هو الحق
07-01-2010, 03:45 AM
( رَفع الشُـبُهات عن السيد مُقتـدى الصدر )
( الحلقة الأولى )
جليل النوري
بسمه تعالى
قد يقول البعض انَّ التطرّق إلى هذا الموضوع جاء متأخراً من قبل كاتب هذه الكلمات نوعاً ما وهذا الكلام صحيح إلى حدٍ ما، ولكن قد تكون الغاية من ذلك مجهولة لدى السائل مما جعله يقول ما قاله وهو معذور لتجاهله السبب وعند ذكر السبب يبطل العجب كما يعبرون، وهنا أود أنْ أشير إلى الغاية والامتناع عن الكتابة، فإحداها مُعلنة والأخرى مخفية فأما المعلنة منها فهي انَّ كاتب هذه الكلمات أراد في وقت ما أنْ يتصدّى بشكل واضح ومعلن وصريح إعلامياً ومن خلال المقالات المتوالية لدكتاتورية الحكومة والعمل على فضح زيفها وظلمها الذي مارسته بحق الأبرياء من أتباع الحوزة الناطقة المجاهدة وبالخصوص مُقلّدي الولي الطاهر محمد الصدر، ولكون الكلمات في اغلبها كانت قاسية ومزعجة لأركان السلطة والمتزلفين لهم لم أشأ أنْ أقحم السيد مقتدى الصدر (اعزه الله) في هذه المعركة الكلامية الإعلامية لأجنّبه الانتقاد والكلام الغير جيد الذي من المحتمل أنْ يُطلقه أتباع الحكومة ضده لو علموا وأدركوا توجهي بشكل واضح له، اما الشيء المخفي فاحتفظ به بيني وبين ربي ولا داع لذكره.
هذا بخصوص السبب في الكتابة المتأخرة فيما يخصّ الدفاع عن السيد مقتدى الصدر، اما موضوع ما أثير عليه من شبهات وإشكالات صدرت سواء من قبل بعض المحسوبين والمقربين للسيد مقتدى الصدر وللأسف الشديد او من قبل الأعداء فهي كانت في الوقت الضائع – أي الإشكالات - ولا اعتقد انَّ لها قيمة تُذكر او أهمية بالغة في نفوس الصدريين، بل على العكس فانَّ ما يُثار من شبهات وأقاويل زاد من تمسك الصدريين بقائدهم وشحنت في الوقت نفسه من كراهيتهم وغضبهم وحقدهم ضد كل من تصدّى للسيد مقتدى الصدر بالكلام السلبي سواء كان ذلك الكلام قليلاً أم كثيراً من العدو او الصديق.
وهنا بودي أنْ اطرح البعض من تلك الإشكالات التي أثيرت ضد سماحة السيد مقتدى الصدر (نصره الله) وأحاول قدر المستطاع أنْ أجيب على البعض منها واثبت بطلانها او أحاول وضع المُعرقِلات أمامها لتقف عند حدودها ومن ثم تضمحل ووفق المنطق الأصولي القائل (إذا وَرَدَ الاحتمال بطلَ الاستدلال) وهو أسلوب كثير ما يستخدمه الولي الطاهر في كتاباته وردّه للشبهات، ولكثرة الإشكالات وتنوع الإجابات المناقضة لها والداحضة لحجيتها يستلزم منا الكلام في أكثر من حلقة واحدة وضمن سلسلة حلقات وكلها ستكون تحت نفس العنوان، وسأفرد لكل موضوع حلقة مستقلة في ذاتها إنْ بقيت الحياة بإذنه تعالى.
ولكي أكون أكثر وضوحاً وصراحة فانَّ الهدف من الكتابة هو إثبات موقف بعيد عن الغموض أمام الله ورسوله وأهل بيته، وكذلك أمام أهلي وإخوتي من أبناء هذا الخط المبارك وليس لي من وراء هذا الكلام أي غاية او مصلحة والله على ذلك من الشاهدين، كذلك هي ليست تخوفاً من احد على الإطلاق فنحن أبناء ذلك الطاهر الذي لا يخاف إلا الله ولا تأخذه فيه لومة لائم وكذلك لا أرجو مِمَّن كُتِبَتْ لأجله هذه الكلمات جزاءً ولا شكوراً وعلى الله التوكل أولاً وآخراً.
وهنا سأبدأ من الموضوع الأهم في النقاش وهو المرجعية، فالإخوة المستشكلون يطالبون سماحة السيد مقتدى الصدر بالرجوع إلى مرجع، او بعبارة أكثر دقة إرجاع التيار الصدري إلى مرجعية محددة لأنَّ العمل من دون الرجوع لمرجعية ما فيه إشكال شرعي. وهنا يمكن أنْ يُجاب على هذا الإشكال بأكثر من إجابة وسأبدؤها بالتسلسل:
الإجابة الأولى:انَّ موضوع إرجاع المكلّفين إلى المرجعية ليس من صلاحيات او خصوصيات السيد مقتدى الصدر بل هي من واجبات المُكلّف نفسه، فليس من حق السيد مقتدى الصدر على الإطلاق أنْ يُرشد الناس او يشير لهم إلى مرجعية معينة بذاتها وعينها، والدليل على ذلك انَّ مُقلدي السيد الشهيد الصدر اليوم مُنقسمون بالرجوع في مُستحدثاتهم، فالبعض منهم يرجع في مستحدثاته إلى الفياض والآخر إلى الحائري وقسم يرجع لفضل الله وآخرين يرجعون إلى الخامنئي وصنف إلى الهاشمي الشاهرودي وهكذا بالنسبة لبقية الآخرين، لذا فمن غير المنطقي أنْ يقول السيد مقتدى الصدر لجميع هؤلاء انَّ تقليدكم باطل وعليكم تركه لأنَّ رجوعكم في مستحدثاتكم إلى هؤلاء فيه إشكال شرعي ويجب التوجه إلى مرجعية نحن نجتمع عليها ونرتضيها ونطالب الجميع بالرجوع إليها وهذا الكلام لا أظنه يرضاه عاقل.
الإجابة الثانية:انَّ اغلب الإخوة المُستشكلين كانوا يوماً ما بجوار السيد مقتدى الصدر بوجود وكالة السيد الحائري للسيد مقتدى الصدر وبعد سحبها منه، وهم قد قادوا التيار الصدري في معركتين قاسيتين ضد الاحتلال يشكرون على موقفهم ذلك، علماً ان هذه المعارك قد سقط فيها المئات من الشهداء والأسرى والجرحى مع رفض الحائري للقتال وامتناعه لتسمية من سقطوا في هذه المعارك الشريفة بالشهداء، ومع كل ذلك كنا نشاهدهم يصلّون على جثث الضحايا ويدفنونهم بعنوان الشهداء ويشدون من عزم المجاهدين، بل أعطوا أوامراً اكبر من تلك التي أَشَرتُ لها بغياب المرجعية، لذا فانَّ إشكالهم هذا جاء مُتأخراً لأنهم إنْ أشكلوا اليوم فهم قد وقعوا في ذات الإشكال بالأمس.
وهنا قد يقول قائل انَّ الإخوة التفتوا لِخطأهم ويريدون إصلاح ذلك من خلال الرجوع لمرجع، وهنا يمكن أنْ نرجع كلانا في النقاش إلى ما ذكرناه في الإجابة الأولى كدليل على بطلان حجيتهم.
الإجابة الثالثة:ما أشار له ولي أمر المسلمين السيد الشهيد الصدر في حواره الكلامي السمعي الرابع مع جناب الشيخ عبد الستار البهادلي – طبعت هذه الحوارات على شكل كتاب اسمه منهج الصدر - حينما سأله جناب الشيخ عن موضوع التقليد أجاب روحي لتراب نعله الفداء قائلاً:
(يحتاج الشعب العراقي لو صح التعبير إلى قيادة لا تُمثِّـل التقليد، يُقلدون شخصاً ويأتمرون بأمر شخص آخر بعنوان الوكالة او بأي عنوان آخر لكي يُرتّبهم، الشيعة والحوزة لا تكون بدون ترتيب وإذا لم تُرَتَّب تقع بأيدي ناس ليسوا لهم أكفاء ماكرين وطُلاب دنيا بشكل من الأشكال، على أية حال فتوخياً لدفع أمثال هذه النتائج المؤسفة والمزعجة ينبغي إيجاد قيادة في داخل الحوزة لأجل التـفاف الناس حولها واستـفادة الناس منها) – راجع كتاب منهج الصدر الحوار الرابع -.
كذلك أوردَ سماحة الولي الطاهر في نفس الكتاب – منهج الصدر - خلال لقائه المطول مع أئمة الجمعة إذ يقول قدس الله روحه الطاهرة في نهاية اللقاء (كما تستـفيد من السيد محمد الصدر وتستـفيد من الشيخ وتستـفيد من السيد استـفد من أي ناطق حتى لو كان نملة، لا بأس بذلك سواء كان مجتهداً او غير مجتهد او من العوام او من داخل العراق او خارج العراق او على أي مستوى مُعاصر او تاريخي قديم، ولماذا لا؟ كله يصير، فمن هذه الناحية ينبغي أنْ تأخذوا هذا الشيء بنظر الاعتبار).
ومن خلال هذين المقطعين المباركين للمُبارك عليه يمكن التحدث وباختصار كما يلي:
أولاً:انَّ سماحة الولي الطاهر قد صَنَّفَ المرجعية الدينية إلى صنفين، الأولى مرجعية قيادية والأخرى غير قيادية وحدد الأسباب التي منعت وصف مرجعية السيد الحائري -الذي يراه السيد الشهيد الصدر على انه الأعلم من بعده- بعدم القيادية وأول تلك الأسباب هو عدم تيسّر الحائري للنظر في أمور الشعب العراقي لأنه كما يقول السيد الصدر غير موجود في العراق، وثانيهما هو عدم اعتقاده بتوفر العوامل التي تيسّر له الرجوع إلى العراق – الحوار الرابع في نفس الكتاب-، واعتقد انَّ السيد الشهيد الصدر تجنب ذكر السبب الثالث في عدم قدرة الحائري على قيادة الساحة العراقية وهو حسب علمي – السبب - تلك القيود التي فُرِضَت عليه من قبل الدولة المُـقيم فيها والتي لا حاجة لنا إلى التفصيل في تلك القيود حالياً.
وعلى هذا الأساس فانَّ السيد الشهيد الصدر طالبَ بوجود قيادة من داخل الحوزة تتصدى لقيادة الساحة العراقية ومن وجهة نظره لا تُمثل التقليد كما أشار سلفاً في حديثه قدس الله روحه الطاهرة، وذلك لعلمه الظاهري ووعيه المنقطع النظير الذي مَكَّنَه من رؤية الساحة العراقية عن قرب وبشكل جداً واضح لا غبار عليه وما سيحصل بها في حال غيابه عن الساحة من جهة ولإدراكه الغيبي من جهة أخرى والذي لا يُناقش عليه اثنان ممن يحسنون الظنَّ بالولي الطاهر.
وخير دليل على كلام الولي الطاهر – ظاهره وباطنه - هو عدم رجوع الحائري إلى العراق لهذه اللحظة، مضافاً إلى غياب رؤيته الدقيقة لِما يجري من أحداث في العراق وانحسار الاعتماد في كل قراراته وآرائه وتشخيصه على ممثله في العراق الشيخ قاسم الاسدي (أبو هاجر)، والذي يدرك الجميع مواقفه العدائية للتيار الصدري وقادته وما أفرزته تلك المواقف السلبية والنقل الخاطئ والتشويه للحقائق الذي يصل للسيد الحائري عن طريقه والذي كان بدوره يُرتب أثراً عليها – أي الحائري - مما أدى بالنتيجة إلى الضرر بالمصلحة العامة من جانب وبالصدريين من جانب آخر، وما موضوع القائمة الانتخابية التي شكلها الاسدي والتي دعمها الحائري في الانتخابات الماضية من البرلمان والتي منيت بفشل ساحق إلا خير شاهد ودليل على الرؤية القاصرة للساحة العراقية.
ثانياً:لو التفتنا إلى ما أورده الولي الطاهر في كلماته لائمة الجمعة وخصوصاً مقطع (استـفد من أي ناطق حتى لو كان نملة لا بأس بذلك سواء كان مجتهداً او غير مجتهد)، وجمعنا بين تأكيده على القيادة وفصلها وعزلها عن المرجعية في الظروف الراهنة، وبين رغبته بوجود ناطق حتى لو كان غير مجتهد، سنصل كلانا المُستَشكِل والراد على الإشكال إلى حقيقة مهمة وهي ضرورة إيجاد الشخص الناطق الذي يحفظ تراث الولي الطاهر من السرقة والتلاعب وهذا لا يمكن إيجاده اليوم في خارج دائرة الصدريين على الإطلاق مهما كان الشخص عظيماً او مُهماً، لأنَّ الجميع ومن دون استثناء خدشَ يوماً ما وطعن بالسيد الشهيد الصدر اشدَّ الطعون إنْ لم يكن البعض منهم شاركَ في قتله بشكل مباشر او غير مباشر.
الإجابة الرابعة:انَّ اغلب مقلدي السيد الشهيد الصدر بقيَ على تقليد السيد الشهيد الصدر حسب فتوى السيد الحائري وتحديداً المسألتين (22 و25 من رسالته الفتاوى المنتخبة الجزء الأول)، والتي نَصَّت كلتاهما - أي المسألتين - على جواز البقاء على تقليد الميت اذا كان أعلماً من المجتهد الحي، وبما انَّ السيد الشهيد الصدر اعلم من الحائري وبشهادته الخطية والشفوية – السيد الشهيد - فانَّ مسالة البقاء على تقليده محسومة ولا نقاش فيها من هذه الناحية بالنسبة لمن قلد الشهيد الصدر في حياته.
وفيما يخصّ المُستَحَدث من المسائل فانَّ السيد مقتدى الصدر في اغلب الأسئلة الموجّهة له والمنشورة في الموقع الالكتروني للهيئة الإعلامية أشارَ وبشكل واضح إلى الرجوع إلى الحاكم الشرعي الجامع للشرائط دون التنويه إلى شخص ما لترك حرية الاختيار للمكلف نفسه في الرجوع إلى من يعتقد انه يُبرئ ذمته أمام الله جلَّ وعلا.
وهنا قد يقول قائل انَّ السيد مقتدى الصدر يتحرك كل هذه الفترة من دون الرجوع إلى مرجع خصوصاً بعد سحب الوكالة منه، إضافة إلى قوله بجواز تقليد السيد الشهيد الصدر ابتداء.
أما فيما يخص الإشكال الأول من تحرك السيد مقتدى الصدر من دون الرجوع إلى مرجعية معينة فبالإمكان ان يُجاب عليه بجوابين لا واحد:
الجواب الأول:انَّ السيد مقتدى الصدر حاله حال أي مكلف كان يقلد السيد الشهيد الصدر وبقي على تقليده بالإجازة المعروفة من الحائري في جواز البقاء على تقليد الميت الأعلم لذا فان عمله سيكون مباحاً ومبرئاً للذمة، هذا من ناحية المسائل الشرعية أي الفتوى.
الجواب الثاني:من ناحية التحرك في المجتمع والتصدي له، فانَّ الجميع يدرك انَّ السيد مقتدى الصدر دائماً ما كان يُردد ويقول اننا ننطلق في كل تصرفاتنا وأفعالنا في الشارع من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهذا معلوم لكل من سمعَ خطبه ولقاءاته وبياناته، ولأنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يحتاج إلى إذن مرجع او ولي فقيه فعليه تكون تصرفاته ونصائحه مشروعة ومقبولة اذا انطلقت من هذا الباب – الأمر والنهي – ولا احسب انَّ السيد مقتدى الصدر ينطلق من غير هذا الباب او انه غافل عن مشروعيته، يذكر السيد الشهيد الصدر في كتابه منهج الصالحين الجزء الثاني المسألة (882) ما يلي بخصوص هذا الموضوع، (لا يختص وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بصنف من الناس دون صنف.بل يجب عند اجتماع الشرائط المذكورة – الشرائط خمسة تجدها في المسائل 878 و879 و880 من نفس الكتاب – على العلماء وغيرهم وعلى العدول والفساق وعلى السلطان والرعية وعلى الأغنياء والفقراء إلى غير ذلك كما لا يختص المأمورون بالمعروف والمنهيون عن المنكر بصنف من الناس أيضاً.بل يسري هذا الوجوب على كل مكلف آمراً كان او مأموراً،مع اجتماع الشرائط.) والشروط الخمسة التي ذكرها الولي الصدر في المسائل المُشار لها ليس فيها ما يشترط اخذ الإذن في الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر فمن شاء فليراجعها ويتأكد – منهج الصالحين الجزء الثاني -.
اما السيد الحائري فانه يقول في إجابته على سؤال موجّه إليه من قبل احد الإخوة في خصوص هذا الموضوع – الأمر والنهي - وهل ان المتصدي له يحتاج إلى إذن من الفقيه – المسالة 479 الفتاوى المنتخبة الجزء الأول- يقول سماحته: (انَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما لم يصلا إلى مستوى القتال او المضاربة ليسا بحاجة إلى إذن الفقيه).
ومن إجابة الحائري هنا نقع في إشكال شرعي لربط السيد الحائري موضوع القتال بأخذ إذن الولي، إلا انَّ هذا الإشكال يمكن رده بأكثر من رد واحد
الرد الأول:انَّ موضوع القتال الذي خاضه الصدريون تحت قيادة السيد مقتدى الصدر كان جهاداً دفاعياً ضد الكفار المعتدين والمستعمرين للبلاد الإسلامية وهذا ما لا يحتاج إلى إذن الفقيه، يقول الولي الطاهر في كتابه فقه الأخلاق في باب الجهاد (انَّ المهم في كتاب الجهاد هو أنْ يكون الطرف الآخر شرّاً وباطلاً حقيقة، أي من وجهة النظر الدينية والإلهية، ومن هنا يمكن تعريفه بأنه محاولة دفع الشرّ الصعب بصعوبة) ويقول قدس الله روحه الطاهرة في نفس الموضوع وفي نفس الكتاب (يُعتَبَر الفرد مجاهداً وإنْ فشل. كما لم يؤخذ في الشر المدفوع او المكروه نوع معين من الشر ومن هنا أمكن تقسيمه إلى أقسام عديدة يعتبر السعي لدفعها بأي أنواعها جهاداً مطلوباً في الشريعة والعُرف:
أولاً:الكفار لأجل إدخالهم في الإسلام او تحت سيطرة الإسلام.
ثانياً:الكفار لأجل دفع شرّهم عند الهجوم على المجتمع المسلم والخوف على بيضة الإسلام كما يعبرون).
وما يهمّنا هنا في نقضنا للإشكال الخاص بالقتال هو ما ذكره السيد الشهيد الصدر في ثانياً في وجوب جهاد الكفار الذين يهجمون على المجتمع المسلم فضلاً عن إمكانية احتلالهم لبلاد الإسلام، فإنْ كان صدّ هجوم الكفار واجب شرعاً وعُرفاً فلعمري ما هو الحكم المفروض على المسلمين عند احتلال بلادهم؟؟!!.
ويقول قدس الله روحه الطاهرة في باب الجهاد في كتابه ما وراء الفقه الجزء الثاني (يختص الجهاد الحق ما عدا الدفاع الاضطراري، بأنْ يكون بأمر الإمام المفترض الطاعة).
وما دامَ القتال الذي يخوضه الصدريون دفاعياً فلا حاجة لأخذ إذن الفقيه كما وضح ذلك المقدس الصدر في كتبه المشار لها، فيكون النقاش في هذا الصدد مفروغ الذمة منه وبالدليل الشرعي القاطع الذي ذكره الأعلم، ومع ذلك سأحاول في الحلقة اللاحقة إنْ بقيت الحياة أنْ أتعمق في نقاش هذه الفقرة لأهميتها.
اما فيما يخص قول السيد مقتدى الصدر بجواز تقليد السيد الشهيد الصدر ابتداءً، فانه استند حسب علمي في كلامه ذلك إلى قواعد فقهية ثابتة انفرد بها الشيخ الفياض والسيد البغدادي وكذلك فانَّ السيد الحائري والى وقت ليس ببعيد كان يرى جواز تقليد الأعلم الميت ابتداءً، وهو ما بينه ووضحه في تعليقته على الفتاوى الواضحة للسيد الشهيد محمد باقر الصدر - الطبعة الرابعة الصفحة 115 - يقول الحائري:
(ليست الحياة بعنوانها شرطاً ولكن الأعلمية التي هي مُرجّحَة ترجيحاً لزومياً في التقليد).
علماً انَّ السيد الحائري عَدلَ مؤخراً في فتواه تلك وأصبحَ يرى ما يراه أستاذه الشهيد الصدر الأول في انَّ الحياة شرطاً لزومياً في تقليد الأعلم.
ولو تنزلنا عن كل ما قلناه فانَّ قاعدة الناسخ والمنسوخ تُبرِّر ما قيل، إذ انَّ البيانات الأخيرة للسيد مقتدى الصدر والمنشورة في موقع الهيئة الإعلامية تشير إلى عدم جواز تقليد الميت ابتداءً حسب راي السيد الشهيد الصدر وهذا كاف في رد الإشكال بسبب نسخ الاستفتاء اللاحق الاستفتاء الذي سبقه، وقد يكون من المُرجَّح انَّ السيد مقتدى الصدر قد استندَ في جوابه الأول بجواز تقليد الميت ابتداء إلى فتوى الحائري التي ذكرناها وهو الآن قد تراجع عنها بعد أنْ تراجع الحائري منها، وأظنه نهج سبيل الاحتياط في ذلك كون الحائري اعلم من الفياض والبغدادي.
وقد يفهم البعض ممن يقرأ هذه الكلمات انَّ كاتبها يريد أنْ يوضح أمراً مفاده اننا لسنا بحاجة إلى مرجع وعلينا أنْ نبقى على تقليد السيد الشهيد الصدر ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونقاتل ونكتفي بذلك لأنَّ ما ذكرته من أشياء تكفي في حصول براءة الذمة.
نعم قد يتبين من كلامي انني أريد ذلك ولكن الواقع انَّ من يريد ذلك فهو يريد أنْ يُخالف شريعة سيد المرسلين، فكلنا يعلم انَّ عمل العامي بلا تقليد باطل، أيضاً لا يمكن للمكلف البقاء على تقليد الميت ردحاً من الزمن لأنَّ الحياة في تغير وتتجه نحو الأصعب والاشمل، إلا انني في الوقت نفسه أقول اننا والى هذه اللحظة لم يحصل لدينا الاطمئنان لمرجعية معينة، ولا يفهم من كلامي الاطمئنان العاطفي او النفسي بل ما اعنيه الاطمئنان القلبي المُرجَّح فقهياً، فمن خلال البحث والتشخيص والتمحيص لم نجد إلى الآن شخصاً توفرت فيه شروط المرجعية التي أشار لها الولي الطاهر محمد الصدر في خطبة الجمعة السابعة والعشرين إذ يقول:(المرجع الجديد – لو صح التعبير- وإنْ لم يكن مُتـفقاً مع السيد محمد الصدر بكل التفاصيل إلا انَّ المهم فيه هو الاتجاه نحو العدالة الاجتماعية وإنصاف الناس من نفسه كما قيل في الحكمة قُل الحق ولو على نفسك وإدراك المصالح العامة فإنْ وجدتموه شخصاً من هذا القبيل فتمسكوا به وإلا فدعوه إلى غيره، فانَّ الأنانية في المرجعية هي العنصر الغالب مع الأسف جيلاً بعد جيل وهذا هو المُضرّ حقيقة في الحوزة خاصة وفي المجتمع عامة فاتّبعوا شخصاً من المجتهدين ليس له مثل هذا الطبع بل له اتجاه التضحية في سبيل الآخرين وبذل النفس والنفيس في سبيل دينه ومذهبه).
وهنا قد يقول قائل مادام المرجع الذي تتوفر فيه كل هذه الصفات الطيبة التي ذكرها المقدس الصدر غير موجودة فلا يعني ذلك انَّ شخصاً آخر غير السيد مقتدى الصدر لا يمكنه قيادة التيار الصدري وهنا أقول:
أولاً:لو عملَ أي واحد منا استقراءً للشارع الصدري سيتبين له بكل وضوح مدى تمسك الناس والتفافهم حول قيادة السيد مقتدى الصدر، إذ لا يمكنك إيجاد أي شخص يمكن أنْ تُـقنِع به الناس كبديل عن السيد مقتدى الصدر او بعبارة أخرى خيمة تلمّ بها شمل هذا الجمع المليوني الكبير.
ثانياً:انَّ هذه القيادة ليست مفروضة على الناس وإنما هي باختيارهم والدليل على ذلك انَّ الكثير خرج عن طاعة هذه القيادة ولم يجبرهم احد على الرجوع إليها.
ثالثاً:أثبتت التجارب اليومية انَّ الأفراد الذين خرجوا عن طاعة السيد مقتدى الصدر لم يستطيعوا أنْ يجمعوا حولهم إلا أنفاراً معدودة جداً بحدود فخذ العشيرة على العكس من أنصار وأتباع السيد مقتدى الصدر الذين يزدادون يوماً بعد يوم.
رابعاً:انَّ المجتمع الصدري لا أظنه يجتمع يوماً ما على شخص آخر غير السيد مقتدى الصدر، مهما كان ذلك الفرد مُهمّاً وذات شأنية ومحسوبية والدليل على ذلك انَّ البعض ممن كان ينظر لهم الناس على انهم كسلمان وأبي ذر نفرهم الشارع على الإطلاق فورَ سماعهم لخبر ترك هؤلاء الناس للسيد مقتدى الصدر.
وللكلام بقية.......والحمد لله رب العالمين وصلاته على محمد واله الطاهرين.
جليل النوري
يوم الجمعة الموافق للخامس عشر من محرم الحرام للعام 1431
( الحلقة الأولى )
جليل النوري
بسمه تعالى
قد يقول البعض انَّ التطرّق إلى هذا الموضوع جاء متأخراً من قبل كاتب هذه الكلمات نوعاً ما وهذا الكلام صحيح إلى حدٍ ما، ولكن قد تكون الغاية من ذلك مجهولة لدى السائل مما جعله يقول ما قاله وهو معذور لتجاهله السبب وعند ذكر السبب يبطل العجب كما يعبرون، وهنا أود أنْ أشير إلى الغاية والامتناع عن الكتابة، فإحداها مُعلنة والأخرى مخفية فأما المعلنة منها فهي انَّ كاتب هذه الكلمات أراد في وقت ما أنْ يتصدّى بشكل واضح ومعلن وصريح إعلامياً ومن خلال المقالات المتوالية لدكتاتورية الحكومة والعمل على فضح زيفها وظلمها الذي مارسته بحق الأبرياء من أتباع الحوزة الناطقة المجاهدة وبالخصوص مُقلّدي الولي الطاهر محمد الصدر، ولكون الكلمات في اغلبها كانت قاسية ومزعجة لأركان السلطة والمتزلفين لهم لم أشأ أنْ أقحم السيد مقتدى الصدر (اعزه الله) في هذه المعركة الكلامية الإعلامية لأجنّبه الانتقاد والكلام الغير جيد الذي من المحتمل أنْ يُطلقه أتباع الحكومة ضده لو علموا وأدركوا توجهي بشكل واضح له، اما الشيء المخفي فاحتفظ به بيني وبين ربي ولا داع لذكره.
هذا بخصوص السبب في الكتابة المتأخرة فيما يخصّ الدفاع عن السيد مقتدى الصدر، اما موضوع ما أثير عليه من شبهات وإشكالات صدرت سواء من قبل بعض المحسوبين والمقربين للسيد مقتدى الصدر وللأسف الشديد او من قبل الأعداء فهي كانت في الوقت الضائع – أي الإشكالات - ولا اعتقد انَّ لها قيمة تُذكر او أهمية بالغة في نفوس الصدريين، بل على العكس فانَّ ما يُثار من شبهات وأقاويل زاد من تمسك الصدريين بقائدهم وشحنت في الوقت نفسه من كراهيتهم وغضبهم وحقدهم ضد كل من تصدّى للسيد مقتدى الصدر بالكلام السلبي سواء كان ذلك الكلام قليلاً أم كثيراً من العدو او الصديق.
وهنا بودي أنْ اطرح البعض من تلك الإشكالات التي أثيرت ضد سماحة السيد مقتدى الصدر (نصره الله) وأحاول قدر المستطاع أنْ أجيب على البعض منها واثبت بطلانها او أحاول وضع المُعرقِلات أمامها لتقف عند حدودها ومن ثم تضمحل ووفق المنطق الأصولي القائل (إذا وَرَدَ الاحتمال بطلَ الاستدلال) وهو أسلوب كثير ما يستخدمه الولي الطاهر في كتاباته وردّه للشبهات، ولكثرة الإشكالات وتنوع الإجابات المناقضة لها والداحضة لحجيتها يستلزم منا الكلام في أكثر من حلقة واحدة وضمن سلسلة حلقات وكلها ستكون تحت نفس العنوان، وسأفرد لكل موضوع حلقة مستقلة في ذاتها إنْ بقيت الحياة بإذنه تعالى.
ولكي أكون أكثر وضوحاً وصراحة فانَّ الهدف من الكتابة هو إثبات موقف بعيد عن الغموض أمام الله ورسوله وأهل بيته، وكذلك أمام أهلي وإخوتي من أبناء هذا الخط المبارك وليس لي من وراء هذا الكلام أي غاية او مصلحة والله على ذلك من الشاهدين، كذلك هي ليست تخوفاً من احد على الإطلاق فنحن أبناء ذلك الطاهر الذي لا يخاف إلا الله ولا تأخذه فيه لومة لائم وكذلك لا أرجو مِمَّن كُتِبَتْ لأجله هذه الكلمات جزاءً ولا شكوراً وعلى الله التوكل أولاً وآخراً.
وهنا سأبدأ من الموضوع الأهم في النقاش وهو المرجعية، فالإخوة المستشكلون يطالبون سماحة السيد مقتدى الصدر بالرجوع إلى مرجع، او بعبارة أكثر دقة إرجاع التيار الصدري إلى مرجعية محددة لأنَّ العمل من دون الرجوع لمرجعية ما فيه إشكال شرعي. وهنا يمكن أنْ يُجاب على هذا الإشكال بأكثر من إجابة وسأبدؤها بالتسلسل:
الإجابة الأولى:انَّ موضوع إرجاع المكلّفين إلى المرجعية ليس من صلاحيات او خصوصيات السيد مقتدى الصدر بل هي من واجبات المُكلّف نفسه، فليس من حق السيد مقتدى الصدر على الإطلاق أنْ يُرشد الناس او يشير لهم إلى مرجعية معينة بذاتها وعينها، والدليل على ذلك انَّ مُقلدي السيد الشهيد الصدر اليوم مُنقسمون بالرجوع في مُستحدثاتهم، فالبعض منهم يرجع في مستحدثاته إلى الفياض والآخر إلى الحائري وقسم يرجع لفضل الله وآخرين يرجعون إلى الخامنئي وصنف إلى الهاشمي الشاهرودي وهكذا بالنسبة لبقية الآخرين، لذا فمن غير المنطقي أنْ يقول السيد مقتدى الصدر لجميع هؤلاء انَّ تقليدكم باطل وعليكم تركه لأنَّ رجوعكم في مستحدثاتكم إلى هؤلاء فيه إشكال شرعي ويجب التوجه إلى مرجعية نحن نجتمع عليها ونرتضيها ونطالب الجميع بالرجوع إليها وهذا الكلام لا أظنه يرضاه عاقل.
الإجابة الثانية:انَّ اغلب الإخوة المُستشكلين كانوا يوماً ما بجوار السيد مقتدى الصدر بوجود وكالة السيد الحائري للسيد مقتدى الصدر وبعد سحبها منه، وهم قد قادوا التيار الصدري في معركتين قاسيتين ضد الاحتلال يشكرون على موقفهم ذلك، علماً ان هذه المعارك قد سقط فيها المئات من الشهداء والأسرى والجرحى مع رفض الحائري للقتال وامتناعه لتسمية من سقطوا في هذه المعارك الشريفة بالشهداء، ومع كل ذلك كنا نشاهدهم يصلّون على جثث الضحايا ويدفنونهم بعنوان الشهداء ويشدون من عزم المجاهدين، بل أعطوا أوامراً اكبر من تلك التي أَشَرتُ لها بغياب المرجعية، لذا فانَّ إشكالهم هذا جاء مُتأخراً لأنهم إنْ أشكلوا اليوم فهم قد وقعوا في ذات الإشكال بالأمس.
وهنا قد يقول قائل انَّ الإخوة التفتوا لِخطأهم ويريدون إصلاح ذلك من خلال الرجوع لمرجع، وهنا يمكن أنْ نرجع كلانا في النقاش إلى ما ذكرناه في الإجابة الأولى كدليل على بطلان حجيتهم.
الإجابة الثالثة:ما أشار له ولي أمر المسلمين السيد الشهيد الصدر في حواره الكلامي السمعي الرابع مع جناب الشيخ عبد الستار البهادلي – طبعت هذه الحوارات على شكل كتاب اسمه منهج الصدر - حينما سأله جناب الشيخ عن موضوع التقليد أجاب روحي لتراب نعله الفداء قائلاً:
(يحتاج الشعب العراقي لو صح التعبير إلى قيادة لا تُمثِّـل التقليد، يُقلدون شخصاً ويأتمرون بأمر شخص آخر بعنوان الوكالة او بأي عنوان آخر لكي يُرتّبهم، الشيعة والحوزة لا تكون بدون ترتيب وإذا لم تُرَتَّب تقع بأيدي ناس ليسوا لهم أكفاء ماكرين وطُلاب دنيا بشكل من الأشكال، على أية حال فتوخياً لدفع أمثال هذه النتائج المؤسفة والمزعجة ينبغي إيجاد قيادة في داخل الحوزة لأجل التـفاف الناس حولها واستـفادة الناس منها) – راجع كتاب منهج الصدر الحوار الرابع -.
كذلك أوردَ سماحة الولي الطاهر في نفس الكتاب – منهج الصدر - خلال لقائه المطول مع أئمة الجمعة إذ يقول قدس الله روحه الطاهرة في نهاية اللقاء (كما تستـفيد من السيد محمد الصدر وتستـفيد من الشيخ وتستـفيد من السيد استـفد من أي ناطق حتى لو كان نملة، لا بأس بذلك سواء كان مجتهداً او غير مجتهد او من العوام او من داخل العراق او خارج العراق او على أي مستوى مُعاصر او تاريخي قديم، ولماذا لا؟ كله يصير، فمن هذه الناحية ينبغي أنْ تأخذوا هذا الشيء بنظر الاعتبار).
ومن خلال هذين المقطعين المباركين للمُبارك عليه يمكن التحدث وباختصار كما يلي:
أولاً:انَّ سماحة الولي الطاهر قد صَنَّفَ المرجعية الدينية إلى صنفين، الأولى مرجعية قيادية والأخرى غير قيادية وحدد الأسباب التي منعت وصف مرجعية السيد الحائري -الذي يراه السيد الشهيد الصدر على انه الأعلم من بعده- بعدم القيادية وأول تلك الأسباب هو عدم تيسّر الحائري للنظر في أمور الشعب العراقي لأنه كما يقول السيد الصدر غير موجود في العراق، وثانيهما هو عدم اعتقاده بتوفر العوامل التي تيسّر له الرجوع إلى العراق – الحوار الرابع في نفس الكتاب-، واعتقد انَّ السيد الشهيد الصدر تجنب ذكر السبب الثالث في عدم قدرة الحائري على قيادة الساحة العراقية وهو حسب علمي – السبب - تلك القيود التي فُرِضَت عليه من قبل الدولة المُـقيم فيها والتي لا حاجة لنا إلى التفصيل في تلك القيود حالياً.
وعلى هذا الأساس فانَّ السيد الشهيد الصدر طالبَ بوجود قيادة من داخل الحوزة تتصدى لقيادة الساحة العراقية ومن وجهة نظره لا تُمثل التقليد كما أشار سلفاً في حديثه قدس الله روحه الطاهرة، وذلك لعلمه الظاهري ووعيه المنقطع النظير الذي مَكَّنَه من رؤية الساحة العراقية عن قرب وبشكل جداً واضح لا غبار عليه وما سيحصل بها في حال غيابه عن الساحة من جهة ولإدراكه الغيبي من جهة أخرى والذي لا يُناقش عليه اثنان ممن يحسنون الظنَّ بالولي الطاهر.
وخير دليل على كلام الولي الطاهر – ظاهره وباطنه - هو عدم رجوع الحائري إلى العراق لهذه اللحظة، مضافاً إلى غياب رؤيته الدقيقة لِما يجري من أحداث في العراق وانحسار الاعتماد في كل قراراته وآرائه وتشخيصه على ممثله في العراق الشيخ قاسم الاسدي (أبو هاجر)، والذي يدرك الجميع مواقفه العدائية للتيار الصدري وقادته وما أفرزته تلك المواقف السلبية والنقل الخاطئ والتشويه للحقائق الذي يصل للسيد الحائري عن طريقه والذي كان بدوره يُرتب أثراً عليها – أي الحائري - مما أدى بالنتيجة إلى الضرر بالمصلحة العامة من جانب وبالصدريين من جانب آخر، وما موضوع القائمة الانتخابية التي شكلها الاسدي والتي دعمها الحائري في الانتخابات الماضية من البرلمان والتي منيت بفشل ساحق إلا خير شاهد ودليل على الرؤية القاصرة للساحة العراقية.
ثانياً:لو التفتنا إلى ما أورده الولي الطاهر في كلماته لائمة الجمعة وخصوصاً مقطع (استـفد من أي ناطق حتى لو كان نملة لا بأس بذلك سواء كان مجتهداً او غير مجتهد)، وجمعنا بين تأكيده على القيادة وفصلها وعزلها عن المرجعية في الظروف الراهنة، وبين رغبته بوجود ناطق حتى لو كان غير مجتهد، سنصل كلانا المُستَشكِل والراد على الإشكال إلى حقيقة مهمة وهي ضرورة إيجاد الشخص الناطق الذي يحفظ تراث الولي الطاهر من السرقة والتلاعب وهذا لا يمكن إيجاده اليوم في خارج دائرة الصدريين على الإطلاق مهما كان الشخص عظيماً او مُهماً، لأنَّ الجميع ومن دون استثناء خدشَ يوماً ما وطعن بالسيد الشهيد الصدر اشدَّ الطعون إنْ لم يكن البعض منهم شاركَ في قتله بشكل مباشر او غير مباشر.
الإجابة الرابعة:انَّ اغلب مقلدي السيد الشهيد الصدر بقيَ على تقليد السيد الشهيد الصدر حسب فتوى السيد الحائري وتحديداً المسألتين (22 و25 من رسالته الفتاوى المنتخبة الجزء الأول)، والتي نَصَّت كلتاهما - أي المسألتين - على جواز البقاء على تقليد الميت اذا كان أعلماً من المجتهد الحي، وبما انَّ السيد الشهيد الصدر اعلم من الحائري وبشهادته الخطية والشفوية – السيد الشهيد - فانَّ مسالة البقاء على تقليده محسومة ولا نقاش فيها من هذه الناحية بالنسبة لمن قلد الشهيد الصدر في حياته.
وفيما يخصّ المُستَحَدث من المسائل فانَّ السيد مقتدى الصدر في اغلب الأسئلة الموجّهة له والمنشورة في الموقع الالكتروني للهيئة الإعلامية أشارَ وبشكل واضح إلى الرجوع إلى الحاكم الشرعي الجامع للشرائط دون التنويه إلى شخص ما لترك حرية الاختيار للمكلف نفسه في الرجوع إلى من يعتقد انه يُبرئ ذمته أمام الله جلَّ وعلا.
وهنا قد يقول قائل انَّ السيد مقتدى الصدر يتحرك كل هذه الفترة من دون الرجوع إلى مرجع خصوصاً بعد سحب الوكالة منه، إضافة إلى قوله بجواز تقليد السيد الشهيد الصدر ابتداء.
أما فيما يخص الإشكال الأول من تحرك السيد مقتدى الصدر من دون الرجوع إلى مرجعية معينة فبالإمكان ان يُجاب عليه بجوابين لا واحد:
الجواب الأول:انَّ السيد مقتدى الصدر حاله حال أي مكلف كان يقلد السيد الشهيد الصدر وبقي على تقليده بالإجازة المعروفة من الحائري في جواز البقاء على تقليد الميت الأعلم لذا فان عمله سيكون مباحاً ومبرئاً للذمة، هذا من ناحية المسائل الشرعية أي الفتوى.
الجواب الثاني:من ناحية التحرك في المجتمع والتصدي له، فانَّ الجميع يدرك انَّ السيد مقتدى الصدر دائماً ما كان يُردد ويقول اننا ننطلق في كل تصرفاتنا وأفعالنا في الشارع من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهذا معلوم لكل من سمعَ خطبه ولقاءاته وبياناته، ولأنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يحتاج إلى إذن مرجع او ولي فقيه فعليه تكون تصرفاته ونصائحه مشروعة ومقبولة اذا انطلقت من هذا الباب – الأمر والنهي – ولا احسب انَّ السيد مقتدى الصدر ينطلق من غير هذا الباب او انه غافل عن مشروعيته، يذكر السيد الشهيد الصدر في كتابه منهج الصالحين الجزء الثاني المسألة (882) ما يلي بخصوص هذا الموضوع، (لا يختص وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بصنف من الناس دون صنف.بل يجب عند اجتماع الشرائط المذكورة – الشرائط خمسة تجدها في المسائل 878 و879 و880 من نفس الكتاب – على العلماء وغيرهم وعلى العدول والفساق وعلى السلطان والرعية وعلى الأغنياء والفقراء إلى غير ذلك كما لا يختص المأمورون بالمعروف والمنهيون عن المنكر بصنف من الناس أيضاً.بل يسري هذا الوجوب على كل مكلف آمراً كان او مأموراً،مع اجتماع الشرائط.) والشروط الخمسة التي ذكرها الولي الصدر في المسائل المُشار لها ليس فيها ما يشترط اخذ الإذن في الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر فمن شاء فليراجعها ويتأكد – منهج الصالحين الجزء الثاني -.
اما السيد الحائري فانه يقول في إجابته على سؤال موجّه إليه من قبل احد الإخوة في خصوص هذا الموضوع – الأمر والنهي - وهل ان المتصدي له يحتاج إلى إذن من الفقيه – المسالة 479 الفتاوى المنتخبة الجزء الأول- يقول سماحته: (انَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما لم يصلا إلى مستوى القتال او المضاربة ليسا بحاجة إلى إذن الفقيه).
ومن إجابة الحائري هنا نقع في إشكال شرعي لربط السيد الحائري موضوع القتال بأخذ إذن الولي، إلا انَّ هذا الإشكال يمكن رده بأكثر من رد واحد
الرد الأول:انَّ موضوع القتال الذي خاضه الصدريون تحت قيادة السيد مقتدى الصدر كان جهاداً دفاعياً ضد الكفار المعتدين والمستعمرين للبلاد الإسلامية وهذا ما لا يحتاج إلى إذن الفقيه، يقول الولي الطاهر في كتابه فقه الأخلاق في باب الجهاد (انَّ المهم في كتاب الجهاد هو أنْ يكون الطرف الآخر شرّاً وباطلاً حقيقة، أي من وجهة النظر الدينية والإلهية، ومن هنا يمكن تعريفه بأنه محاولة دفع الشرّ الصعب بصعوبة) ويقول قدس الله روحه الطاهرة في نفس الموضوع وفي نفس الكتاب (يُعتَبَر الفرد مجاهداً وإنْ فشل. كما لم يؤخذ في الشر المدفوع او المكروه نوع معين من الشر ومن هنا أمكن تقسيمه إلى أقسام عديدة يعتبر السعي لدفعها بأي أنواعها جهاداً مطلوباً في الشريعة والعُرف:
أولاً:الكفار لأجل إدخالهم في الإسلام او تحت سيطرة الإسلام.
ثانياً:الكفار لأجل دفع شرّهم عند الهجوم على المجتمع المسلم والخوف على بيضة الإسلام كما يعبرون).
وما يهمّنا هنا في نقضنا للإشكال الخاص بالقتال هو ما ذكره السيد الشهيد الصدر في ثانياً في وجوب جهاد الكفار الذين يهجمون على المجتمع المسلم فضلاً عن إمكانية احتلالهم لبلاد الإسلام، فإنْ كان صدّ هجوم الكفار واجب شرعاً وعُرفاً فلعمري ما هو الحكم المفروض على المسلمين عند احتلال بلادهم؟؟!!.
ويقول قدس الله روحه الطاهرة في باب الجهاد في كتابه ما وراء الفقه الجزء الثاني (يختص الجهاد الحق ما عدا الدفاع الاضطراري، بأنْ يكون بأمر الإمام المفترض الطاعة).
وما دامَ القتال الذي يخوضه الصدريون دفاعياً فلا حاجة لأخذ إذن الفقيه كما وضح ذلك المقدس الصدر في كتبه المشار لها، فيكون النقاش في هذا الصدد مفروغ الذمة منه وبالدليل الشرعي القاطع الذي ذكره الأعلم، ومع ذلك سأحاول في الحلقة اللاحقة إنْ بقيت الحياة أنْ أتعمق في نقاش هذه الفقرة لأهميتها.
اما فيما يخص قول السيد مقتدى الصدر بجواز تقليد السيد الشهيد الصدر ابتداءً، فانه استند حسب علمي في كلامه ذلك إلى قواعد فقهية ثابتة انفرد بها الشيخ الفياض والسيد البغدادي وكذلك فانَّ السيد الحائري والى وقت ليس ببعيد كان يرى جواز تقليد الأعلم الميت ابتداءً، وهو ما بينه ووضحه في تعليقته على الفتاوى الواضحة للسيد الشهيد محمد باقر الصدر - الطبعة الرابعة الصفحة 115 - يقول الحائري:
(ليست الحياة بعنوانها شرطاً ولكن الأعلمية التي هي مُرجّحَة ترجيحاً لزومياً في التقليد).
علماً انَّ السيد الحائري عَدلَ مؤخراً في فتواه تلك وأصبحَ يرى ما يراه أستاذه الشهيد الصدر الأول في انَّ الحياة شرطاً لزومياً في تقليد الأعلم.
ولو تنزلنا عن كل ما قلناه فانَّ قاعدة الناسخ والمنسوخ تُبرِّر ما قيل، إذ انَّ البيانات الأخيرة للسيد مقتدى الصدر والمنشورة في موقع الهيئة الإعلامية تشير إلى عدم جواز تقليد الميت ابتداءً حسب راي السيد الشهيد الصدر وهذا كاف في رد الإشكال بسبب نسخ الاستفتاء اللاحق الاستفتاء الذي سبقه، وقد يكون من المُرجَّح انَّ السيد مقتدى الصدر قد استندَ في جوابه الأول بجواز تقليد الميت ابتداء إلى فتوى الحائري التي ذكرناها وهو الآن قد تراجع عنها بعد أنْ تراجع الحائري منها، وأظنه نهج سبيل الاحتياط في ذلك كون الحائري اعلم من الفياض والبغدادي.
وقد يفهم البعض ممن يقرأ هذه الكلمات انَّ كاتبها يريد أنْ يوضح أمراً مفاده اننا لسنا بحاجة إلى مرجع وعلينا أنْ نبقى على تقليد السيد الشهيد الصدر ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونقاتل ونكتفي بذلك لأنَّ ما ذكرته من أشياء تكفي في حصول براءة الذمة.
نعم قد يتبين من كلامي انني أريد ذلك ولكن الواقع انَّ من يريد ذلك فهو يريد أنْ يُخالف شريعة سيد المرسلين، فكلنا يعلم انَّ عمل العامي بلا تقليد باطل، أيضاً لا يمكن للمكلف البقاء على تقليد الميت ردحاً من الزمن لأنَّ الحياة في تغير وتتجه نحو الأصعب والاشمل، إلا انني في الوقت نفسه أقول اننا والى هذه اللحظة لم يحصل لدينا الاطمئنان لمرجعية معينة، ولا يفهم من كلامي الاطمئنان العاطفي او النفسي بل ما اعنيه الاطمئنان القلبي المُرجَّح فقهياً، فمن خلال البحث والتشخيص والتمحيص لم نجد إلى الآن شخصاً توفرت فيه شروط المرجعية التي أشار لها الولي الطاهر محمد الصدر في خطبة الجمعة السابعة والعشرين إذ يقول:(المرجع الجديد – لو صح التعبير- وإنْ لم يكن مُتـفقاً مع السيد محمد الصدر بكل التفاصيل إلا انَّ المهم فيه هو الاتجاه نحو العدالة الاجتماعية وإنصاف الناس من نفسه كما قيل في الحكمة قُل الحق ولو على نفسك وإدراك المصالح العامة فإنْ وجدتموه شخصاً من هذا القبيل فتمسكوا به وإلا فدعوه إلى غيره، فانَّ الأنانية في المرجعية هي العنصر الغالب مع الأسف جيلاً بعد جيل وهذا هو المُضرّ حقيقة في الحوزة خاصة وفي المجتمع عامة فاتّبعوا شخصاً من المجتهدين ليس له مثل هذا الطبع بل له اتجاه التضحية في سبيل الآخرين وبذل النفس والنفيس في سبيل دينه ومذهبه).
وهنا قد يقول قائل مادام المرجع الذي تتوفر فيه كل هذه الصفات الطيبة التي ذكرها المقدس الصدر غير موجودة فلا يعني ذلك انَّ شخصاً آخر غير السيد مقتدى الصدر لا يمكنه قيادة التيار الصدري وهنا أقول:
أولاً:لو عملَ أي واحد منا استقراءً للشارع الصدري سيتبين له بكل وضوح مدى تمسك الناس والتفافهم حول قيادة السيد مقتدى الصدر، إذ لا يمكنك إيجاد أي شخص يمكن أنْ تُـقنِع به الناس كبديل عن السيد مقتدى الصدر او بعبارة أخرى خيمة تلمّ بها شمل هذا الجمع المليوني الكبير.
ثانياً:انَّ هذه القيادة ليست مفروضة على الناس وإنما هي باختيارهم والدليل على ذلك انَّ الكثير خرج عن طاعة هذه القيادة ولم يجبرهم احد على الرجوع إليها.
ثالثاً:أثبتت التجارب اليومية انَّ الأفراد الذين خرجوا عن طاعة السيد مقتدى الصدر لم يستطيعوا أنْ يجمعوا حولهم إلا أنفاراً معدودة جداً بحدود فخذ العشيرة على العكس من أنصار وأتباع السيد مقتدى الصدر الذين يزدادون يوماً بعد يوم.
رابعاً:انَّ المجتمع الصدري لا أظنه يجتمع يوماً ما على شخص آخر غير السيد مقتدى الصدر، مهما كان ذلك الفرد مُهمّاً وذات شأنية ومحسوبية والدليل على ذلك انَّ البعض ممن كان ينظر لهم الناس على انهم كسلمان وأبي ذر نفرهم الشارع على الإطلاق فورَ سماعهم لخبر ترك هؤلاء الناس للسيد مقتدى الصدر.
وللكلام بقية.......والحمد لله رب العالمين وصلاته على محمد واله الطاهرين.
جليل النوري
يوم الجمعة الموافق للخامس عشر من محرم الحرام للعام 1431