أنّ كربلاء هي مقصد للملايين من المؤمنين منكل انحاء العالم، خاصة فيما يطلق عليه بالزيارات المخصوصة كزيارة عرفة مثلاً أوليلة النصف من شعبان، وحينما يأتي الزائرون من أماكن عديدة من داخل العراق وخارجالعراق، يجدون في أنفسهم شوقاً ورغبة لأن يصلوا على الأقل فرضاً أو فرضين وراء هذاالمرجع العظيم الذي يقلدونه، وكان الصحن الحسيني مطوقاً بالمصلين، وكانت الصلاةصلاة المغرب والعشاء، والناس بانتظار السيد اسماعيل الصدر لكي يصلي بهم، لم يأتالسيد حتى دبّ الخوف والوجل في نفوس الناس، لاحتمال أن يكون هناك حادث معين تعرض له السيد، فما كان من نجله الأكبر المرحوم السيد محمد مهدي الصدر إلاّ أن ذهب الى دارأبيه وهي قريبة من الصحن الحسيني الشريف ليرى جلية الأمر، حينما ذهب وجد أنّ السيد بكمال الصحة والسلامة والعافية، إذن ما الذي منعك يا سيدنا من المجيء للصلاة بالناس إماماً؟ قال: صعدت الى سطح الدار وحانت مني التفاتة فوجدت أنّ الصحن الحسيني قد امتلأ بالرؤوس وأنا إنسان، خشيت على نفسي أنّي اذا جئت والناس بهذا الحجم وبهذه الكثافة وبهذه الجموع الموجودة في الصحن الشريف خشيت على نفسي أن يتسرب شيء من الغرور أو شيء من العجب الى نفسي فآثرت البقاء هذه الليلة في داري على أن اصليمنفرداً وأترك الصلاة إماماً خشية على هذه الذات من ذرة من ذرات التلوث بعجب أوكبرياء أو غرور أو أنانية، عجيب.
هذه القصة من يقف عليها يعلم لماذا كان يرفض الشهيد السيد محمد الصدر أن يعطي يده لأحد لكي يقبلها، لماذا؟ اقرأوا التعليل،يقول: من يعطي يده للتقبيل، ويرغب بهذا المعنى، ربما يفتح باباً لتضخيم الذات والأنانية والكبرياء في نفسه وبالتالي فإنّ هذا المنفذ الشيطاني سيعرضه الى كثير من الويلات، فكان لا يسمح لأحد بهذا الأمر، ويقول: «اليوم قد ترون أنّ هذا أمر شاذ ـيعني مرجع من المراجع لا يسمح للمؤمنين الذين يحبونه بتقبيل يده ـ ولكنه يقول: أأملأنّ هذه النظرة ستكون في قابل الأيام هي القاعدة العامة، يعني يأمل أنّه يصلحالحوزة ويربيها الى الدرجة التي تصل الى هذه القفزة النوعية التي يريدها للحوزة،طبعاً على ذكر تقبيل اليد، الإمام الشهيد الصدر الأول له فتوى متميزة في هذا الباب،يقول: (تقبيل اليد حرام، يستثنى من ذلك إستثناءان، الإستثناء الأول تقبيل يديالوالدين، والإستثناء الثاني اليد التي يراد بها يد رسول الله «ص»)، حتى هذا السماحالفقهي رفضه الشهيد العظيم السيد الصدر خشية أن يتسرب الى ذاته شيء من أشياء العجبأو الغرور، هذه صفات يندر أن نجدها في الرجال، بالعكس تشهد بعض الحوزات وبعض الأماكن المقدسة أنّ عبيد الدنيا قد يجندون جنوداً يصطفون وراءهم لتقبيل أيديهم أولرفع عقائرهم بالصلاة على محمّد وآل محمّد إذا دخلوا المجالس، الى كثير من المؤامرات والمواضعات التي يحيط الكثير منكم بها علماً.
وفي سنّ مبكرة تحديداًفي الحادية عشرة من عمره أصر ابوه قدس الله نفسه على أن ينخرط في الحوزة العلميةويضع العمامة فوق مفرقه ويتزيى بزي آبائه وأجداده، إحدى عشرة سنة فقط، وهو من أوائلمن جمع بين الدراستين الدراسة الحوزوية والدراسة المنهجية، لأنّه هذه الدورةالشهيرة من دورات كلية الفقه التي أسسها العلم المجاهد آية الله المرحوم الشيخ محمدرضا المظفر أعلى الله مقامه، هذه الدورة لعلها كانت الدورة الاولى التي تخرج فيهاالشيخ الوائلي والمرحوم السيد مصطفى جمال الدين في هذه الدورة نفسها تخرج الشهيدالمرحوم السيد محمد الصدر، فجمع بين لونين من الدراسة، الدراسة التي أقرب ما تكونالى الدراسة الأكاديمية المنهجية، ودراسة الحوزة العلمية بمراحلها الثلاث، مرحلةالمقدمات ومرحلة السطوح ومرحلة البحث الخارج.
والظاهرة الملفتة أنّ الكثير منالعلماء بعد أن يعلو شأنه ويحتل مرتبة مرموقة في العلم وفي المكانة الاجتماعية يأنفأو يرفض أن يسمي اساتذته لأن الفارق بينه وبينهم كبير حينئذ، هذه الظاهرة نجدهابشكل معكوس في شخصية هذا العظيم، نجده يذكر إنساناً ليس من أهل العلم أصلاً، ليس منالعلماء أصلاً، يقول: «تأثرت ببعض نظراته العرفانية» عبدالزهراء القرعاوي، ثم يذكرمن درّسه الإنجليزية في كلية الفقه ويسمي أبسط اساتذته يعني حتى الذي درسه علم النفس مثلاً أو علم الاجتماع يذكره وجميع الاساتذة الذين درسوه في كلية الفقه ينصعليهم واحداً واحداً، يذكر أنه درس البلاغة عند السيد طالب الرفاعي مثلاً، يعني هذهالمسألة بالذات اذا دلت على شيء فانما تدل على الواقعية والموضوعية بدرجة عالية،وتدل على أنه حقيقة زاهد بالرتوش وزاهد بكل هذه العناوين وإلاّ لما ذكرهم، ذكرأشخاصاً هو أشمخ منهم مكانة وأكثر منهم علماً.