الناصح لله
20-01-2011, 01:06 AM
النفس الزكية
وهو إنسان قرنت حركته ومقتله بظهور الإمام المهدي (ع)، في أخبار المصادر الخاصة على الأغلب.
وقد سبق في التاريخ السابق. أن بحثنا ذلك وعرضنا الأخبار التي تصرح بأن مقتل النفس الزكية من المحتوم، وغيرها.
ولكننا لم نستطع هناك - بما كان لنا من منهج في الإثبات التاريخي - ان ندفع احتمالاً معيناً، هو أن تكون النفس الزكية هو محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب (ع). وحيث ان مقتله قد حصل في العهد العباسي الأول، فلا ينبغي انتظار حادثة أخرى لمقتل النفس الزكية في مستقبل الدهر.
ولكننا نحاول الآن أن نبحث المطلب بشكل جديد، انطلاقاً من المنهج الذي اتخذناه في هذا التاريخ، وهو التنزل عن التشدد السندي وقبول الخبر الموثوق، وإن لم تقم القرائن على صدقه من الخارج. وهذه هي نقطة الإختلاف بين المنهجين، كما أشرنا في أول الكتاب.
وينبغي أن نتكلم عن [النفس الزكية] ضمن عدة نواحي:
الناحية الأولى: في سرد الأخبار الواردة في هذا الموضوع، غير ما نقلناه في التاريخ السابق، إلا القليل الذي نحتاجه فنكرره.
روينا في التاريخ السابق. عن المفيد في الإرشاد. عن أبي جعفر الباقر (ع) والشيخ في الغيبة. والصدوق في إكمال الدين. عن أبي عبد الله الصادق (ع) بلفظ متقارب - واللفظ للمفيد -: أنه قال: ليس بين قيام القائم (ع) وقتل النفس الزكية، أكثر من خمس عشرة ليلة.
وقال في الإرشاد.: قد جاءت الآثار بذكر علامات لزمان قيام القائم المهدي (ع) ... وعد منها: ذبح رجل هاشمي بين الركن والمقام.
وأخرج في البحار. عن السيد علي بن عبد الحميد بالإسناد إلى أبي بصير عن أبي جعفر (ع)، في حديث طويل، يقول فيه: يقول القائم (ع) لأصحابه: يا قوم, إن أهل مكة لا يريدونني، ولكني مرسل إليهم لأحتج عليهم بما ينبغي لمثلي أن يحتج عليهم.
فيدعو رجلاً من أصحابه، فيقول له: إمض إلى أهل مكة! فقل يا أهل مكة! أنا رسول فلان إليكم، وهو يقول: إنا أهل بيت الرحمة ومعدن الرسالة والخلافة، ونحن ذرية محمد وسلالة النبيين. وإنا قد ظلمنا واضطهدنا وقهرنا وابتز منا حقنا، منذ قبض نبينا إلى يومنا هذا، فنحن نستنصركم فانصرونا.
فإذا تكلم هذا الفتى بهذا الكلام، أتوا إليه فذبحوه بين الركن والمقام، وهو النفس الزكية... الحديث.
وأخرج أيضاً. عن الكافي بسنده عن يعقوب السراج عن أبي عبد الله (ع) في حديث عن المهدي (ع) يقول فيه:
ويستأذن الله في ظهوره: فيطلع على ذلك بعض مواليه. فيأتي الحسني فيخبره الخبر، فيبتدر الحسني إلى الخروج، فيشب عليه أهل مكة، فيقتلونه، ويبعثون برأسه إلى الشام، فيظهر عند ذلك صاحب الأمر... الخبر.
وقال الرواندي في الخرايج والجرايج. وروي أن النفس الزكية هو غلام من آل محمد اسمه محمد بن الحسن يقتل بلا جرم. فإذا قتل فعند ذلك يبعث الله قائم آل محمد.
أقول: وأرسل الصافي في منتخب الأثر. هذا المعنى ارسال المسلمات.
وأخرج الصافي. عن غيبة الشيخ بسنده عن سفيان بن ابراهيم الحريري أنه سمع أباه يقول:
النفس الزكية غلام من آل محمد، اسمه محمد بن الحسن، يقتل بلا جرم ولا ذنب. فإذا قتلوه لم يبق لهم في السماء عاذر ولا في الأرض ناصر. فعند ذلك يبعث الله قائم آل محمد... الحديث.
فهذا هو كل ما وجدناه من الأخبار بهذا الصدد. وسنمحصها بعد إعطاء الفهم المتكامل عنها.
الناحية الثانية: في محاولة فهم هذه الأخبار ككل، على تقدير صحتها وكفايتها للإثبات التاريخي. ويكون فهمنا هذا تتمة - بشكل أو آخر - للفهم العام الذي ذكرناه للسفياني.
إن المهدي (ع) مع خاصة أصحابه حين يهربون من وجه جيش السفياني المبعوث ضدهم. من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة، يصبح من الواجب على أهل مكة نصرته، بحسب تكليفهم في نصرة المؤمنين المظلومين ضد الظالمين ممن كان على شاكلة السفياني.
ولكن لن يكون لأهل مكة استعداد للنصرة، اما لأجل اختلاف مذهبهم عن مذهب المهدي (ع) في الإسلام، وإما لأجل خوفهم من سطوة السفياني وسلطته، وحسبنا أننا سمعنا أن السفياني دخل الحجاز من دون مقاومة عسكرية، لمدى الرهبة والخوف الذي زرعه في النفوس. ومن هنا يحافظ أهل مكة على مصالحهم الخاصة وينكمشون ضد المهدي (ع). أعني: بعنوانه المعلن وإن جهلوا حقيقته.
ويعلم الإمام المهدي (ع) بعدم استعدادهم لنصرته. فيقول لخاصته: يا قوم، إن أهل مكة لا يريدونني. ولكني مرسل إليهم لأحتج عليهم، بما ينبغي لمثلي أن يحتج عليهم.
ويكون هذا الإحتجاج اتماماً للحجة عليهم، ومواجهة صريحة لهم بالموقف حتى لا يبقى منهم غافل أو مماطل.
ومن هنا يفكر المهدي (ع) بأن يرسل شخصاً من قبله إلى أهل مكة ليقوم بهذا الإحتجاج. فيدعو بعض أصحابه، وهو من الهاشميين ومن المخلصين الممحصين، على ما سنعرف الوجه فيه... ويحمله رسالة شفوية معينة، ويأمره بأن يخطب بها في المسجد الحرام بين الركن والمقام وقد سمعنا نص الخطبة في الأخبار.
وينبغي هنا أن نلاحظ أنه حين يقول: أنا رسول فلان إليكم... لا دليل على أنه يورد اسم المهدي (ع) بحقيقته ويعرف المخاطبين أنه هو المهدي الموعود، بل لعله يورد الإسم أو العنوان المعلن اجتماعياً له (ع) في ذلك الحين.
وما أن يسمع أهل مكة هذه الخطبة، حتى يجتمعون عليه ويقتلونه بين الركن والمقام قرب الكعبة المشرفة في بيت الله الحرام. ولعلهم يقطعون رأسه ويرسلونه إلى السفياني، ليكون لهم الزلفى لديه.
هكذا تقول إحدى الروايات السابقة، ولكننا عرفنا أن مركز السفياني يومئذ لن يكون هو الشام بل هو العراق، وإن كان كلا القطرين تحت سيطرته وهذا له عدة توجيهات، أوضحها: احتمال أن يكون السفياني في ذلك الوقت قد ترك مركزه وسافر إلى الشام لإنجاز بعض المصالح المعينة، ريثما يعود مرة أخرى.
وعلى أي حال، فإنهم حين يفعلون ذلك، يكونون قد عصوا العديد من أهم أحكام الإسلام وضروريات الدين. منها: المحافظة على حرمة البيت الحرام الذي اعتبره القرآن الكريم حرماً آمناً. ومنها: قتل النفس المؤمنة بدون جرم وبغير نفس ومنها: رفض نصرة المستنصرين بالحق. فيشتد غضب الله تعالى على أهل الأرض، فيأمر الإمام المهدي (ع) بالظهور لأخذ الحق ودحر الظالمين.
ويكون رسول المهدي (ع) هذا هوالنفس الزكية الموعود قتلها بين الركن والمقام، وسوف لن يكون بين مقتلها وبين الظهور أكثر من خمس عشرة ليلة.
وهذا هو التصور العام الذي تعكسه هذه الأخبار ولتاريخ تلك الفترة. وهو تصور سليم إلى حد كبير. لا يكاد يرد عليه إلا المناقشات القليلة الآتية التي لا تغير من جوهره شيئاً. ومعه لا حاجة إلى الحمل على الرمز، لما قلناه من أنه يتعين ذلك عند قيام الدليل على بطلان المعنى [الصريح].
إلا أن ارتفاع هذا الفهم إلى مستوى الإثبات التاريخي، منوط بصحة تلك الأخبار وصلاحيتها للإثبات، وهذا ما سنبحثه غير بعيد.
الناحية الثالثة: في نقد بعض الإعتراضات التي تورد على هذا الفهم العام:
الإعتراض الأول: أنه كيف تيسر لرجل واحد أن يخاطب أهل بلدة بكاملها، بشكل طبيعي غير إعجازي.
إلا أن هذا السؤال يحتوي على سذاجة واضحة، لوضوح كفاية قيام الفرد خطيباً في المسجد الحرام المحتشد بأهل مكة، مستعملاً الأجهزة الحديثة لبث الصوت وتكبيره. لكي يستطيع الفرد أن يخاطب أهل مكة جميعاً، ويبلغ الحاضر منهم الغائب في أقل من ساعة من نهار.
وقد يخطر في الذهن أنه من أين للنفس الزكية حصول مثل هذا الجمع، واستعمال المكبرات.
وجوابه: أننا لم نلاحظ إلى الآن في [النفس الزكية] إلا جهته الخفية وهو أنه من خاصة الإمام المهدي (ع) في أواخر عصر الغيبة. ولم يتيسر لنا ملاحظة الجهة الإجتماعية المعلنة له عادة.
إن اختيار المهدي (ع) له لينوب عنه بالتبليغ، ليس جزافياً، إلا بعد إحراز النجاح في ذلك، أعني التبليغ، وله القابلية الفكرية والإجتماعية المعلنة له دخيلة لا محالة في ترجيح اختياره.
فقد يكون هذا الرجل خطيباً معروفاً أو وجيهاً أو له درجة من المسؤولية والسلطة في المجتمع، ومن الممكن له أن يجمع الناس ويخطب بهم بواسطة اجهزة التكبير.
وخاصة إذا عرفنا أنه سيقول قولته والناس لا زالت مجتمعة بعد الحج. فقد وردت روايات سنسمعها تعرب عن أن الظهور سيتم في اليوم العاشر من محرم الحرام، فإذا استثنينا من ذلك خمس عشرة ليلة، كان موعد الخطاب النفس الزكية هو اليوم الخامس والعشرين من شهر ذي الحجة الحرام. أي بعد انتهاء اعمال الحج بحوالي عشرة أيام.
الإعتراض الثاني: أنه كيف أمكن للنفس الزكية أن يطلع على حقيقة الإمام المهدي (ع) خلال عصر غيبته، ويحمل منه الرسالة إلى أهل مكة. مع أن ذلك متعذر بالنسبة إلى كل أحد، إلى حين حصول الظهور.
والجواب الأولي الواضح لذلك، هو ان الإرسال كان من قبل الإمام المهدي (ع) نفسه، وهو العالم بالمصالح، ويستطيع أن يكشف حقيقته للفرد، اياً كان، في حدود ما يعرفه من ملابسات وحقائق.
لكننا لو عبرنا عن الإعتراض بتعبير آخر من زاوية ما عرفناه في التاريخ السابق. من أن مصلحة الغيبة مقدمة على كل مصلحة، فكيف جاز للإمام (ع) أن يكشف حقيقته أمام هذا الرجل، مهما كان صالحاً.
يمكن الجواب على ذلك من عدة وجوه نلخصها فيما يلي:
الجواب الأول: أن ما عرفناه من تقديم مصلحة الغيبة على كل مصلحة، وإن كان صحيحاً، إلا أن السر الأساسي فيه هو: أن كشف الغيبة وارتفاعها مناف مع حفظ المهدي (ع) لليوم الموعود. ومن ثم تكون مصلحة الغيبة هي مصلحة اليوم الموعود. ومصلحة ذلك اليوم مقدمة على كل مصلحة.
وهذا البرهان لا يرد في واقعة إرسال النفس الزكية، لأن مصلحة الظهور واليوم الموعود نفسه، أصبحت متوقفة على انكشاف الغيبة بالنسبة إلى هذا الشخص، وتعرفه على حقيقة المهدي (ع). بغض النظر عن الأجوبة الآتية. فيكون مقتضى تقديم مصلحة الظهور على كل مصلحة, هو هذا الإنكشاف لا الغيبة.
الجواب الثاني: أننا قلنا في التاريخ السابق. أيضاً: أن كل ناجح نجاحاً تاماً في التمحيص الإلهي، بحيث يكون مؤهلاً للمشاركة في مهام عصر الظهور، يكون في إمكانه رؤية المهدي (ع) خلال عصر غيبته، إذ لا يحتمل أن يكون مورد خطر بالنسبة إليه. وقد دلت كثير من الروايات وعدد من أخبار المشاهدة، بأن المجتمعين به (ع) في عصر الغيبة متعددون، ممن يعرف هويته وصفته. وأنه يجمع إليه أنصاره ممن بلغ في التمحيص غايته، ونجح فيه النجاح المطلوب. وإن في ذلك من المصالح التي تمت إلى ممارسة هؤلاء للقيادة في اليوم الموعود، ما لا يخفى.
ويبدو من سياق الرواية التي تعرب عن إرسال النفس الزكية، أن هذا الرجل إنما هو من هؤلاء الخاصة الذين يجمعهم المهدي (ع) ويعرفهم بحقيقته ومن هنا لا يكون في إطلاع النفس الزكية على حقيقة الإمام المهدي (ع) أي إشكال.
وينبغي أن نلاحظ هنا: أن النفس الزكية حتى لو كان مطلعاً على حقيقة المهدي (ع) حين إرساله، فإنه ليس من الضروري أن يسميه في خطبته. بل قد يذكر العنوان المعلن للمهدي (ع) ويتجنب ذكر الحقيقة بالرغم من معرفته لها، تبعاً لأمر إمامه وقائده (ع).
الجواب الثالث: أن ننطلق من الزاوية التي تصورنا بها تعرف السفياني، على تحركات الإمام المهدي (ع)، وهي اطلاعه عليه بعنوانه المعلن لا بحقيقته.
فمن المحتمل، أن لا يكون [النفس الزكية] مطلعاً على حقيقة الإمام المهدي (ع) الذي أرسله... بل يذهب لتبليغ الرسالة وهو لا يعلم أكثر من كونها صادرة عن [فلان] الذي يسميه في خطبته. وهذا كاف في إقامة الحجة على الناس.
كما أنه كاف لتفسير مقتله، إذ لا دليل على أنهم يقتلونه باعتبار رسالته عن المهدي (ع) بالذات، بل باعتبار مضمون خطبته، وقد يكون المهدي بعنوانه العلني مبغوضاً لديهم أيضاً، فينزعجون من تجاوب [النفس الزكية] معه وقبوله لتحمل رسالته.الموسوعة ج3 ص175
وهو إنسان قرنت حركته ومقتله بظهور الإمام المهدي (ع)، في أخبار المصادر الخاصة على الأغلب.
وقد سبق في التاريخ السابق. أن بحثنا ذلك وعرضنا الأخبار التي تصرح بأن مقتل النفس الزكية من المحتوم، وغيرها.
ولكننا لم نستطع هناك - بما كان لنا من منهج في الإثبات التاريخي - ان ندفع احتمالاً معيناً، هو أن تكون النفس الزكية هو محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب (ع). وحيث ان مقتله قد حصل في العهد العباسي الأول، فلا ينبغي انتظار حادثة أخرى لمقتل النفس الزكية في مستقبل الدهر.
ولكننا نحاول الآن أن نبحث المطلب بشكل جديد، انطلاقاً من المنهج الذي اتخذناه في هذا التاريخ، وهو التنزل عن التشدد السندي وقبول الخبر الموثوق، وإن لم تقم القرائن على صدقه من الخارج. وهذه هي نقطة الإختلاف بين المنهجين، كما أشرنا في أول الكتاب.
وينبغي أن نتكلم عن [النفس الزكية] ضمن عدة نواحي:
الناحية الأولى: في سرد الأخبار الواردة في هذا الموضوع، غير ما نقلناه في التاريخ السابق، إلا القليل الذي نحتاجه فنكرره.
روينا في التاريخ السابق. عن المفيد في الإرشاد. عن أبي جعفر الباقر (ع) والشيخ في الغيبة. والصدوق في إكمال الدين. عن أبي عبد الله الصادق (ع) بلفظ متقارب - واللفظ للمفيد -: أنه قال: ليس بين قيام القائم (ع) وقتل النفس الزكية، أكثر من خمس عشرة ليلة.
وقال في الإرشاد.: قد جاءت الآثار بذكر علامات لزمان قيام القائم المهدي (ع) ... وعد منها: ذبح رجل هاشمي بين الركن والمقام.
وأخرج في البحار. عن السيد علي بن عبد الحميد بالإسناد إلى أبي بصير عن أبي جعفر (ع)، في حديث طويل، يقول فيه: يقول القائم (ع) لأصحابه: يا قوم, إن أهل مكة لا يريدونني، ولكني مرسل إليهم لأحتج عليهم بما ينبغي لمثلي أن يحتج عليهم.
فيدعو رجلاً من أصحابه، فيقول له: إمض إلى أهل مكة! فقل يا أهل مكة! أنا رسول فلان إليكم، وهو يقول: إنا أهل بيت الرحمة ومعدن الرسالة والخلافة، ونحن ذرية محمد وسلالة النبيين. وإنا قد ظلمنا واضطهدنا وقهرنا وابتز منا حقنا، منذ قبض نبينا إلى يومنا هذا، فنحن نستنصركم فانصرونا.
فإذا تكلم هذا الفتى بهذا الكلام، أتوا إليه فذبحوه بين الركن والمقام، وهو النفس الزكية... الحديث.
وأخرج أيضاً. عن الكافي بسنده عن يعقوب السراج عن أبي عبد الله (ع) في حديث عن المهدي (ع) يقول فيه:
ويستأذن الله في ظهوره: فيطلع على ذلك بعض مواليه. فيأتي الحسني فيخبره الخبر، فيبتدر الحسني إلى الخروج، فيشب عليه أهل مكة، فيقتلونه، ويبعثون برأسه إلى الشام، فيظهر عند ذلك صاحب الأمر... الخبر.
وقال الرواندي في الخرايج والجرايج. وروي أن النفس الزكية هو غلام من آل محمد اسمه محمد بن الحسن يقتل بلا جرم. فإذا قتل فعند ذلك يبعث الله قائم آل محمد.
أقول: وأرسل الصافي في منتخب الأثر. هذا المعنى ارسال المسلمات.
وأخرج الصافي. عن غيبة الشيخ بسنده عن سفيان بن ابراهيم الحريري أنه سمع أباه يقول:
النفس الزكية غلام من آل محمد، اسمه محمد بن الحسن، يقتل بلا جرم ولا ذنب. فإذا قتلوه لم يبق لهم في السماء عاذر ولا في الأرض ناصر. فعند ذلك يبعث الله قائم آل محمد... الحديث.
فهذا هو كل ما وجدناه من الأخبار بهذا الصدد. وسنمحصها بعد إعطاء الفهم المتكامل عنها.
الناحية الثانية: في محاولة فهم هذه الأخبار ككل، على تقدير صحتها وكفايتها للإثبات التاريخي. ويكون فهمنا هذا تتمة - بشكل أو آخر - للفهم العام الذي ذكرناه للسفياني.
إن المهدي (ع) مع خاصة أصحابه حين يهربون من وجه جيش السفياني المبعوث ضدهم. من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة، يصبح من الواجب على أهل مكة نصرته، بحسب تكليفهم في نصرة المؤمنين المظلومين ضد الظالمين ممن كان على شاكلة السفياني.
ولكن لن يكون لأهل مكة استعداد للنصرة، اما لأجل اختلاف مذهبهم عن مذهب المهدي (ع) في الإسلام، وإما لأجل خوفهم من سطوة السفياني وسلطته، وحسبنا أننا سمعنا أن السفياني دخل الحجاز من دون مقاومة عسكرية، لمدى الرهبة والخوف الذي زرعه في النفوس. ومن هنا يحافظ أهل مكة على مصالحهم الخاصة وينكمشون ضد المهدي (ع). أعني: بعنوانه المعلن وإن جهلوا حقيقته.
ويعلم الإمام المهدي (ع) بعدم استعدادهم لنصرته. فيقول لخاصته: يا قوم، إن أهل مكة لا يريدونني. ولكني مرسل إليهم لأحتج عليهم، بما ينبغي لمثلي أن يحتج عليهم.
ويكون هذا الإحتجاج اتماماً للحجة عليهم، ومواجهة صريحة لهم بالموقف حتى لا يبقى منهم غافل أو مماطل.
ومن هنا يفكر المهدي (ع) بأن يرسل شخصاً من قبله إلى أهل مكة ليقوم بهذا الإحتجاج. فيدعو بعض أصحابه، وهو من الهاشميين ومن المخلصين الممحصين، على ما سنعرف الوجه فيه... ويحمله رسالة شفوية معينة، ويأمره بأن يخطب بها في المسجد الحرام بين الركن والمقام وقد سمعنا نص الخطبة في الأخبار.
وينبغي هنا أن نلاحظ أنه حين يقول: أنا رسول فلان إليكم... لا دليل على أنه يورد اسم المهدي (ع) بحقيقته ويعرف المخاطبين أنه هو المهدي الموعود، بل لعله يورد الإسم أو العنوان المعلن اجتماعياً له (ع) في ذلك الحين.
وما أن يسمع أهل مكة هذه الخطبة، حتى يجتمعون عليه ويقتلونه بين الركن والمقام قرب الكعبة المشرفة في بيت الله الحرام. ولعلهم يقطعون رأسه ويرسلونه إلى السفياني، ليكون لهم الزلفى لديه.
هكذا تقول إحدى الروايات السابقة، ولكننا عرفنا أن مركز السفياني يومئذ لن يكون هو الشام بل هو العراق، وإن كان كلا القطرين تحت سيطرته وهذا له عدة توجيهات، أوضحها: احتمال أن يكون السفياني في ذلك الوقت قد ترك مركزه وسافر إلى الشام لإنجاز بعض المصالح المعينة، ريثما يعود مرة أخرى.
وعلى أي حال، فإنهم حين يفعلون ذلك، يكونون قد عصوا العديد من أهم أحكام الإسلام وضروريات الدين. منها: المحافظة على حرمة البيت الحرام الذي اعتبره القرآن الكريم حرماً آمناً. ومنها: قتل النفس المؤمنة بدون جرم وبغير نفس ومنها: رفض نصرة المستنصرين بالحق. فيشتد غضب الله تعالى على أهل الأرض، فيأمر الإمام المهدي (ع) بالظهور لأخذ الحق ودحر الظالمين.
ويكون رسول المهدي (ع) هذا هوالنفس الزكية الموعود قتلها بين الركن والمقام، وسوف لن يكون بين مقتلها وبين الظهور أكثر من خمس عشرة ليلة.
وهذا هو التصور العام الذي تعكسه هذه الأخبار ولتاريخ تلك الفترة. وهو تصور سليم إلى حد كبير. لا يكاد يرد عليه إلا المناقشات القليلة الآتية التي لا تغير من جوهره شيئاً. ومعه لا حاجة إلى الحمل على الرمز، لما قلناه من أنه يتعين ذلك عند قيام الدليل على بطلان المعنى [الصريح].
إلا أن ارتفاع هذا الفهم إلى مستوى الإثبات التاريخي، منوط بصحة تلك الأخبار وصلاحيتها للإثبات، وهذا ما سنبحثه غير بعيد.
الناحية الثالثة: في نقد بعض الإعتراضات التي تورد على هذا الفهم العام:
الإعتراض الأول: أنه كيف تيسر لرجل واحد أن يخاطب أهل بلدة بكاملها، بشكل طبيعي غير إعجازي.
إلا أن هذا السؤال يحتوي على سذاجة واضحة، لوضوح كفاية قيام الفرد خطيباً في المسجد الحرام المحتشد بأهل مكة، مستعملاً الأجهزة الحديثة لبث الصوت وتكبيره. لكي يستطيع الفرد أن يخاطب أهل مكة جميعاً، ويبلغ الحاضر منهم الغائب في أقل من ساعة من نهار.
وقد يخطر في الذهن أنه من أين للنفس الزكية حصول مثل هذا الجمع، واستعمال المكبرات.
وجوابه: أننا لم نلاحظ إلى الآن في [النفس الزكية] إلا جهته الخفية وهو أنه من خاصة الإمام المهدي (ع) في أواخر عصر الغيبة. ولم يتيسر لنا ملاحظة الجهة الإجتماعية المعلنة له عادة.
إن اختيار المهدي (ع) له لينوب عنه بالتبليغ، ليس جزافياً، إلا بعد إحراز النجاح في ذلك، أعني التبليغ، وله القابلية الفكرية والإجتماعية المعلنة له دخيلة لا محالة في ترجيح اختياره.
فقد يكون هذا الرجل خطيباً معروفاً أو وجيهاً أو له درجة من المسؤولية والسلطة في المجتمع، ومن الممكن له أن يجمع الناس ويخطب بهم بواسطة اجهزة التكبير.
وخاصة إذا عرفنا أنه سيقول قولته والناس لا زالت مجتمعة بعد الحج. فقد وردت روايات سنسمعها تعرب عن أن الظهور سيتم في اليوم العاشر من محرم الحرام، فإذا استثنينا من ذلك خمس عشرة ليلة، كان موعد الخطاب النفس الزكية هو اليوم الخامس والعشرين من شهر ذي الحجة الحرام. أي بعد انتهاء اعمال الحج بحوالي عشرة أيام.
الإعتراض الثاني: أنه كيف أمكن للنفس الزكية أن يطلع على حقيقة الإمام المهدي (ع) خلال عصر غيبته، ويحمل منه الرسالة إلى أهل مكة. مع أن ذلك متعذر بالنسبة إلى كل أحد، إلى حين حصول الظهور.
والجواب الأولي الواضح لذلك، هو ان الإرسال كان من قبل الإمام المهدي (ع) نفسه، وهو العالم بالمصالح، ويستطيع أن يكشف حقيقته للفرد، اياً كان، في حدود ما يعرفه من ملابسات وحقائق.
لكننا لو عبرنا عن الإعتراض بتعبير آخر من زاوية ما عرفناه في التاريخ السابق. من أن مصلحة الغيبة مقدمة على كل مصلحة، فكيف جاز للإمام (ع) أن يكشف حقيقته أمام هذا الرجل، مهما كان صالحاً.
يمكن الجواب على ذلك من عدة وجوه نلخصها فيما يلي:
الجواب الأول: أن ما عرفناه من تقديم مصلحة الغيبة على كل مصلحة، وإن كان صحيحاً، إلا أن السر الأساسي فيه هو: أن كشف الغيبة وارتفاعها مناف مع حفظ المهدي (ع) لليوم الموعود. ومن ثم تكون مصلحة الغيبة هي مصلحة اليوم الموعود. ومصلحة ذلك اليوم مقدمة على كل مصلحة.
وهذا البرهان لا يرد في واقعة إرسال النفس الزكية، لأن مصلحة الظهور واليوم الموعود نفسه، أصبحت متوقفة على انكشاف الغيبة بالنسبة إلى هذا الشخص، وتعرفه على حقيقة المهدي (ع). بغض النظر عن الأجوبة الآتية. فيكون مقتضى تقديم مصلحة الظهور على كل مصلحة, هو هذا الإنكشاف لا الغيبة.
الجواب الثاني: أننا قلنا في التاريخ السابق. أيضاً: أن كل ناجح نجاحاً تاماً في التمحيص الإلهي، بحيث يكون مؤهلاً للمشاركة في مهام عصر الظهور، يكون في إمكانه رؤية المهدي (ع) خلال عصر غيبته، إذ لا يحتمل أن يكون مورد خطر بالنسبة إليه. وقد دلت كثير من الروايات وعدد من أخبار المشاهدة، بأن المجتمعين به (ع) في عصر الغيبة متعددون، ممن يعرف هويته وصفته. وأنه يجمع إليه أنصاره ممن بلغ في التمحيص غايته، ونجح فيه النجاح المطلوب. وإن في ذلك من المصالح التي تمت إلى ممارسة هؤلاء للقيادة في اليوم الموعود، ما لا يخفى.
ويبدو من سياق الرواية التي تعرب عن إرسال النفس الزكية، أن هذا الرجل إنما هو من هؤلاء الخاصة الذين يجمعهم المهدي (ع) ويعرفهم بحقيقته ومن هنا لا يكون في إطلاع النفس الزكية على حقيقة الإمام المهدي (ع) أي إشكال.
وينبغي أن نلاحظ هنا: أن النفس الزكية حتى لو كان مطلعاً على حقيقة المهدي (ع) حين إرساله، فإنه ليس من الضروري أن يسميه في خطبته. بل قد يذكر العنوان المعلن للمهدي (ع) ويتجنب ذكر الحقيقة بالرغم من معرفته لها، تبعاً لأمر إمامه وقائده (ع).
الجواب الثالث: أن ننطلق من الزاوية التي تصورنا بها تعرف السفياني، على تحركات الإمام المهدي (ع)، وهي اطلاعه عليه بعنوانه المعلن لا بحقيقته.
فمن المحتمل، أن لا يكون [النفس الزكية] مطلعاً على حقيقة الإمام المهدي (ع) الذي أرسله... بل يذهب لتبليغ الرسالة وهو لا يعلم أكثر من كونها صادرة عن [فلان] الذي يسميه في خطبته. وهذا كاف في إقامة الحجة على الناس.
كما أنه كاف لتفسير مقتله، إذ لا دليل على أنهم يقتلونه باعتبار رسالته عن المهدي (ع) بالذات، بل باعتبار مضمون خطبته، وقد يكون المهدي بعنوانه العلني مبغوضاً لديهم أيضاً، فينزعجون من تجاوب [النفس الزكية] معه وقبوله لتحمل رسالته.الموسوعة ج3 ص175